هستيريا الأزمة العالمية

الموضوع:    هستيريا الأزمة العالمية
يمكن أن ترسي الولايات المتّحدة خلال العام الجاري «كل الدعائم اللازمة لتحقيق النهوض الاقتصادي»، على حدّ تعبير الرئيس
باراك أوباما لصحيفة «نيويورك تايمز» أوّل من أمس، غير أنّ المجتمع يعيش في بعض جوانبه حالات متنوّعة من «الهستيريا»
بسبب الأزمة الاقتصاديّة، وخصوصاً مع وصول معدّل البطالة إلى 8.1 في المئة وانتشار «مخيّمات الفقر»
نيويورك
لا ينتظر الأميركيون نجاح خطة الإنقاذ الاقتصادي التي تبلغ قيمتها 787 مليار دولار، فالكثيرون منهم يعتقدون أنه عندما تنجح، قد
لا يكونون على قيد الحياة لجني ثمارها. لذا انتشرت في الفترة الأخيرة في الإذاعات ووسائل الإعلام الصغيرة والمتوسطة موجة
تشاؤم بنيت على خرافات قديمة، وعلى تجربة تاريخية ضحلة نسبياً. نبوءات من القرون الوسطى وروزنامات من العالمين القديم
والحديث، كلها تبشر بنهاية العالم عام 2012. وهذه النبوءات ترى أن الأزمتين المالية والمناخية تشيران إلى الأعظم الذي يتربّص
بالكوكب.
هناك مجموعة من كبار خبراء الاقتصاد ممن يكثر ظهورهم في برامج النقاش، قرأوا الأزمة المالية قبل تفجّرها، وحذروا من أن
الدمار الاقتصادي سيولّد حتماً عنفاً اجتماعيا قلّ نظيره. على رأس هؤلاء جيرالد سيلينته، مدير معهد «Trend» للدراسات
الاستراتيجية الاقتصادية الذي توقع الانهيارات الماليّة في أعوام أعوام 1987 و2001 و2009.
وحتى في الشبكات التلفزيونيّة الكبرى مثل «CNN» يكتفي مقدّمو البرنامج بالاستماع إليه بتمعن بقليل من المقاطعة. تراه واثقاً دون
أدنى تردّد أو تلعثم وهو يستعرض سيناريوهات عن المخاطر المحدقة بالمجتمع على المدى القصير خلال أشهر لا أعوام. وينصح
مثله مثل العديد من أقرانه، بتخزين الطعام والماء وأساليب إنارة بديلة للكهرباء، وبالتسلح والاستعداد لمعركة المعارك بين الأميركي
والأميركي، ويحذّر من مخاطر تسلح الدولة لحروب الخارج.
أما الأجانب المقيمون بصورة غير شرعية بعشرات الملايين فإنهم لا ينتظرون الأعظم لكي يقع. وبدأوا الهجرة الجماعية المعاكسة
منذ الصيف الماضي مفضّلين المعاناة بين ذويهم على المعاناة في الغربة. غالبيتهم يعودون بواسطة قنصلياتهم مفلسين. أما من قد
يبقون فقد يتحولون إلى جنود في العصابات الآخذة في التكاثر. سيلينته يؤمن بأن العملات ستفقد قيمتها سريعاً نتيجة تدهور القدرات
الإنتاجية بإقفال المصانع وزيادة طبع الأوراق النقدية دون رصيد. ويرى أيضاً أن سعر الذهب سيرتفع إلى مستويات فلكيّة.
بينما تفقد المحال التجارية والعقارات أهميتها الاقتصادية نتيجة اختفاء الزبائن.
ويقول سيلينته: «سنشهد انهياراً اقتصادياً عالمياً خلال العام الحالي لم يسبق له مثيل. انهياراً في تجارة المفرّق والسلع الاستهلاكية
بمعدلات وصلت في السلع الفاخرة إلى نسبة 35 في المئة حتى الآن، إقفال مصارف وفروع محالّ تجارية كبرى ومقاه»، وما
ستولّده هذه الموجة من بطالة سيؤثر كثيراً في قيمة العقارات السكنية والتجارية بما في ذلك في مناطق غنية مثل جزيرة مانهاتن.
ويرى بعض الخبراء أن الأزمة الحالية أفدح بكثير من الكساد العظيم الذي حل بالولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي، لأن
الأميركيين لم يمتلكوا حينها مساكن كثيرة استخدموها للاقتراض غير المسؤول. وكانت هناك قاعدة صناعية ساعدت العالم على
النهوض بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تعد تلك القاعدة قائمة حالياً.
الخوف ينتقل إلى الأمن الاجتماعي من اللجوء إلى خطف الميسورين من أجل الحصول على فدية. يتركز الخوف خصوصاً على
أطفال الأسر المتوسطة العائدين من مدارسهم.
كما يتوقّع البعض ثورة شعبية ضد النظام الذي لا بد أن يلجأ إلى زيادة الضرائب لحل مشاكله. الثورة ستبدأ بالعصيان المدني عن دفع
الضرائب وتتطور إلى أشكال متنوعة من العنف والفوضى الاجتماعية.
الانهيار لن يقتصر على العملات والإمدادات الغذائية والاستهلاكية التي يحتاج إليها سكان المدن. بل سيمتد أيضاً إلى الخدمات
العادية كالمياه التي قد لا تواصل الشركات تنقيتها بسبب العجز في ميزانياتها. وهنا لا بد من تخزين مصافٍ خاصة للمياه في المنازل
وعدم الاعتماد على المحالّ التجارية للحصول على مياه بالقوارير. فهذه ستختفي بسرعة كبيرة.
المتشائمون يذهبون إلى أبعد من ذلك متوقعين امتداد الأزمة الأمنية لتشمل الدول والقارات. من ذلك أن تلجأ الدول القوية إلى انتزاع
المواد بالقوة من الدول الضعيفة. وأن تسود حروب القبائل والأعراق بين إقليم وآخر، أو بين ولاية وولاية على غرار البربرية التي
سادت أوروبا في القرون الوسطى وقبلها.
كما يعرب البعض عن خشيته من عودة موجة الانتحارات الجماعية كما حدث في مدينة جونزتاون في غوايانا في عام 1978، عندما
انتحر 909 أشخاص دفعة واحدة بتناول السم أو قتلاً بالرصاص يأساً من العدالة على الأرض. وهناك العديد من الأمثلة المشابهة التي
مرت بها الولايات المتحدة وكندا وسويسرا واليابان خلال العقود الأخيرة