قواعد منح المكافآت المالية في الشركات والمؤسسات المالية

د. عبد القادر ورسمه غالب

 غالبية الشركات والمؤسسات المالية كانت، وبعضها ما زال، تقدم المكافآت المالية لأعضاء مجالس الإدارة ولطاقم الإدارة التنفيذية العليا بكل سخاء وبدون حدود أو معايير محددة يتم الاسترشاد بها. وكان هذا أمراً طبيعياً، خاصة وأن من يقوم بتحديد هذه المكافآت هم أنفسهم أعضاء مجلس الإدارة، ومن خلفهم الإدارة التنفيذية العليا في هذه الشركات والمؤسسات المالية. وقد يجد العديد صعوبة في التجرد من النزعة الذاتية ولذا يمنح “نفسه” أكبر قدر يستطيعه من المنح والمكافآت خاصة وأن “القلم” في يده.

وهذا الوضع والذي كان سائداً، تسبب إلى حدٍ كبيرٍ في قيام الأزمات المالية العالمية والانهيارات المصرفية التي حدثت قبل مدة وما زالت آثار جراحها ظاهرة. وما يؤسف له أنه وبالرغم من وجود الخسائر، ظل البعض وبجلد ناشف يقبض المنح والمكافآت العالية، و يا للعجب؟

 إن ما حدث من أزمات عالمية وانهيارات، قام بقرع جرس الإنذار وبين درجة الخطورة التي لا بد من مجابهتها فوراً من أجل إسعاف ما يمكن إسعافه قبل الهلاك والدمار الكامل. وكرد فعل للإنذار، تدخلت السلطات الرقابية الإشرافية على البنوك، على المستويين المحلي والدولي، وأمرت باتخاذ العديد من الإجراءات الإسعافية الاحترازية، وكان من ضمن المقترحات النظر في هيكلة المكافآت الممنوحة لهؤلاء السادة والأعيان حتي تستقيم الأمور ولتنسجم هذه الهيكلة مع الواقع الذي تعيشه هذه الشركات والمؤسسات المالية.

وبدأت المناداة بضرورة التدخل لتصحيح الوضع وعدم “ترك الحبل على الغارب” حتى لا نفقد “الجمل بما حمل”. وبالنسبة للمؤسسات المالية، قام مجلس الاستقرار المالي “أف أس بي” بإصدار ما يعرف بـ” مبادئ الممارسات السليمة لمنح المكافآت المالية” وهدفها الرئيسي إعادة النظر والتدخل الفاعل الإيجابي في موضوع منح المكافآت في كل دول العالم، مع منح المساهمين الحق الكامل في التداول والمشاركة في القرارات المتعلقة بمنح المكافآت وما يرتبط بها. وهذا التوجه قد يحقق نوعاً من الضبط والتوازن لأن الجميع يدلي بدلوه في هذا الموضوع الحساس من ناحية شمولية غير شخصية.

وكذلك قامت لجنة بازل للرقابة المصرفية “بي سي بي أس”، لاحقاً، بإصدار ما يعرف بـ ”منهجية تقييم مبادئ ومعايير منح المكافآت المالية” من أجل توجيه الجهات الرقابية المختصة للاهتمام الجاد والالتزام المهني حيال إعادة النظر في موضوع منح المكافآت المالية في المؤسسات المالية سعياً نحو تقليل المخاطر العديدة المرتبطة بهذا الموضوع وتداركها في الوقت الصحيح. ولتحقيق الفائدة القصوى، وجهت لجنة بازل بالالتزام والتقيد التام بكل ما أصدره “مجلس الاستقرار المالي” لأنه يصب في المجرى نفسه.

كل التوجيهات الصادرة تهدف للعمل من أجل وضح حد أدني لمتطلبات هيكلة المكافآت المالية مع العمل، كذلك، على توفير “قواعد” رقابية لمتابعة ما تقوم به البنوك والمؤسسات المالية من أجل السيطرة على الممارسات الشخصية الجشعة. وفي المحصلة النهائية، لضمان السلامة المالية وتقليل المخاطر المرتبطة بكافة النواحي المالية خاصة المصروفات.

وبالطبع، إن البنوك والمؤسسات المالية وغيرهم من الشركات، لديهم الحرية في وضع الهيكلة المالية وكيفية تحديد الحوافز ومنح المكافآت وفق ما يرونه ملائماً من جهود مبذولة. ولكن يجب على الجميع، وخاصة البنوك والمؤسسات المالية، الاسترشاد بالمنهجية المذكورة في القرارات الصادرة من هذه الجهات الإشرافية؛ لأن انهيار البنوك له انعكاساته الضارة بكل الوضع الاقتصادي ويؤثر على الجميع.

ولذا يجب على أعضاء مجالس الإدارة وكل مساهم، في البنوك والمؤسسات المالية، النظر لهذا الموضوع بالموضوعية التامة المجردة مع المواءمة التامة في ما بين حقوق الشركة من جهة وحقوق مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية العليا من الجهة الأخرى وكذلك هناك ضرورة تحتم وضع “الجهات المرتبطة” في الاعتبار، حتى لا تتم السباحة عكس التيار.

من دون شك، هناك تحسن ونوع من “العقلانية” الطفيفة في ما يتعلق بالنظرة الحالية لموضوع منح المكافآت المالية، ونستطيع القول: إن ثقافة المجتمع حيال هذا الموضع قد تطورت لدرجة “حمائية” معقولة توازن الأمور المرتبطة بالمكافآت والمنح من جميع النواحي ولدرجة فيها تفضيل لما يخدم المجتمع أكثر مما يخدم الأفراد أو الأشخاص. ولكن، الموضوع لارتباطه بـ ”المادة” ما زال يحتاج لبعض الوقت وعامل الزمن له دور في الوصول للهيكلة المناسبة التي تراعي المصلحة الخاصة للدرجة التي لا تغمض حق المصلحة العامة.

وبالنسبة للبنوك ولجميع الشركات هناك الآن معايير إضافية مهمة جداً في الأحكام المتعلقة بـ ”حوكمة الشركات” ومن ضمن هذه الأحكام تخصيص لجنة خاصة من مجلس الإدارة للعناية الخاصة بموضوع الرواتب والبدلات والمكافآت والمنح والضوابط المرتبطة بكيفية تحديدها وتجديدها واستمرارها ووقفها…. إلخ. وهذا بالطبع، إضافة للتعليمات العامة الصادرة من البنوك المركزية التي تنادي بحسن الإدارة والانضباط المالي والإداري.

هذه التعليمات الرقابية المهمة يجب على كل مجلس إدارة. في المؤسسات المالية، استنفار سلطاته للالتزام بحرفيتها. وفي تحقيق هذا سيكون هناك تطور كبير في ضبط الأمور المالية والإدارية بما يعود بالفائدة على الجميع.

ولذا ننادي كافة البنوك والشركات بالحرص الشديد على تنفيذ أحكام حوكمة الشركات الصادرة بموجب القوانين المحلية بالإضافة للأطر العامة المذكورة في الأحكام الصادرة من الجهات الإشرافية الرقابية العالمية مثل، مجلس الاستقرار المالي ولجنة بازل للرقابة المصرفية وغيرهم كثر......

وليكن في هذه التوجهات حافزاً لمجالس الإدارات وكبار المسؤولين في الشركات لبذل المزيد من الجهود لتحقيق الأرباح المتتالية، ومن هذا يستحقون ما يمنح لهم ولا تثريب عليهم انطلاقا من قاعدة “الغرم بالغنم” وعن طيب خاطر ينال كل فرد الجزاء والعطاء الذي يستحقه.