وكالات التصنيف العالمية .. وماذا بعد؟

نبيل بن عبد الله المبارك

من:                                   Hassan Ahmad [hnsa19@yahoo.com]

تاريخ الإرسال:                     24 أيار, 2009 01:55 م

إلى:                                   kantakjigroup@googlegroups.com

الموضوع:                           وكالات التصنيف العالمية

 

 

 

 

السلام عليكم ورحمة الله:

                    وكالات التصنيف العالمية .. وماذا بعد؟!

نبيل بن عبد الله المبارك

لكل زمن دولة ورجال، لذا نستطيع أن نقول إن من أكبر إيجابيات الأزمة الحالية هو ما حدث وسوف يحدث لوكالات التصنيف العالمية، والتي سبق لي الحديث عنها والقول إنها اسُتخدمت كأداة من أدوات الضغط، والتوجيه، والتهديد، والتأديب، بل والتجسس أيضاً على كثير من الدول والشركات العاملة فيها، وهذا ليس زعمي، لكنه حديث قيل ويقال في عقر دار تلك الوكالات اليوم. ولا يستطيع أحد أن ينكر الدور الذي كانت تلعبه تلك الوكالات في إدارة الصراع السياسي عبر الأدوات الاقتصادية. في مقابل ذلك أيضا لا نستطيع أن ننكر الدور الإيجابي لفكرة التصنيف وفكرة وضع معايير عالمية لإدارة الأعمال والأنظمة والتشريعات التي تحمي اللاعبين في اقتصادات اليوم.

بدأت فكرة التصنيف منذ أكثر من 148 سنة، حيث أسست أول شركة من هذا النوع في عام 1860م، ثم بعد ذلك بأربعين عاماً جاءت شركة أخرى في عام 1900م وبعد ذلك بثلاثة عشر عاماً (1913م) جاءت شركة ثالثة، واليوم لدينا أكثر من 14 شركة منها ما يعمل على مستوى عالمي ومنها ما يعمل على مستوى محلي. والفكرة الأساسية والبسيطة التي بدأت بها تلك الشركة أن هناك من يحتاج إلى معلومات توضح فكرة السندات المصدرة والعائد عليها وإعطاء تقييم للمستثمرين الذين يريدون الاستثمار فيها. بطبيعة الحال لم يكن النظام المالي متقدماً، ولم يكن هناك حتى الحاسبات التي تساعد على حساب العوائد. وبالتالي كانت الفكرة مساعدة يدوية لتقييم استثمارات بمقابل مادي. وبسبب حداثة التجربة وعدم الوثوق بها، لم يكن المستثمرون على قناعة بدفع مقابل الحصول على تلك المعلومات، وبالتالي كانت النتيجة ومع استيعاب مصدري السندات والقروض لأهمية توفير المعلومات للمستثمرين لإقناعهم بالاستثمار، أصبحت الآلية أنهم هم من يدفعون لشركات التصنيف مقابل إعطاء معلومات عن السندات والقروض التي يرغبون في إصدارها. وهنا ما نشاهده اليوم من خلل واضح من أن الشركات والمؤسسات المالية "تدفع" لوكالات التصنيف حتى تمنحك تصنيفا ما. وتخيل فكرة أن تدفع مقابل تقييمك!!! ومهما يقال عن المهنية والحيادية وما شابه، أنا من يدفع حتى أحصل على تصنيف، وبالتالي إما أن أكون في مركز قوة، وبالتالي أفرض وجهة نظري وإما أن لدي القدرة على توفير معلومات معينة لتلك الوكالة بما يؤدي إلى حصولي على تصنيف جيد (ما حدث في الغرب)، أو أن أكون في موقف ضعف أمام تلك الوكالة، وهي التي تقرر مصيري وفي بعض الحالات مصير دول (ما حدث في العالم الثالث). وهو أمر غير مقبول ورأينا اليوم النتائج على أرض الواقع.

