نحو سـوق مالي أقل تأرجحـــاً ومصادر دخل أكثر استقراراً وتنوعاً

نحو سـوق مالي أقل تأرجحـــاً

ومصادر دخل أكثر استقراراً وتنوعاً

 

إن الهبوط الحاد في المستوى العام للأسعار السائدة في سوق الأوراق المالية الكويتية الذي حدث مؤخراً يستوجب وقفة تأمل منا جميعاً لتحاشي تكراره قدر المستطاع.  وهذا لا يعني أنه يمكن قيام سوق أوراق مالية خالية من تذبذبات في الأسعار والتي هي ظاهرة صحية بحد ذاتها،  إلاَّ أنها مسألة نسبية، فالهبوط الحاد الذي شهدناه مؤخراً لا يمثل حتماً ظاهرة صحية بل تمثل التذبذبات القوية صعوداً وهبوطاً مصدر عدم استقرار للاقتصاد ككل، وقد تكون سبباً في خلق أزمات مستقبلية باهظة التكلفة مالياً واقتصادياً وحتى معنوياً واجتماعياً.  والحكمة التي مفادها "الوقاية خير من العلاج" تنطبق تمام الانطباق على هذا الوضع.  ولعل خير منطلق لتحليل هذه الأزمة لتجنب تكرار مثيلاتها مستقبلاً هو النظر في آلية تحرك المستوى العام لأسعار الأسهم.  ونعتقد أن المحرك الأساس هو مستوى أرباح الشركات والتوقعات المرتبطة به.  لذلك لننطلق من هذا الجانب لتعقب تطور الأسعار وأثرها في الأرباح ومن ثم دراسة تأثير الأرباح بدورها على الأسعار وما يمكن عمله لكسر هذه الحلقة الضارة.

 

تأرجح الدخل: 

دعونا نبدأ بتحليل أثر مضاربات شركة اعتبارية في سوق الأسهم على ربحيتها، ولنفترض أن لها ميزانية ابتدائية مبسطة كما يلي:-

 

الموجودات

المطلوبات

استثمارات صناعية      د.ك. 5.000   مليون

 

أسهم                    د.ك. 5.000   مليون

 حقوق المساهمين     د.ك.  10.000 مليون

المجموع                د.ك. 10.000 مليون     المجموع            د.ك. 10.000 مليون

ولنفترض أيضاً:

 

  • أن نشاطها في القطاع الصناعي يحقق لها عائداً مجزياً قدره 15%.
  • ويرتفع في السنة الأولى سوق الأسهم بنسبة 50% .
  • ثم ينخفض سوق الأسهم في السنة التالية بنسبة 33% (أي يعود لمستواه الابتدائي) متأثراً بانخفاض أسعار النفط مثلاً.
  • وأن توزيعات سوق الأسهم النقدية هي 6% في كلا السنتين كنسبة من الأسعار السائدة في نهاية العام.
  • وأن الشركة توزع ما يعادل 12% من رأس مالها في حال تحقق أرباح.

 

أرباح السنة الأولى:

 

أرباح صناعية              15%

 د.ك. 0.750 مليون

أرباح أسهم                 50%

د.ك.  2.500 مليون

توزيعات نقدية أسهم        6%

د.ك. 0.450  مليون

مجموع الأرباح

د.ك. 3.700  مليون

 

الميزانية في نهاية السنة الأولى:

الموجودات

المطلوبات

استثمارات صناعية      د.ك.   5.000 مليون

 

أسهم                     د.ك.   7.500 مليون

أرباح نقدية للتوزيع    د.ك. 1.200 مليون

نقود                     د.ك.    1.200 مليون

حقوق  المساهمين     د.ك. 12.500 مليون

المجموع                د.ك.    13.700 مليون

المجموع              د.ك. 13.700 مليون

 

أرباح السنة الثانية:

أرباح صناعية                  15%

د. ك. 0.750    مليون

خسائر أسهم                    33%

د.ك.  2,500 - مليون

توزيعات أسهم                   6%

د.ك.  0.300  مليون

صافي الخسائر

د.ك. 1.450 -  مليون

 

 

 

 

الميزانية في نهاية السنة الثانية:

الموجودات

المطلوبات

استثمارات صناعية         د.ك. 5.000 مليون

 

أسهم                        د.ك. 5.000 مليون

 

نقود                        د.ك. 1.050 مليون

حقوق المساهمين   د.ك. 11.050 مليون

المجموع                   د.ك. 11.050 مليون

المجموع           د.ك. 11.050 مليون

 

ماذا نستطيع أن نستنتج عن هذه الشركة؟

 

1 -  أن معدل أرباحها السنوية هو د.ك. 1.125 مليون، لكن بسبب استثمار قسم كبير من أصولها في سوق الأسهم فإن أرباحها تتأرجح بين د.ك. 3.700 مليون إلى خسارة    د.ك. 1.450 مليون.

2 -  أنها توزع أرباحاً بشكل متقطع أو على أقل تقدير بشكل متذبذب حيث تنخفض التوزيعات أو تنعدم في الأعوام التي تنخفض فيها أسعار الأسهم.

3 -   لو أن القيمة الاسمية للسهم هي 100 فلس وسعره يمثل 10 أضعاف الربح ولا يقل عن 90% من القيمة الدفترية، فإن سعر السهم يكون قد تأرجح بين 370 فلساً و 99.45 فلساً.

