غسل الأموال في النظم الوضعية رؤية إسلامية

أ.د محمد بن أحمد صالح الصالح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

غسل الأموال في النظم الوضعية

 رؤية إسلامية

 

 

أ.د محمد بن أحمد صالح الصالح

أستاذ الدراسات العليا

وعضو المجلس العلمي

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

 

 

 

 

 

 

(طبعة تمهيدية)

 

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعاءٍِ بدعوته واهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.      

 أما بعد:

          فإن الثقافة القوية تفرض نفسها على الثقافة الضعيفة وتستمد الثقافة قوتها من قوة الدولة التي تتبعها والحضارة التي تلتصق بها وقد سادت الثقافة الإسلامية في عصر ازدهار الإسلام، وعمت المفاهيم والأفكار والمصطلحات الإسلامية مشارق الأرض ومغاربها حيث أنه لم تخل لغة من اللغات من بعض المصطلحات والكلمات العربية، وفي العصر الحاضر غلبت الثقافة الغربية على الفكر الإسلامي وكثرت المصطلحات الأجنبية في بلاد الإسلام، سواء مما تعلق منها بالمحسوسات
أو المعقولات.

ففي مجال المحسات كثرت مسميات الآلات الحديثة في ميادين شتى وجرت على الألسنة، وفي مجال المعقولات وفدت إلينا أسماء  واصطلاحات كثيرة وأصبحت لغة التداول في وسائل الإعلام مثل مصطلح "غسل الأموال" وتبيض الأموال، "تطهير الأموال" وغيرها من المصطلحات بدلاً من المال الحرام ولست أدري : هل القائمون على أمر هذه الأشياء هم الذين أطلقوا عليها هذه التسميات لتبقى معماة أو طلقها غيرها لاعتبارات رأوها، وإن وردت بعض التعليلات لبعض الأسماء لكن تبقى أسماء أخرى لم يرد لها سبب للتسمية.

وهذا ما جعلني أكتب هذا البحث ردّاً المصطلحات الحديثة إلى أصول إسلامية ثم استبدال الألفاظ فيها بغيرها، حتى تتسم بسمة الفكر الغربي لكرههم لكل ما هو إسلامي، وإقامة الدليل على أن الإسلام سبق جميع النظم في علاج هذه الظاهرة، وقد عالجت هذا الأمور في إطار الموضوعات التالية:

  1.                              1.          مفهوم مصطلح غسل الأموال وسبب التسمية.
  2.                              2.          مجالات غسل الأموال ومصادر التحصيل.
  3.                              3.          مراحل غسل الأموال.
  4.                              4.          أسباب تفشي ظاهرة غسل الأموال.
  5.                              5.          آثار غسل الأموال.
  6.                              6.          الجهود والقوانين الدولية لمكافحة غسل الأموال.
  7.                              7.          دول مجلس التعاون ومكافحة غسل الأموال.
  8.                              8.          موقف الشريعة الإسلامية من غسل الأموال.

ويقتضينا واجب الدراسة في الختام أن ننتهي إلى الخلاصة المناسبة.

أولاً: مفهوم مصطلح "غسل الأموال" وسبب التسمية:

تقديم : تعتبر كل عملية من العمليات المتعددة والمتداخلة لغسل الأموال "القذرة" واحدة من الصور الإجرامية المستحدثة ذات البعد الاقتصادي الذي لا يقف عن حدود دولة بعينها بل يتخطاها إلى دول عديدة،  ومن ثم فإنه لاغرابة والحالة هذه في اعتبار جريمة غسل الأموال بجميع عملياتها من الجرائم الاقتصادية الدولية المنظمة بل هي أخطر هذه الجرائم مجتمعة وذلك لما لها من اتصال وثيق بالأنشطة الاقتصادية غير المشروعة والتي تقع تحت ما يعرف بالاقتصاد الخفي ومن اتصال وثيق بحركة التجارة الدولية والاستثمار الدولي ومن اتصال وثيق بالدور الثقافي للمؤسسات المالية (البنوك) في انتشارها ومكافحتها ويوجد في أدبيات الفكر الاقتصادي والقانوني العالمي مجموعة من التعريفات لغسل الأموال من أبرزها: 

- أنها "مجموعة من العمليات والتحويلات المالية والعينية على الأموال القذرة، لتغيير ضفتها غير المشروعة في النظام الشرعي وإكسابها صفة المشروعية، بهدف إخفاء مصادر أموال المجرمين. وتحويلها بعد ذلك لتبدو وكأنها استثمارات قانونية".

وعلى ذلك فإن الأنشطة الخفية الإجرامية والاتجار في المخدرات  وتجارة الرقيق الأعضاء البشرية ، و الدعارة ،و القوادة ،وأعمال المافيا ، هي مصادر للأموال القذرة التي يحاول أصحابها تغيير صفتها غير المشروعة وإكسابها صفة جدية مشروعة من خلال عمليات غسيل الأموال". (1)

-  إنها "مجموعة العمليات المالية المتداخلة لإخفاء المصدر غير المشروع للأموال (القدرة) وإظهارها في صورة أموال متحصلة من مصدر مشروع، أو الإسهام في توظيف أو إخفاء أو تحويل العائد المباشر أو غير المباشر لجناية أو جنحة ومن ثم فإن جريمة غسيل الأموال هي جريمة تابعة تفترض ابتداء سبق ارتكاب جريمة أولية (أصلية) ينتج عنها أموال غير مشروعة، ثم تأتي في مرحلة تالية، عمليات غسيل هذه الأموال لتطهيرها في إحدى صور الغسيل".(2)

-غسيل الأموال عبارة عن "مجموعة من العمليات المالية تستهدف إضفاء الشرعية على أموال متحصلة من مصدر غير شرعي، بحيث تنطوي هذه العلميات على إخفاء مصدر المال المتحصل عليه من أنشطة إجرامية، وجعله يبدو في صورة مشروعة، مما يمكن الجناة من الاستفادة من حصيلة جرائمهم علانية.

والجاني في غسيل الأموال يقوم بإجراء عمليات مالية متداخلة هدفها إدخال هذه الأموال غير المشروعة إلى حركة التداول المشروع لرأس المال، وهو ما يؤدي إلى إدماج هذه الأموال في النظام (الهيكل ) المالي للدولة التي تتجه إليها هذه الأموال ويصبح من الصعب اقتفاء أثرها أو الوقوف على مصدرها غير المشروع".(3)

- غسيل الأموال هو "تحويل الأموال الناتجة من أنشطة إجرامية إلى أموال تتمتع بمظهر قانوني سليم خصوصاً من حيث مصادرها".(4)

- غسيل الأموال هو "إضفاء المشروعية على الأرباح المستمدة من أي نشاط غير مشروع".(5)

- وعرفه الدكتور محي الدين عوض بأنه "يطلق على إخفاء حقيقة الأموال المستمدة من طريق غير مشروع عن طريق القيام بتصديرها أو إيداعها في مصارف دول أخرى أو نقل إيداعها أو توظيفها أو استثمارها في أنشطة مشروعة للإفلات بها من الضبط والمصادرة وإظهارها كما لو كانت مستمدة من مصادر مشروعة وسواء أكان الإيداع أو التمويه أو النقل أو التحويل أو التوظيف أو الاستثمار في دول متقدمة أم في دول نامية".(6)

 

- اعتمد المجلس الأوربي تعريفا لغسيل الأموال فحواه غسيل الأموال هو:"تغيير شكل المال من حالة إلى أخرى وتوظيفه أو تحويله ونقله مع العلم بأنه مستمد من نشاط إجرامي أو من فعل يعد مساهمة في مثل هذا النشاط وذلك بغرض إخفاء, أو تمويه حقيقة أصله غير المشروع أو مساومة أي شخص متورط في ارتكاب النشاط الإجرامي لتجنب النتائج القانونية لعمله".(7)