ومع مرور الوقت والتوسع الهائل في النظام المالي العالمي وتقدم المنتجات المالية وكذلك التقدم الكبير في أنظمة المعلومات والدراسات البحثية المبنية على المعلومات وبالذات تلك المعلومات التي لا تحصل عليها إلا وكالات التصنيف تلك بحكم تغلغلها في النظام المالي، بحيث أصبحت لاعباً رئيساً لا يمكن الاستغناء عنها، توجهت تلك الشركات إلى تصنيف الدول من ناحية الملاءة المالية لتلك الدول وقدرتها على الإيفاء بالالتزامات المالية المترتبة على القروض التي تحصل عليها. و تطورت المسألة إلى ما هو أبعد من ذلك، فعن طريق مصادر خاصة لتلك الشركات والتي من ضمنها حتى وكالات الاستخبارات لدول تلك الشركات، أصبحت تلك الشركات تعطي أحكاماً على الأنظمة وتطورها وكذلك على القدرات السيادية لكل بلد. بيد أن المشكلة أن أساس القياس في أحكام هذه الشركات كان البيت الأول لها هو الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي أي عمل لا يقوم على الطريقة الأمريكية، فإن تقييمه لا بد أن يكون أقل مما هو معمول به في الولايات المتحدة، وبالتالي وصلت إلى مرحلة أن تلك الوكالات رفضت في حالات كثيرة تصنيف دول معينة لأسباب معينة. ومع مرور الوقت، للأسف، أصبحت تلك الوكالات جواز سفر لكثير من الدول والشركات إلى أسواق معينة. وهو الأمر الذي أدى إلى إعطائها قوة فائقة جعلت عديدا من المؤسسات الدولية تعطيها مصداقية دون مشقة السؤال عنها لدرجة أن تشريعات دولية (وهبت) تلك الوكالات غطاء عبر ضرورة استخدامها في قياس بعض المخاطر للمؤسسات والشركات المالية.

وجاءت قاصمة الظهر لتلك الوكالات كما يقال عندما انهارت شركات ومؤسسات كبيرة تحمل لافتة تقول إنها مُقيمة بأفضل تقييم من تلك الوكالات العالمية، والتي لم تأت اليوم فقط ولكن منذ ثماني سنوات عندما انهارت أكبر شركة طاقة في العالم Enron نتيجة تلاعب واضح داخل الشركة وما تلاها من انهيارات، والتي بدأ آخرها في أيلول (سبتمبر) من العام الماضي مع انهيار AIG وLethem brother، رغم أن تصنيفها كان الأعلى في العالم، وكذلك انهيار المنتجات التي كانت مقيمة AAA، والتي تعرف بالمنتجات المالية المهيكلة Structured Finance.

وكانت غلطة الشاطر بألف كما يقال. تواجه شركات التصنيف العالمية اليوم أكبر تحد منذ تأسيسها وهو تحدي وجود، رغم عدم إنكار الأدوار الإيجابية التي قامت بها خلال العقود الماضية، ولكن اليوم سوف يتم اتخاذ قرارات حقيقية في طريقة عملها ولن تترك دون تنظيم بعد اليوم، لتعظيم الأدوار الإيجابية وتلافي السلبيات.

عليه، يجب أن تكون لنا في عالمنا العربي، وبالذات الخليجي، كلمة في هذا المجال وأن نستفيد من تلك الفرصة. كما أن على المهنيين في القطاعات المالية عدم أخذ ما يقال عنا من قبل تلك الشركات وحمله محمل التنزيه، كما لو كان لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. علينا أن يكون لدينا في داخلنا الثقة على معرفة نقاط قوتنا ونقاط ضعفنا. علينا أن نعرف أهدافنا وإلى أين نحن متجهون. وبالتالي العمل الجاد على تحقيق الأهداف بكل إخلاص وثقة بالقدرات الذاتية والكفاءات الوطنية مع ضرورة الاستفادة من تجارب الآخرين والقدرات الفنية والتقنية التي لديهم، ولكن دون أن نسلم رقابنا لهم!