4 -  كلما زادت تقلبات أسعار الأسهم تأرجحت ربحية الشركة وكذلك سعر سهمها بوتيرة أقوى.

5 -  كذلك كلما زادت نسبة الأصول المستثمرة في السوق زاد ذلك من تأرجح أرباحها وسعر سهمها.

6 -  لو تم استثمار جميع موجودات الشركة في نشاطها الصناعي وبذات العائد المتحقق(15%) لكان معدل دخلها 1.500 د.ك. مليون سنوياً بدلاً من د.ك. 1.125 مليون ولكان أكثر استقراراً وربما تنامى أيضاً.

 

نسبة التوزيعات النقدية:

 

إن جميع الشركات في مختلف دول العالم تحاول تحديد النسبة الأمثل للأرباح النقدية الموزعة.  فهي بصورة عامة تحتفظ بنسبة أكبر من الأرباح المتحققة إذا استطاعت استخدامها في مجال تخصصها لتحقق عائداً مجزياً وإلاَّ فتقوم بتوزيعها على المساهمين.  وهي بذلك توازن بين النمو في مجال تخصصها والنشاطات المكملة له وزيادة توزيع الأرباح آخذة بالحسبان بعض أو جميع العوامل التالية:-

 

1 -  هل الاستثمار في أصول إضافية يزيد من إنتاجها أو يرفع كفاءة ذلك الإنتاج وبالتالي ينمي أرباحها ضمن الاقتصاد المحلي؟

2 -  هل توسع نشاطها جغرافياً من خلال استثمارات مشابهة في دول أخرى؟

3 -  هل تقوم بشراء شركات مكملة لنشاطها وإلحاقها بها محلياً ودولياً؟

4 -  هل تقوم بشراء أسهمها من السوق الثانوية وإطفائها وبذلك تحقق نمواً في أرباح السهم مستقبلاً؟  تجدر الإشارة إلى أن إحدى شركات الإسمنت السعودية الناجحة قررت مؤخراً تخفيض رأسمالها بالنظر لزيادة الموارد المتاحة لها عن حاجتها.

5 -  هل تزيد من الأرباح الموزعة لأنها لا تستطيع استثمارها بعائد مجزي؟  بالمقارنة فإن احتفاظها بمبالغ سائلة كبيرة يجعلها عرضة لمحاولات شراء بالكامل من قبل شركات أخرى.

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مجالس إدارات الشركات الناجحة في الدول المتقدمة لا يحتفظون بأموال فائضة عن حاجات الشركات المعنية ولذلك لا يحتاجون للمضاربة في الأسهم.  وهم يدركون أن من الأفضل أن تكون الأموال الفائضة عن حاجة شركاتهم بأيدي المساهمين بدلاً من الشركة، والمساهمون أدرى بالجهات القادرة على إدارة المحافظ.  وبالمقارنة فإن احتفاظ الشركات بمبالغ طائلة مستثمرة في أسواق الأسهم يجعلها أشبه بصناديق استثمارية مقفلة منها شركات ذات تخصص.

 

شركات الاستثمار والمشورة الاستراتيجية:

إن إحدى الخدمات التي يمكن أن تقدمها شركات الاستثمار المتخصصة للشركات الأخرى هي تقديم النصح حول الآفاق المتاحة للاستثمار في شركات مكملة لنشاطها.  وكثيراً ما يكون لتلك الاستثمارات بعد جغرافي أيضا، وهي بذلك تخدم عملائها عن طريق تقديم خيارات إضافية عند تحديد معالم استراتيجية نمو الشركة المعنية.

 

ويقتضي النجاح في بلورة مثل هذه الاستراتيجيات شعور مجلس إدارة الشركة بالحاجة لمثل تلك المشورة حتى يبدأ عملية البحث عنها أو التغلب أحياناً على القناعة الخاطئة أنه يستطيع توفير كلفة تلك المشورة (False Economies).  كذلك يقتضي النجاح اختيار شركة الاستثمار المناسبة القادرة على دراسة الشركة المعنية وتقديم خيارات استثمارية مناسبة تساعد على بلورة ومن ثم تنفيذ استراتيجية نمو مناسبة.

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن شركات الاستثمار المتميزة لا بد لها من تطوير نظام معلومات متكامل عن الأسواق المالية العربية لكي تتمكن من تقديم خدمات أفضل لعملائها.  وسيمهد هذا التوجه الطريق لإيجاد شركات مصادر دخلها إقليمية بدلاً من أن تكون محلية فحسب.  كما أن غالبية الأسواق العربية متنامية ولكنها تعاني شحاً في الاستثمارات مما يعني عوائد مرتفعة،  أضف إلى ذلك أن نمو الشركات إقليمياً سيزيد من قدرتها على مواجهة المنافسة العالمية المتزايدة مع انفتاح الأسواق التدريجي خلال الأعوام القادمة.  ونعتقد أن مثل هذا التوجه سيساهم في  خدمة الاقتصاد عن طريق خلق بيئة مناسبة لتنويع مصادر الدخل وازدياد الاستثمار الفعلي طويل الأمد وبالتالي تحقيق استقرار أكثر في المستوى العام لأسعار سوق الأوراق المالية وتنامي في الأرباح بناء على تنامي الشركات لا تنامي مضارباتها.