- وقد عرفه د.صلاح جودة قائلاً:"عبارة غسيل الأموال يقصد بها سلسلة من التصرفات أو الإجراءات التي يقوم بها صاحب الدخل غير المشروع أو الناتج عن الجريمة بحيث تبدو الأموال أو الدخل كما لو كان مشروعاً تماما مع صعوبة إثبات عدم مشروعيته بواسطة السلطات الأمنية أو القضائية، ويحقق ذلك عندما ينجح صاحب الدخل غير المشروع في قطع الصلة بين أصل المال غير المشروع وماله
النهائي"(8)

وفي قانون مكافحة غسيل الأموال المصري ورد التعريف لغسيل الأموال  بأنه  "كل سلوك ينطوي على اكتساب مال أو حيازته أو التصرف فيه أو إدارته
أو حفظه أو استبداله أو إيداعه أو ضمانه أو استثماره أو نقله أو تحويله إذا كان متحصلاً من جريمة من الجرائم المنصوص عليها ... متى كان القصد من هذا السلوك إخفاء أو تمويه مصدر المال أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك أو عرقلة التوصل إلى شخص من ارتكب الجريمة المتحصل منها المال".(9)

ويمكن القول: إن قاسما مشتركا يجمع سائر التعاريف مفاده "محاولة إضفاء الشرعية على المال الحرام يهدف إظهاره في صورة مال حلال".   

وقد تفاوتت التعاريف بين قبض وبسط وبين اقتصار على المضمون وخروج للوسائل وجمع للصور وضم المصادر .. الخ بما لا يتسع المقام لنقده.

سبب التسمية بغسل الأموال:

 للباحثين أراء مختلفة في علة التسمية بـ"غسل الأموال" إلا أن جمهور الباحثين على أن مرد التسمية يرجع للآتي "حينما لاحظ رجال مكافحة المخدرات أن تجار المخدرات الذين يبيعون للمدمنين بالتجزئة يتجمع لديهم في نهاية كل يوم فئات صغيرة من النقود الورقية والمعدنية وعادة ما يتجهون إلى المغاسل الموجودة بالقرب من كل مجمع سكني لاستبدال النقود الصغيرة الفئات بنقود من فئات كبيرة ليقوموا بعد ذلك بإيداعها في البنك القريب من أماكن تواجدهم.

ونظرا لأن فئات النقد الصغيرة عادة ما تكون ملوثة بآثار المخدرات التي ربما تكون عالقة في أيدي تجار التجزئة فقد حرصت المغاسل على غسيل النقود الملوثة بالبخار أو الكيماويات قبل إيداعها في البنوك التي توجد بها حساباتهم ومن هنا جاء الربط بين تجار المخدرات وغسيل الأموال باعتبار أن نشاط الاتجار غير المشروع في المخدرات يمثل حوالي 70% من الأموال غير المشروعة الناتجة عن الجريمة المنظمة على مستوى العالم".(10)

ويرى آخرون أن التسمية ترجع لأسباب أخرى وأن أول مرة عرف فيها مصطلح غسيل الأموال كان في عام 1350هـ 1931م، عند محاكمة (الفونس كابوني) الشهير بآل كابوني.

ويصفُ هذا المصطلحُ  واحداً من أهم الأطوار التي تمر بها الأموال التي تحصلها عصابات المافيا لجعلها تبدو مشروعة والتي تأتي أساساً من أعمال الابتزاز والسرعة والدعارة والقمار علاوة على تهريب المخدرات.... ويعتبر القيام بأعمال مشروعة ثم خلط عائدها من الأموال بالعائد من الأعمال غير المشروعة إحدى الطرق التي كانت المافيا قادرة على اتباعها لفترة طويلة من الزمن....(11)

أما مفهوم :"غسيل الأموال" كمصطلح فيعتبر مفهوماً جديداً وترجع أصول اقتباسه كما يقول (ستيل) إلى جريدة خلال تقرير عن فضيحة (واترجيت) في الولايات المتحدة عام 1393هـ،1973م، وأول مرة ظهر فيها المصطلح في الإطار القضائي والنظامي كان في عام 1402هـ 1982م، ومنذ ذلك الوقت أصبح هذا المفهوم مقبولا وانتشر استخدامه في العالم كله.(12)

ويقول البعض: أن كلمة غسيل الأموال ظهرت في ولاية شيكاغو حيث اشترى رجال الأعمال التابعون لعصابات (المافيا) مؤسسات الغسيل والتي تتم معاملاتها بفئات مالية بسيطة وكان المشرفون عليها يضيفون إلى أرباح مؤسسات الغسل بعض أرباح تجارة المخدرات ليتم تنظيمها دون أن يرتاب أحد في مجموع المبالغ المتحصلة. (13)

وقد استعمل التعبير غسيل الأموال في إطار قانوني في إحدى القضايا في الولايات المتحدة 1982م.

ويلاحظ أن معنى عبارة غسيل الأموال التي تستخدم كمصطلح قانوني في التشريع الآن تكاد تتعارض لغوياً وعملياً مع الفهم العربي والإسلامي لهذه العبارة ـ فالغسل في اللغة إزالة الوسخ عن الشيء وتنظيفه بالماء كما تقول المعاجم ـ ويعني المفهوم الشرعي التطهير حسياً ومعنوياً أيضا ـ وغسيل الأموال إذا أخذنا العبارة بمفهومها اللغوي والشرعي يعني تنظيفها حسياً ومعنوياً وهو تنظيف حقيقي لا خداع فيه سواء كان حسياً أو معنوياً.

أما مفهوم غسيل الأموال كمصطلح حديث فهو من الناحية العملية إضافة جريمة أو عمل غير شرعي إلى جريمة سابقة وهي حصول الشخص على مال حرام يريد إخفاءه وفصله عن مصدره غير المشروع أو إخفاء هذا المصدر عن الناس وهذا المعنى وهو ما يجري واقعياً يتعارض مع غسل الأموال أو تطهيرها بالمفهوم الشرعي الصحيح سواء كان غسلاً حسياً ومادياً أو غسلاً وتطهيراً معنوياً كما هو الحال في أداء الزكاة والتصدق بجانب منه.

وبذلك يمكن قبول المصطلح القانوني على أنه من قبيل المجاز فحسب أمَّا حقيقته فهي ليست في غسيل المال وإنما إضافة تلويث إليه بالخداع في مصدره وإخفائه بطرق احتياليه.

أما غسيل الأموال في الرؤية الإسلامية فهو أمر مطلوب إذا قصدنا به تطهير المال وتزكيته بحيث يصبح نعمة كبرى على الإنسان يستخدمه ويستثمره فيما أحل الله ليزداد نماء وطهراً .

ولا يرد غسيل الأموال في الشريعة الإسلامية إلا على المال الحلال والذي اكتسب بطريقة مشروعة وباستقراء أحكام الشرع التي تهدف إلى تطهير المال وجعله نعمة خالية من شبهة الحرام نجد أن الشرع يطهر المال ويزكيه ويزيد في بركته حين تؤدى زكاته بحسب شروط إخراج الزكاة (زكاة المال وزكاة الفطر) كما يتطهر المال بالصدقة وتزيد بركته لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ما نقص مال من صدقة " كما يجب أن يوفى الإنسان ما نذره من مال لوجه الله تعالى وما عليه من حقوق مالية (مثل الكفارات والديات) وفضلاً عن ذلك أمر الشرع بالوفاء بحقوق العباد التي تنشأ عن المعاملات المالية أو الديون حتى ديون النفقات التي يفرضها الشرع على من يلتزم بها نحو الأقارب وهكذا يزكى المال الحلال وينمو وتزداد بركته ويصح أن نطلق على ذلك غسيل الأموال فتكون العبارة  أصدق ما تكون حساً أو معنى.

