مصرفية التحدي

ياسر بن عبد الرحمن آل عبد السلام

مصرفية التحدي

ياسر بن عبد الرحمن آل عبد السلام

تلمع المصرفية الإسلامية لمعان الذهب مع تزايد التحديات التي تواجهها، فالمصرفية الإسلامية بشكلها الحديث مع حداثتها إلا أنها استطاعت أن تحقق مكتسبات لا يمكن التخلي عنها أو إنكارها، فقد صمدت أمام تحديات يصعب تجاوزها أو تجاهلها خاصة عند مقارنتها بالمصرفية التقليدية التي توجد لها إمكانات تفتقر إليها المصرفية الإسلامية ومن ذلك تفتقر المصرفية الإسلامية إلى اقتصاديات تطبقها وترعاها، كما في المصرفية التقليدية التي ترعاها دول ذات اقتصاديات ضخمة وذات إنتاج عالٍ ساعد على انتشار المصرفية التقليدية، فالاشتراكية مثلاً ساعدتها على الانتشار قوة الاقتصاد الروسي والرأسمالية ساعدتها على الانتشار قوة الاقتصاد الأمريكي، بينما المصرفية الإسلامية تطبق في الدول الإسلامية التي بعضها فقير وبعضها ذات اقتصاديات متواضعة ومع هذا للأسف بعض دول العالم الإسلامي لا تطبق المصرفية الإسلامية أو تطبقها في بعض الجزئيات بينما ساعدت قوة اقتصاديات دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وتوجهها نحو المصرفية الإسلامية على انتشار هذه الصناعة وبروزها بشكل واضح. لقد كثرت أزمات النظام المصرفي العالمي مما يستدعي تطبيق نظام مصرفي يريح العالم من الأزمات المتتالية إلا أنه للأسف عندما التفت العالم إلى حلول لإيجاد نظام مصرفي عالمي وأعجب بالمصرفية الإسلامية كمبادئ وأسس لم يجد العالم نظاماً مصرفياً إسلامياً مطبقاً يمكن تطبيقه والاعتماد عليه، فالغرب لا يقبل أن يغامر بتطبيق نظام مصرفي غير مطبق عند أهله أصلاً وهم أيضاً ليسوا قادة في قيادة المصرفية العالمية مما يضعف المصرفية الإسلامية في المنافسة ويضعها أمام تحديات كبيرة.

إن المصرفية التقليدية في العالم قامت بعد عشرات السنين من التطبيق والممارسة والملاحظة والتطوير والتنمية وساعدتها على ذلك دول متقدمة عندها التطور العلمي والتقني والفني طوعته في خدمة المصرفية التقليدية مما ساعد على انتشارها وبروزها عالمياً على الرغم من كثرة المساوئ التي تظهر بين حينٍ وآخر، بينما المصرفية الإسلامية تحاول أن تنافس وأن تظهر مع أن العمر الزمني لها بشكلها الحديث قصير جداً مقارنة بالمصرفية التقليدية، بل إن المصرفية الإسلامية لا يملك أهلها مفاتيح التقنية والتكنولوجيا والتطور كما هي موجودة في الغرب والتي أسهمت في تطوير صناعتهم المصرفية التقليدية وفي حال كون التقدم والحضارة ومفاتيح العلم لدى المسلمين لكان وضع المصرفية الإسلامية مختلفاً تماماً على ما هو عليه.

إن صناعة المصرفية الإسلامية تفتقر إلى مراكز البحث العلمي المتخصصة وإلى الجامعات التي تخرج قادة هذه الصناعة مما أوجد ندرة في الكفاءات العاملة في هذا المجال، وعلى العكس من ذلك في المصرفية التقليدية التي هي واسعة الانتشار وتوجد لها مراكز للبحث ومراكز معلومات وتخصصات علمية يتخرج فيها الشخص ليعمل في هذه المصرفية التقليدية مما أوجد وفرة في العاملين في هذا التخصص وأسهم في انتشارها. تعاني صناعة المصرفية الإسلامية بعض التشوهات في منتجاتها بل وبعض الخلل في تطبيقات منتجاتها مما جعل عددا من المراقبين للسوق المصرفية يتهكم على المصرفية الإسلامية وفي أحيان أخرى عدم التفريق بين المصرفية الإسلامية وبين المصرفية التقليدية وأنها نظام واحد وهذا خطأ كبير سببه عدم المعرفة الكاملة بأسس المصرفية الإسلامية ومبادئها ومنطلقاتها والاقتصار على متابعة فقط الواقع لهذه المصرفية والتشوهات التي ذكرتها، والحق فإن المصرفية الإسلامية مستمدة من دين الإسلام الذي يدين به العالم الإسلامي والذي هو صالح لكل زمان ومكان فهو الدين الخاتم للأديان ولكن المسلمين في العالم للأسف يفقدون التطور بل يوجد لديهم التخلف في المجال الصحي والتعليمي والتقني والإعلامي ومجالات كثيرة والمصرفية الإسلامية جزء من هذا الواقع لا تنفك عنه وهذا الواقع حدا ببعض الغيورين على الإسلام إلى محاربة الربا وتطبيق منتجات إسلامية بديلة عن المصرفية التقليدية الواسعة الانتشار والسعي لأسلمة النظام المصرفي التقليدي وإيجاد البدائل المماثلة للمصرفية التقليدية، مما أوجد التشابه بين المصرفية الإسلامية والتقليدية وجعلها في بعض الأحيان بعيدة عن المقاصد الشرعية.

ختاماً، إن على المسلمين عموماً والمهتمين بالصناعة المصرفية الإسلامية خصوصاً إيجاد مراكز علمية لدعم صناعة المصرفية الإسلامية يجتمع فيها الباحثون من التخصصات الشرعية والاقتصادية والمالية لإيجاد منتجات مصرفية إسلامية ومحاولة تطوير المنتجات المصرفية المطبقة، كما يجب علينا أن نعنى بإيجاد الكليات والمعاهد المتخصصة في المصرفية الإسلامية لمعالجة الندرة في الكفاءات ومن يدري لعل المصرفية الإسلامية عند دعمها وتطبيقها على الوجه الأمثل تكون هي سبب تقدم البلدان الإسلامية وتجر معها أنواع الخير والازدهار وتسهم في التطور والتقنية ومعالجة مشكلات الفقر والبطالة وتدعم مراكز التعليم والبحث والتطوير مما يخدم المجتمع ويعزز التنمية الشاملة وعندها فقط نكون قد وضعنا اللبنة الأولى في طريق الإصلاح للنظام المصرفي الإسلامي ومهما طال الطريق فلابد من الوصول إلى المصرفية الإسلامية الحقيقية المستمدة من الكتاب والسنة التي تراعي مقاصد التشريع وتلبي احتياجات العملاء وتحقق أرباحا مقبولة للمستثمرين فيها.