ومع ذلك لم يترك الشرع من يقع في يده مال لم يكتسبه من الوجه المشروع بل نظم الشارع له وسيلة تنجيه هو من الإثم وتطهر المال إذا بقي في يده، فالمال الذي يقع في يد المسلم ولا يكون الحصول عليه بوجه شرعي ينبغي رده إلى صاحبه إذا علم وعرف وكذلك بأداء الأمانة لا سيما في البيوع إذا شابها غش أو غبن فاحش فعلى من استفاد من هذا الغش أو الغبن الفاحش أن ينبه من ظلم في ماله ويرد إليه ما يغسل الكسب ويجعله حلالاً لمن يحصل عليه وذلك عن طريق تصحيح البيوع الفاسدة أو المعاملات التي وقع فيها غش أو غرر أو احتكار يجعل الكسب من ورائها مشوباً بالحرمة أو يجعل العقد الخاص بها حراماً أو مكروهاً ـ هنا يكون غسيل المال بتصحيح تلك العقود والمعاملات وجعلها في نطاق الشرع ورد ما تحصل عليه الشخص من مال حرام إلى صاحب الحق فيه.

ولا نغفل هنا وجوب توبة الشخص الذي تحصل على مال حرام إلى جانب رد المظالم كما ذكرنا فلا تصلح التوبة إلى الله باللسان وأن رد المظالم إلى أصحابها، ولا يصلح رد المظالم وحده مع انصراف النية  عن التوبة النصوح إلى الله تعالى .

كذلك فإن ولي الأمر حين يضع الأنظمة التي يتعامل الناس على أساسها في المجتمع يجب عليه أن يجعلها في نطاق الشرع حتى تكون مكاسب الناس فيها طاهرة فلا تباح معاملة فيها الظلم أو الربا المحرم ولا يباح القمار والغرر في المعاملات ولا يسمح بالاحتكار واستغلال حاجة الناس إلى سلعه معينة فالشرع يلزم ولي الأمر بأن يشرف على التعامل المالي أو الاقتصادي في المجتمع ويحمي أصحاب الحقوق حماية عامة فلا يسمح بأن يشوب الظلم أو الجشع معاملات الناس وقد عاقب عمر رضي الله عنه من يغش اللبن ويبيعه للناس مخلوطاً بالماء بإحراق ما يبيعه وكذلك أفتى العلماء بإتلاف ما يضر الناس من سلع أو كتب أو مطبوعات وفي كتب الفقهاء أمثلة عديدة في كيفية تصدي الولاة لمنع الظلم في معاملات الناس.

ويعتبر ذلك من أوليات الشرع وهو في ذاته إغلاق لباب الحصول على مال حرام ويجعل صاحبه إذا لم يكن من المسلمين الصالحين يجاهد في إخفائه بعد ذلك وخلطه بالمال الحلال أمامهم ـ فإذا راعى ولاة الأمور إغلاق أبواب الحرام وسد طرق الحصول عليه بوسائل غير مشروعة لم تعد هناك حاجة إلى محاولة غسلها كما ظهر في العصر الحديث فراراً من رد المظالم إلى أصحابها أو فراراً من العقوبة التي تنتظر من يحصل على المال الحرام عن طريق ارتكاب الجرائم.

وهكذا فإن الرؤية الإسلامية في غسيل الأموال تصحح الوضع القائم فلا يعقل أن تباح الدعارة في بلد ثم نتكلم عن مقاومة غسيل الأموال الناتجة عنها فالأمر جريمة من قبل ومن بعد ولا يعقل أن تباح تجارة الخمور أو أنواع من المخدرات ونحاول بعد ذلك أن نكبح جماح من يغسلون الأموال المتحصلة من هذه الجرائم ولكن الأبقى والأتقى والأصلح للمجتمع أن نغلق باب الحرام فلا تكون هناك حاجة إلى ممارسة غسيل الأموال بالمعنى الوضعي وهذا ما تهدف إليه الشريعة وهو من قبيل الوقاية للفرد والمجتمع في الجانب الاقتصادي والمالي.  

ثانياً: مجالات غسل الأموال ومصادر التحصيل:

 بدأت عملية غسل الأموال بتجارة المخدرات على الراجح نظرا لما تدره التجارة فيها من كسب فائق الوصف والتوقع، إلا أن مجالات الكسب ومصادر التحصيل قد نمت بنمو الزمن وتناسبت تنانسباً طردياً مع الزمن، وقد حصر أحد الباحثين هذه المجالات وشرحها مفصلا نكتفي بذكر رؤوس هذه المجالات ومن أراد الوقوف على كيفية التطبيق العلمي فعليه بالمرجع المذكور، من هذه المجالات
ما يلي:

  1.             1.          مجال المضاربات على الأسهم في البورصات الوليدة الناشئة.
  2.             2.          مجال المضاربة على أسعار الأراضي والعقارات والشقق الفاخرة.
  3.             3.          مجال العقود والتوريدات الحكومية وغير الحكومية الهائلة.
  4.             4.          مجال المزادات والمناقصات الحكومية وغير الحكومية.
  5.             5.          مجال الهدايا وبيع التحف النادرة وتجارة الأشياء الثمينة ذات القيمة المعنوية .
  6.             6.          صناعة السينما ومكاتب الإنتاج السينمائي.
  7.             7.          مجال تذاكر آليا نصيب واللوتارية.
  8.             8.          مجال المطاعم والوجبات السريعة (العالمية).
  9.             9.          دور السينما واستخدام حفلاتها لغسل الأموال.
  10.        10.          الملاهي على اختلاف أشكالها وألوانها.(14)

وهناك مجالات أخرى ذكرها لم نشر إليها لعدم طمأنينة النفس إليها ومما   ذكره   صلاح جودة مضافا إلى ما سبق ما يلي:

  1.        11.          أنشطة التهريب عبر الحدود للسلع والمنتجات المستوردة دون دفع الرسوم والضرائب الجمركية المقررة مثل تهريب السلع من المناطق الحرة وتهريب السجائر والسلع المعمرة وتجارة السلاح وغيرها.
  2.    12.    أنشطة السوق السوداء والتي تحقق منها دخول طائلة للمتعاملين فيها بالمخالفة للقوانين الدولية مثال ذلك: المتاجرة في العملات الأجنبية في الدول التي تفرض رقابة على معاملات النقد الأجنبي ومثل السلع التي تعاني البلاد نقص المعروض منها بالنسبة للطلب عليها مما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها بما يتجاوز ضوابط تسعيرة الدولة.
  3.    13.    أنشطة الرشوة والفساد الإداري والتربح من الوظائف العامة وذلك من خلال الحصول على دخول غير مشروعة مقابلة التراخيص أو الموافقات الحكومية أو ترسية العطاءات أو العقود المخالفة لنصوص اللوائح والقوانين.
  4.    14.    العمولات التي يحصل عليها بعض الأفراد والمشروعات مقابل عقد صفقات الأسلحة والسلع الرأسمالية أو الحصول على التكنولوجية المتقدمة....
  5.    15.    الاقتراض من البنوك المحلية بدون ضمانات كافية أو بضمانات صورية
    أو مبالغ في قيمتها وتحويل الأموال إلى الخارج دون سداد مستحقات هذه البنوك وهروب الأشخاص المقترضين مع أموالهم إلى الخارج لفترات معينة حتى تسقط الجرائم والأحكام بالتقادم.
  6.    16.    جمع أموال من المودعين وتهريبها إلى الخارج دون وجود ضمانات كافية لأصحابها بزعم توظيفها في مجالات تحقق أرباحاً مغرية.
  7.    17.    الدخول الناتجة عن الغش التجاري أو الاتجار في السلع الفاسدة أو تقليد الماركات العالمية أو المحلية ذات الجودة والشهرة.
  8.        18.          الدخول الناتجة عن تزييف النقود المحلية والأجنبية ذات الفئات الكبيرة القيمة.
  9.    19.    الدخول الناتجة عن تزوير الشيكات المصرفية وسحب المبالغ من البنوك المحلية بشيكات أو حوالات مزورة أو من خلال تزوير الاعتمادات المستندية المعززة بموافقة البنوك.
  10.    20.    الدخول الناتجة عن الفساد السياسي مثل فساد أعضاء البرلمان واستخدام الحصانة في التربح من العمل السياسي أو التهرب للسلع المستوردة.
  11.    21.    الدخول الناتجة عن أنشطة الجاسوسية الدولية... وتودع الأموال من الجهة التي يعمل لحسابها في حساب مصرفي باسم الجاسوس خارج دولته.
  12.    22.    الدخول الناتجة عن التستر والتي تجرمها بعض الدول العربية التي تمنع قوانينها الأجانب من المتاجرة أو مزاولة الأنشطة الاقتصادية ..دون وجود كفيل وطني حيث يلجأ الأجانب إلى بعض رجال الأعمال من أبناء تلك الــدول العربـــــية ويقدمـــــــــون له رواتب شهرية أو سنوية أو نسبة من الأرباح مقابل التنازل عن حقه في استخدام ترخيص مزاولة النشاط الاقتصادي وبذلك يحصل الأجنبي على أرباح طائلة من استغلال التراخيص الممنوحة للمواطنين...(15)

وأضيف إلى كل ما سبق ساحة جديدة من فرص غسل الأموال في العراق المحتل. فتحت ذريعة إعمار العراق، واستثمار رأس المال الأجنبي، سوف تجد المافيات الدولية ميداناً كثير الفرص لغسل الأموال وتطهيرها، ومن ثم إخراجها، ولعلّ عصابات المال الصهيوني التي لا تعفّ عن رذيلة في دنيا المال، إلا وتأخذ بها، لعلها بدأت التسلل إلى العراق بحجة الاستثمار، بعدما أعطيت ذات الدرجة التفضيلية لأي مال خارجي، وإنه لأمر يستحق الملاحظة والتتبع والانتباه.

ومن الناحية الشرعية نلاحظ أن مفردات الأنشطة التي ذكرت آنفاً والتي توردها التشريعات المهتمة بظاهرة غسيل الأموال تقع جميعاً في المفهوم الإسلامي تحت عبارة المال الحرام ـ وهو معنى محدد في الإسلام بأنه المال الذي يكتسب عن طريق غير مشروع وتنتج عدم المشروعية عن أصلين كلاهماورد النهي عنه في القرآن الكريم وهما أكل أموال الناس بالباطل وتعدي حدود الله في التصرفات المالية ـ ويدخل في ذلك ما يؤخذ غصباً دون رضا صاحبه والقمار والخداع والغش وكل ما نتج عن معصية حرمها الشارع أو وضع لإرتكابها عقوبة كالسرقة والاحتيال وإنكار الحقوق وأخذ الربا وثمن المحرمات كالخنزير ونحوه من المحرمات فكل ذلك مال حرام نهى الله عن كسبه والانتفاع به ويلاحظ أن نشأة ظاهرة غسيل الأموال ونشاط المجتمع الدولي في محاربتها لها أسباب اقتصادية وبواعث اقتصادية لا تكاد تتصل بالتوجيه الخلقي في المجتمع، فالدول الأوروبية والأمريكية تجيز ألواناً من الكسب محرمة شرعاً وتضر بالمجتمع أبلغ الضرر مثل الأموال الناتجة عن القمار والدعارة المصرح بها والرهان المحرم شرعاً ولكنها أموال تسلم لصاحبها رغم عدم شرعيتها ويرجع ذلك إلى انفصال القواعد القانونية عن القواعد الخلقية في التشريع الغربي بالذات وهو مبدأ مستقر على خلاف
ما نراه في التشريع الإسلامي.   

ثالثاً: مراحل غسل الأموال:

"تمر عملية غسل الأموال بمراحل ثلاث مترابطة وهي مرحلة الإيداع ومرحلة التمويه ومرحلة الإدماج وتهدف هذه المراحل في مجملها إلى إخفاء المصدر الجرمي للعائدات غير المشروعة ودفعها للامتزاج والاندماج في هياكل وآليات الاقتصاد المشروع ، بما يحقق للمجرمين وللمنظمات الإجرامية فرصة أوسع للتصرف بحرية تامة في هذه العائدات بعيدا عن متناول أجهزة القانون".(16)

ويرى د.جودة أن مراحل غسيل الأموال ثلاثة هي:

1 - التوظيف أو الإيداع.

2 - التعتيم أو التمويه.

3 - التكامل أو الاندماج.(17)

بينما كتب محي الدين علم الدين أن المراحل (*) هي:

1)       اكتساب الأموال بالعملة المحلية أو الأجنبية نقداً أوعيناً.

2)   التخلص من حيازة الأموال بعد قبضها حتى إذا تم ضبطه لم يكن المال في حيازته فلا يصـادر عند توقيع العقوبة عليه فيعهد إلى أحد معـاونيه في الجريمة بحيازة

المال وقد يلجأ إلى إيداع المبالغ المتحصلة في خزانة حديدية في بنك من البنوك حتى لا يتبين ضخامتها وأهميتها.

3)   إدارة الأموال والتصرف فيها، فقد يعهد المجرم بنقل سلطة إدارة أمواله المكتسبة من عمل غير مشروع منصوص عليه إلى آخر، وقد يمعن في التخفي فيخرج جزءً من هذه الأموال على سبيل الصدقة أو المساهمات الاجتماعية الخيرية أو رصد جوائز للمتفوقين في مجلات علمية أو رياضية أو دينية درءاً للشبهات عن نفسه، وقد يعهد بهذه الأموال إدارة وتصرف إلى أجهزة أمناء الاستثمار في البنوك أو الشركات.

4)       حفظ الأموال المكتسبة وهذا يتم عادة بواسطة أشخاص يثق فيهم المجرم وكثيراً ما يكونون من شركائه.

5)   استثمار الأموال المكتسبة من جريمة من جرائم غسل الأموال، بصورة    ويرى آخرون أن عمليات غسل الأموال تمر بثلاث مراحل متعاقبة هي: (19)

                            1 .          الإحلال .

                            2 .          التغطية.

                            3 .          الدمج.

أولاً : الإحلال:

    وهي أولى مراحل الدورة لتقليدية لغسل الأموال وفي هذه المرحلة يتم إدخال الأموال القذرة التي تم تحصيلها من جرائم الاتجار بالمخدرات أو بالسلاح أو بالرقيق الأبيض أو بالأعضاء البشرية أو من أي صورة من صور الجريمة الدولية المنظمة، إلى الجهاز المصرفي دون لفت الأنظار، ثم بعد فترة يتم نقل هذه الأموال إلى الخارج بأية صورة من صور التحويل المصرفي .

          وقد تتعدى عملية الإحلال من مجرد الإيداع في البنوك إلى شراء مؤسسات مالية أو تجارية أو شراء أسهم أو سندات لحاملها أو سبائك ذهبية، المهم في هذه المرحلة أن يتم تغيير شكل المال الحرام بأية صورة من صور التغيير.

          وهذا الإحلال قد يتم في نطاق المدينة أو المنطقة التي تم اكتساب المال الحرام منها، ويمكن أن يتم ذلك من جانب موزعي المخدرات بالجملة أو التجزئة
أو المرتشين أو تجار السوق السوداء وأمثالهم حين يقومون بغسل الأموال الشخصية التي يتحصلون عليها، أما الحيتان الكبار من منظمات المافيا العالمية، فإنهم يفضلون غسل أموالهم القذرة خارج حدود دولهم.

 

أساليب غسل الأموال القذرة في مرحلة الإحلال:

هناك في الوقت الحاضر أساليب لغسل المال الحرام في مرحلة الإحلال نوجزها، فيما يلي:

 

  1 .     أسلوب التركيب: وهو أسلوب يتم عن طريقه تقسيم المال المراد غسله إلى مبالغ أقل من الحد الذي يجب على البنك إبلاغ البنك المركزي عنده (خمسين ألف يورو أو مائة ألف يورو مثلاً)، ثم يقوم فرد أو عدة أفراد بإيداع هذه المبالغ لدى البنوك أو تحويلها أو شراء شيكات سياحية
أو شيكات بنكية بها.

  2 .     أسلوب التواطؤ الداخلي (الفردي أو الجماعي): وفي هذا الأسلوب يقوم موظفو البنك بتسهيل قبول الإيداعات الكبيرة مقابل انتفاع شخصي لهم، مع عدم إبلاغ السلطات الأمنية عن ذلك.

  3 .     أسلوب التمثيل المخالف للحقيقة، وهو المظلة التي تهدف إلى إظهار الأموال المغسولة أو مصدرها أو غاسلها بغير المظهر الحقيقي، ويتم هذا الأسلوب بطرق متعددة منها:

أ-  الاتفاق بين الغاسل وبعض الشركات القائمة على خلط المال القذر غير القانوني بأموال الشركة، وبعد فترة تظهر الأموال الإجمالية لعوائد لنشاط الشركة.   

ب-  تكوين ما يعرف بشركات الواجهة، وهي في الغالب شركات وهمية، قد تكون مجرد دمية أنشئت فقط لغرض استخدامها في عملية الغسل، وهي تمارس نشاطاً هامشياً، ويتركز معظم دخلها من مصادر المال الحرام، ويتعاظم دور هذا النوع من الشركات في غسل الأموال عندما يتصل نشاطها بتجارة الذهب والمجوهرات والأحجار الكريمة.

  4 .     أسلوب التحويل من بنك إلى آخر: وهو أسلوب يحتاج إلى تواطؤ داخلي بين البنوك، حيث يتم من خلاله تحويل الأموال غير القانونية من بنك إلى آخر بوصفها أموالاً قانونية.

  5 .     الاستثناء من الإبلاغ عن الإيداعات الكبيرة : حيث تودع الأموال في البنوك وفقاً لهذا الأسلوب من خلال شركات كبيرة معفاة من الإبلاغ عن إيداعاتها.

  6 .     شراء الموجودات والأدوات ذات القيم : حيث يقوم الغاسل من خلال هذا الأسلوب بشراء السيارات ـ الطائرات ـ السفن ـ العقارات ـ المعادن النفيسة ـ الشيكات السياحية ـ الأوراق المالية ـ وغيرها بما لديه من أموال قذرة، وهو يستطيع بعد ذلك بيعها والكشف عن أثمانها كمصادر قانونية مشروعة لأمواله.

  7 .     تهريب العملة من الدولة التي اكتسب منها المال الحرام إلى أية دولة أخرى مع المسافرين أو في شحنات البضائع، ثم إعادتها عن طريق الحوالات البنكية التلكسية.

ثانياً: مرحلة التغطية (التمويه):(20)

          وهي تعتمد على إخفاء علاقة الأموال القذرة بعد دخولها في النظام المصرفي عن مصادرها غير المشروعة عن طريق القيام بالعديد من العمليات المالية المتتالية، الكبيرة الحجم، مخلوطة أو ممزوجة بعمليات مالية قانونية ومشروعة مماثلة.

          ومن الأساليب المستخدمة في هذه المرحلة، التحويلات المالية الإلكترونية بين البنوك أو المؤسسات المالية غير التقليدية، وتعتبر التحويلات التلكسية أهم أسلوب في مرحلة التغطية، من حيث الدقة والسرعة وحجم الأموال المحولة، ومن بين الأساليب المستخدمة في هذه المرحلة كذلك، بيع أو تصدير الموجودات السابق شراؤها في مرحلة الإحلال السابقة.

          ومرحلة التمويه أو التعتيم أو التغطية أو التشطير كما يطلق عليها يقصد بها تضليل الجهات الأمنية والرقابية والقضائية عن المصدر غير المشروع للأموال القذرة .(21)

ثالثاً: مرحلة الدمج :

وهي المرحلة الأخيرة من مراحل غسل المال الحرام، تهدف إلى دمج المال الحرام في الاقتصاد الوطني لدولة صاحبه، وجعله يبدو كالمال الحلال المشروع، حيث يظهر على أنه أرباح مشروعة من أعمال تجارية، يهنأ به صاحبه دون ملاحقة أو مساءلة من أحد عن مصدره وفقاً لمبدأ إسلامي وتشريع كريم يطرحه السؤال من أين لك هذا؟

ولا شك أن هذه المراحل جميعاً تقع ضمن ما يطلق عليه الجريمة المنظمة والتي من خصائصها الهامة التخطيط والاحتراف وأنها معقدة في إجراءاتها ولها القدرة على التوظيف والابتزاز. (22)

وتشير الدلائل إلى أن الجريمة المنظمة تزداد انتشاراً وتتراكم مواردها مما يستدعي بالضرورة ابتكار وسائل لغسيل الأموال حتى تفلت الأموال الهائلة التي تنتج من الجريمة المنظمة من ملاحقة السلطات عبر البلاد المختلفة وقد حدد المؤتمر الوزاري العالمي الجريمة المنظمة بأنها تشمل التنظيم الخاص الجماعي بقصد ارتكاب جريمة والروابط المتدرجة التي تسمح لزعماء المنظمة بالتحكم في الجماعة واستخدام السيطرة والعنف والإرهاب والإفساد بهدف جني الأرباح وغسـل العائدات المرتبطة بهذه الأنشـطة. (23)

ومن صور الجريمة المنظمة التي لها صلة وثيقة بغسيل الأموال ما يرتكب عن طريق أصحاب المهن غير المالية كالمحامين والمحاسبين ومسجلي العقود والعاملين في السوق العقارية وصالات المزادات وكذلك تجارة الذهب حيث أنه مقبول كعملة عالمية لا تردد إزاءها وهي أشبه مادة خام بالنقود ـ كما في التحليل الاقتصادي للجريمة الدولية المنظمة. 

  

رابعاً : أسباب تفشي ظاهرة غسل الأموال: 

          يجب أن يكون معلوماً من البداية أننا وفي نطاق هذا المحور لن نبحث في أسباب أو مصادر كسب المال الحرام، الذي هو المحل للجرائم التابعة والمتعلقة بغسل الأموال غير المشروعة، وإنما سوف نركز جل اهتمامنا على أسباب تفشي ظاهرة غسل المال الحرام، وبداية نقول:

          إن الجريمة المنظّمة قد أصبحت وبصفة عامة ـ والجرائم المرتبطة بالمخدرات بصفة خاصة ـ تشكل تحدياً خطيراً للدولة، بل والمجتمع الدولي كله، وتركز منظمات الجريمة المنظمة أنشطتها على مجالات الجرائم التي تتوقع الحصول من ورائها على مكاسب طائلة بصرف النظر عن مدى مشروعيتها، إذن فالقوة الحافزة وراء الجريمة المنظمة هي تحقيق أقصى المكاسب.(24)

وإذا كانت القوانين الوطنية لكل الدول تسعى جاهدة إلى معرفة هذه المكاسب وتمييزها ومصادرتها لحرمان المجرمين من عائدات جرائمهم، وتعجيزهم عن تمويل ارتكاب المزيد من هذه الجرائم، فإنه وتحسباً لذلك يلجأ مجرمو الجريمة المنظمة إلى غسل العائدات التي يحققونها من أنشطتهم الإجرامية غير المشروعة، لطمس المصدر الحقيقي لهذه العائدات وإدخالها من خلال قنوات أخرى إلى الدورة الاقتصادية والمالية المشروعة. (25)، وهم بما يملكون من أموال طائلة قادرون على شراء كل شئ بما في ذلك الذمم والضمائر الإنسانية، فضلاً عن الأموال العينية الأخرى.

وهم يسلكون إلى ذلك مسالك شتى ويستخدمون أدوات متنوعة منها على سبيل المثال: خدمات الأنشطة التجارية والمالية المشروعة التي تنهض بها المؤسسات المالية بكافة قطاعاتها (سوق الأوراق المالية ـ قطاع البنوك ـ قطاع التأمين) .

وقبيل خمس عشرة سنة تقريباً لم تكن الجرائم المرتبطة بغسل الأموال قد عرفت على المستوى العالمي، حيث لم يكن الهيروين والكوكايين والعقاقير الأخرى المخدرة قد أنتجت على المستوى التجاري، وحيث لم تكن منظمات الجريمة المنظمة قد أكملت هياكلها الإدارية والتنظيمية بعد، غير أن الأمر يختلف الآن، وحتماً سيختلف في الغد القريب عما هو عليه الآن، وهو ما يدعو إلى التعاون الدولي لمكافحة الجريمة المنظمة وما يرتبط بها من جرائم غسل الأموال الناتجة بغسل الأموال و نجد أن في طليعة هذه الأسباب ما يلي:

  1-            الفساد الإداري بوجهيه القبيحين وهما:

أ- الفساد المتمثل في تقاضي المسؤولين أو الموظفين لمبالغ مالية غير قانونية (رشاوى وإتاوات) وعمولات مقابل منح عملاء منظمات الغسيل الدولية تراخيص معينة في مجالات الاستثمار أو المباني أو الاستيراد أو التصدير
أو تملك العقارات أو إقامة المعارض.(26)

ب- الفساد المتمثل في تمكين المسؤولين في الدولة بعضهم لبعض أو لأفراد ذي صلة من الحصول على قروض بنكية كبيرة بغير ضمانات وتهريبها إلى الخارج بعد غسلها داخلياً.

 2-     وجود سلبيات وتشوهات في القيم الدينية والخلقية لدى بعض رجال الأعمال في الدول الجاذبة لغسل المال الحرام، بما يسمح لهم بالقيام بعمليات الغسيل مقابل نصيب وافر منه.

 3-     قصور النصوص العقابية القائمة عن ردع مرتكبي جرائم غسل الأموال، إما لأنها كانت موضوعة قبل تفشي هذه الظاهرة أو لأن أساليب ارتكاب جرائم غسل الأموال في تطور دائم ومستمر، بما يقتضي ملاحقتها عقابياً بتطوير أدوات مواجهتها.

 4-     قصور التنظيم الاقتصادي والإداري لعمليات الاستثمار والمضاربة في أسواق الأوراق المالية الناشئة، والاكتتاب في السندات لحاملها، والعمليات البنكية (المصرفية) عن مواجهة أو ملاحقة أساليب منظمات غسل الأموال، وذلك يقتضي سرعة التحرك لسد هذه الثغرات.

ويمكن إضافة إلى ما سبق أن نقول :

          إن عوامل عدة في بداية القرن الخامس عشر الهجري ونهاية القرن العشرين الميلادي، قد أدت دورها في تفشي ظاهرة غسل الأموال نذكر منها:

 1)    سيطرة النظام الرأسمالي على الفكر الإنساني، فقد غابت أو غُيّبت القيم والأخلاق، وأصبح المعيار هو المادة وقيمة الإنسان دولياً بما يملك، بل أن الدول تقاس بمستواها الاقتصادي الآن وهو ما دفع الدول أحياناً والأفراد أحياناً أخرى إلى الكسب غير المشروع حتى تكون في النهاية ذات ثقل سياسي واقتصادي، إن الرأسمالية لا تعرف الأخلاق ولا القيم وإنما تعرف الدرهم والدينار فقط، وهو ما جرف كثيرين إلى احتراف هذه الظاهرة في الواقع المعاصر.

 2)    تقدم حركة الاتصال المصرفي بما ييسر تحويل الأموال إلى أي بلد في العالم، ففي الماضي لم يكن النظام المصرفي معروفاً أو متعارفاً عليه، وكل نقل للأموال كان يتطلب قيام شخص بالسفر بهذا المال حتى يضعه حيث أمر به، وفي عصرنا الحاضر يمكن فتح حساب في أي بنك في العالم وإيداع أي مبلغ وفي ثوان محدودة يصل المبلغ إلى الحساب، وقد أكد المشتغلون بالاقتصاد أن أعلى نسبة غسل أموال هي في الدول الأجنبية لإدراكها لقيمة الأموال المودعة بها على اقتصادها المحلي وبخاصة أمريكا، سويسرا، هونج كونج، المملكة المتحدة.

 3)    مبدأ سرية الحسابات في البنوك، وله دور رئيسي، فالأصل في المعاملات البنكية عدم سؤال العميل عن مصدر كسبه، بل وسعادة البنك بارتفاع أسهمه، وهو ما دفع كثيرين إلى اعتمادهم على هذا المبدأ لإيداع مبالغ تتجاوز الحد في أقل زمن وبأقصى سرعة.

 4)    النشاط الصهيوني الخفي في الاقتصاد العالمي، حيث يقوم خبراء الاقتصاد من اليهود بدور رئيسي في عملية غسل الأموال، وتوحي وسائل الإعلام في زماننا أن كثيراً من  البنوك  في البلاد العربية والإسلامية تهتم بالدرجة الأولى بعملية غسل الأموال، ويكون تعاملها مع الجمهور صورة مزيفة للاستتار عن أعين الرقباء.

 5)    الحرب الاقتصادية غير المعلنة بين الدول وبعضها البعض، فهناك عصابات فردية وعصابات دولية، وهناك مؤسسات تحرسها حكومات إن تعرضت للخطر وبنوك أخرى تتدخل دول أجنبية لإنقاذها إن استشعرت الإفلاس، وهدفها من وراء ذلك أن تبقى هذه البنوك تعمل في ديار الإسلام على وجه الخصوص لتكون مصدراً لتحقيق الأمل المرجو منها في الحرب الاقتصادية غير المعلنة، وما ضرب العملات المحلية في أغلب الدول الإسلامية بخاف عن أحد.

ولا شك أن التقدم في تقنيات الاتصال والانتقال لا سيما انتقال المعلومات له أثره البالغ في نمو ظاهرة غسيل الأموال وسرعة انتقالها عبر الدول بحيث أصبحت ظاهرة دولية لا يمكن إهمال عواقبها السلبية الخطيرة فضلاً عن إمكان إفلات القائمين بها من العقاب بسبب وجود ثغرات عديدة في أنظمة بعض الدول بحيث يقتضي الأمر وجوب تبادل المعلومات بين الدول إذا أريد ضبط مشروعية الكسب وانتقال الأموال بين دول العالم العامر.

وفضلاً عن ذلك فهناك مشكلة التكييف القانوني لظاهرة غسيل الأموال فقد تكون عملية غسيل الأموال مهماً تعددت مراحلها فعلاً من أفعال المساهمة الجنائية ، وقد تكون قانوناً صورة من صور إخفاء الأشياء المسروقة أو المتصلة من جريمة ولابد لتوفير الوقاية من عواقب هذه الجريمة وآثارها السلبية في المجتمع من ضبط التكييف القانوني لها وتحديد أركان الجريمة وصلتها بالجريمة السابقة والتي تحصل منها المال الذي يجري غسله عبر بلاد وأجهزة مختلفة. (27)

خامساً: أثار غسل الأموال:

          يتخلف عن جريمة غسل الأموال مجموعة من الآثار غير المرغوبة يمكن تصنيفها إلى:

1 ـ آثار سياسية.

2 ـ آثار اجتماعية.

3 ـ آثار اقتصادية.

4 ـ آثار مالية ومصرفية.

أولاً: الآثار السياسية :

قدمنا في المبحث الرابع أن منظمات الجريمة المنظمة تركز نشاطها الإجرامي على مجالات الجرائم التي تتوقع الحصول من ورائها على مكاسب طائلة، وقدمنا أن من أبرز أنواع هذه الجرائم الاتجار في المخدرات والعقاقير المؤثرة على العقل والاتجار في الرقيق وفي الأعضاء البشرية، فضلاً عن الرشوة والابتزاز وفرض الإتاوات وعمولات بيع السلاح، إضافة إلى عمولات الفساد الإداري في مختلف صوره وأشكاله، وكل هذه الجرائم تعطي عائدات خيالية، وكل هذه الجرائم في الوقت ذاته ترتبط بالفساد الإداري والخروج على النظام والقانون.

هذه العائدات الخيالية تمكن منظمات غسل الأموال من شراء كل شئ حتى ذمم الضعفاء (وما أكثرهم) ومقاعد البرلمانات ومن ثم فإنهم يسعون جاهدين إلى اختراق أجهزة الدولة السياسية والإدارية والمصرفية والوصول إلى مراكز اتخاذ القرار والنتيجة حينئذ معلومة، إذ ماذا ننتظر من مجرم غاسل للمال الحرام يتربع على مقعد البرلمان أو يتبوأ مركزاً قيادياً في الحزب الحاكم، يراقب الحكومة، ويطلع على كل أسرار الدولة، ويضع قوانينها ويتخذ مختلف القرارات فيها، وماذا ننتظر من ورائه وهو يمتلك دور النشر الصحفية والقنوات الفضائية ويوجّه الرأي العام ويملك مفاتيح إضعاف الحكومة بل وإسقاطها إن أراد، لا شك أنها آثار سياسية خطيرة.

ثانياً: الآثار الاجتماعية:

          هناك سلسلة متوالية من الآثار الاجتماعية لجرائم غسل الأموال، تبدأ بإحداث خلل في البنيان الاجتماعي، حيث تتيح عمليات الغسيل للقائمين بها الحصول على مكاسب خيالية بما يمكن أن يعيد الترتيب الطبقي في المجتمع لغير صالح الشرفاء ثم تنتهي هذه السلسلة بانحطاط القيم والمثل والثوابت الاجتماعية وما بين حلقة البداية وحلقة النهاية تتآكل الطبقة الوسطى في المجتمع.

          إن " نجاح أصحاب الدخل غير المشروع في الانتفاع بحصيلة الجريمة يمكن أن يؤدي إلى صعود هؤلاء المجرمين إلى قمة الهرم الاجتماعي في الوقت الذي يتراجع فيه مركز العلماء والمكافحين إلى أسفل قاعدة الهرم، إن المال سيصبح هو معيار القيمة للأفراد في المجتمع بصرف النظر عن مصدره مما يؤدي إلى شعور الشباب بالإحباط والركون إلى السلبية وهو ما يعني اهتزاز القيم الاجتماعية المستقرة في المجتمع وتهديد السلام الاجتماعي، كما يؤدي غسل الأموال إلى تشويه المناخ الديمقراطي في المجتمع، حيث يصعد أصحاب الدخول غير المشروعة على مقاعد البرلمان ومجالس الشورى ومجلس الشعب واتحادات التجارة والصناعة وتعلو نجومهم إعـلامياً في وسـائل الإعـلام ".(28)

ثالثاً: الآثار الاقتصادية:

          هناك على وجه التحديد ثلاثة آثار اقتصادية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بجرائم غسل الأموال وهي:

          1ـ التضخم.     2ـ المضاربة على العقارات والمجوهرات.       3ـ الكساد.

          وذلك إن المال الحرام المراد غسله عندما يحل في أسواق دولة ما، فإنه يحدث زيادة بمقدار حجمه في العرض النقدي لهذه الدولة بما يفوق كثيراً مقدار ناتجها القومي من السلع والخدمات، ومن شأن ذلك أن يؤدي حتماً إلى التضخم، وعندما يحين موعد رحيله وتصديره إلى الخارج حيث موطنه الأصلي، فإن ذلك يتسبب في نقص السيولة في الدولة المضيفة له، وهو ما يعني الانكماش ثم الكساد وما بين هاتين الدورتين الاقتصاديتين تتقلب بشدة أسعار صرف عملة الدولة المضيفة للمال المغسول، ولما كان الجهاز الإنتاجي بل والبنيان الاقتصادي للدولة المضيفة غير قادرين على استيعاب المال المغسول عند قدومه، فإن منظمات غسل الأموال تفضل غالباً المضاربة على العقارات والمجوهرات بما يرفع قيمتها السوقية بغير مبرر وبما قد يضر بالغالبية من أبناء هذه الدولة، لقد أظهرت بعض الدراسات الآثار السلبية الاقتصادية بصورة واضحة نذكر هنا فيما يلي:

  1.  1.    تؤثر عمليات غسل الأموال على الاقتصاد القومي من خلال دعم الجرائم مثل المخدرات والفساد الإداري والفساد السياسي وغيرها، حيث تؤدي إلى جانب من الدخل القومي المشروع إلى خارج البلاد وهي حصيلة النقود التي يحصل عليها تجار المخدرات مثلاً من المتعاطين أو المدمنين أو الأموال الحكومية
    أو العاملة يستولي عليها نتيجة الفساد وهو ما يعني أضعاف الدخل القومي المحلي وما يرتبط به من آثار انكماشية تؤدي إلى تراجع معدل زيادة الدخل القومي سنوياً.
  2.  2.    تؤدي عمليات خروج الأموال إلى الخارج في سلسلة حلقات غسل الأموال إلى زيادة العجز في ميزان المدفوعات، وحدوث سيولة في النقد الأجنبي تهدد الاحتياطيات لدى البنك المركزي من العملات الحرة.
  3.  3.    يترتب على الاستفادة بحصيلة الدخول غير المشروعة نتيجة نجاح أصحابها في غسيلها حدوث تشوه في نمط الإنفاق والاستهلاك، مما يؤدي إلى نقص المدخرات اللازمة للاستثمار وحرمان مجالات النشاط الاقتصادي المهمة من الاستثمار النافع للمجتمع.
  4.   4.          أثبتت إحدى الدراسات أن غسل الأموال يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية بنسبة 27% في المتوسط.
  5.  5.    يرتبط غسل الأموال بزيادة الإنفاق البذخي وغير الرشيد مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار المحلية وحدوث ضغوط تضخمية في الاقتصاد القومي.
  6.  6.    يؤدي غسل الأموال إلى حدوث خلل في توزيع الدخل القومي وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء أو محدودي الدخل في المجتمع، مما يؤدي بدوره إلى عدم وجود استقرار اجتماعي مع إمكانية حدوث صراع طبقي وأعمال عنف.
  7.  7.    يمكن أن يؤدي غسل الأموال إلى اضطرار الحكومة إلى فرض ضرائب جديدة أو زيادة معدلات الضرائب الحالية من أجل تغطية الفجوة بين الموارد المتاحة واحتياجات الاستثمار القومي بعد هروب أو تهريب الأموال إلى الخارج، وهو ما يعني زيادة الأعباء على أصحاب الدخول المشروعة في المجتمع.
  8.  8.    إذا لم تلجأ الحكومات إلى زيادة الضرائب فإنها يمكن أن تضطر إلى اللجوء للمديونية الداخلية وإلى المديونية الخارجية الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الأعباء على ميزان المدفوعات وعلى الموازنة العامة للدولة وحدوث عجز مزمن فيهما معاً.
  9.  9.    يمكن أن يؤدي غسل الأموال إلى انهيار البنوك المتورطة في عمليات الغسيل مثلما حدث في حالة بنك الاعتماد والتجارة الدولي، الذي كان متورطاً في غسل الأموال لتجار المخدرات بواسطة الفرع التابع له الذي كان موجوداً في فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية، مما جعل المملكة المتحدة بالتنسيق مع الولايات المتحدة تخططان للانقضاض على هذا البنك وتصفيته من الوجود تماماً وهو ما حدث بالفعل.(28)
  10. يمكن أن يؤدي غسل الأموال إلى انهيار البورصات التي تستقبل الأموال الناتجة عن الجرائم الاقتصادية، حيث يكون اللجوء إلى شراء الأوراق المالية من البورصة ليس بهدف الاستثمار، ولكن من أجل إتمام مرحلة معينة من مراحل غسل الأموال ثم يتم بيع الأوراق المالية بشكل مفاجئ، مما يؤدي إلى حدوث انخفاض حاد في أسعار الأوراق المالية بشكل عام في البورصة، ومن ثم انهيارها بشكل مأساوي.( 29)

إن الحظر الاقتصادي لعملية غسل الأموال ليس قاصراً على دولة بعينها بل على مستوى الاقتصاد العالمي:

" ويتفق هذا التوجه مع قاعدة اقتصادية مهمة مفادها أن كل مال هارب ملطخ بشيء من الشبهة، وأن رؤوس الأموال القلقة الباحثة عن الشرعية لا تبنى اقتصاداً ولا تحقق تنمية اقتصادية حقيقية، حيث لا يهتم غاسلو الأموال بالجدوى الاقتصادية للاستثمار قدر اهتمامهم بالتوظيف الذي يسمح بإعادة تدوير تلك الأموال، وهو
ما يتناقض مع كل القواعد الاقتصادية القائمة على نظرية تعظيم الربح ويشكل بالتالي خطراً كبيراً على مناخ الاستثمار محلياً ودولياً.

          فعلى المستوى الدولي: يمكن أن يؤدي غسل الأموال إلى انتقال رؤوس الأموال من الدول ذات السياسات الاقتصادية الجيدة ومعدلات العائد المرتفع إلى الدول ذات السياسات الاقتصادية الفقيرة ومعدلات العائد المنخفضة بما يضر بمصداقية الأسس الاقتصادية المتعارف عليها، والتي يمكن لصانعي السياسة الاقتصادية الاستناد إليها، كما تؤثر عمليات غسل الأموال بالسلب على استقرار أسواق المال الدولية وتهدد بانهيار الأسواق الرسمية التي تعد حجر الزاوية في بناء اقتصاديات الدول.

          وعلى المستوى المحلي: تؤدي حركة الأموال المطلوب غسلها دون مراعاة الاعتبارات الرسمية إلى المنافسة غير المتكافئة مع المستثمر الجاد المحلي والأجنبي باعتبار أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من التعامل، لا سيما أن عمليات غسل الأموال يمكن أن تؤثر بالسلب في أغلب المتغيرات الاقتصادية بما قد يعقد من مهمة الدولة في وضع خطط برامج فعالة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ".(30)

          وتؤكد نادية يوسف على خطورة هذه العملية اقتصادياً قائلة: " إن سن تشريع لمكافحة غسل الأموال في مختلف الدول بما فيها الدول النامية هو في المقام الأول يأتي لمصلحة الاقتصاد الوطني، ذلك لأن الاعتماد على هذه الأموال غير المشروعة في الاستثمار يهدد الاقتصاد في أي دولة لا سيما الدول النامية بالانهيار لأن من يحصل على هذه الأموال غير المشروعة ويتخذ من غسل الأموال وسيلة لإخفاء مصدرها وإضفاء الشرعية عليها، ومن هذه الوسائل استثمارها في أنشطة غير مشروعة ومن ثم يكون منافساً خطيراً غير شرعي للأفراد والكيانات الشريفة بما يؤدي إلى استبعادهم من هذه المجالات وانهيار منشآتهم وتهديد التنمية الوطنية ". (31)

رابعاً: الآثار المالية والمصرفية: 

          لا شك أن التحويلات المالية المفاجئة سواء تلك التي ترد إلى الدولة أو تخرج منها تحدث تشوهات غير متوقعة على سوق النقد والجهاز المصرفي، وعلى سوق رأس المال (سوق الإقراض المباشر وسوق الأوراق المالية)، وهو ما يؤدي إلى انهيار هذه الأسواق، كما حدث في دول جنوب شرق آسيا منذ سنوات، وذلك بما يهدد استقرار النظام المالي والمصرفي في الدولة المضيفة، بل إن عملية غسل الأموال قد تصيب السياسة المالية والإئتمانية للدولة المضيفة بالتخبط والارتباك.

          فقد تدفع وفرة السيولة عند ورود المال إليها واضعي السياسات إلى وضع سياسات مالية وائتمانية معينة، ثم عندما يحدث التحول العكسي المفاجئ في حركة هذه الأموال تفشل هذه السياسات وتتخبط الحكومة في إجراءات وقرارات عشوائية تكون لها انعكاسات اقتصادية واجتماعية سيئة، وباختصار شديد فإن عمليات غسل الأموال تضع المؤسسات المالية للدولة المضيفة في قبضة عصابات غسل الأموال والمنظمات التي تحترف هذا المجال. (32)

          ويذكر د. محسن الخضيري، كثيراً من الآثار لعملية غسل الأموال على البنوك والمصارف والبورصات واقتصاديات الدول ومما أشار إليه من سلبيات ما يلي:

 1)    " تعرض البنوك لخطر الإفلاس والانهيار واشتداد حدة الأزمات نتيجة عدم قدرة العملاء على السداد وضياع أموالهم في مشروعات لا تربح أو تعرضهم لخسائر فادحة نتيجة هروب المقترضين بأموال المودعين وعدم قدرة البنوك على إعادة الأموال الهاربة.

 2)    فقد سيولة الاقتصاد سواء من العملات المحلية أو العملات الأجنبية التي تلتهم الاحتياطي الأجنبي الخاص بها مع كل عملية غسيل دولي أو محلي يترتب عليها إجراء تحويلات إلى الخارج عبر البنوك والمصارف... بل إنه كثيراً
ما تلجأ عصابات الجريمة المنظمة إلى الضغط بشدة على موارد البلاد
ما النقد الأجنبي لتحقيق تأثير مزدوج التدمير ".(33)

سادساً: الجهود والقوانين الدولية لمكافحة غسل الأموال:

        إن ظاهرة غسل الأموال ظاهرة عالمية وليست محلية، وأن العصابات التي تمارس هذا النشاط تعمل في سرية تامة، وأن الكشف عن الرؤوس المدبرة غاية في الصعوبة، وإذا كانت بعض المنظمات مجهولة فإن الآثار السلبية لأنشطتها واضحة للعيان.

     إن الإحصاءات المتعلقة بعمليات الغسل والمبالغ التي يتم الغسل فيها تتجاوز المتوقع وأن التقارير الدولية لتؤكد أن نسبة ليست قليلة من الاقتصاد العالمي تجرى فيها عملية الغسل " وتشير تقديرات البنك الدولي عن حجم الفساد أنه بلغ نحو
80 بليون يورو في العالم عام 1416هـ 1996م، وهذا الحجم للفسـاد العالمي يوازي 13.3% ثمن قيمة الأموال الناشئة عن الجريمة والفساد، والتي يجرى تبيضها سنوياً والتي بلغت 600 بليون يورو عام 1416هـ 1996م، وقد أشارت مجموعة التحرك المالي التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن هناك عدداً من الدول تشارك بفاعلية في غسل الأموال الناشئة عن الفساد والجريمة وعلى رأسها دولة اليهود في فلسطين وروسيا والفلبين وفي إحصاءات أخرى بالنسبة لعمليات غسل الأموال على مستوى العالم فإن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أنها تتراوح بين 350 ـ 500 بليون يورو سنوياً من حجم الدخول غير المشروعة عالمياً الذي يتراوح بين 500 ـ 715 بليون يورو سنوياً، وتمثل تجارة المخدرات النشاط الأساسي لأصحاب الدخول التي يجرى عليها عمليات غسل الأموال، حيث تقدر قيمة المدخرات المتداولة عالمياً بنحو
500 بليون يورو منها 350 بليون يورو تخضع لعملية غسل الأموال، وذكرت دراسة الدكتور عادل الكردوسي المقدمة في جامعة الأزهر لمؤتمر "المخدرات مشكلة اقتصادية" أن قيمة ما ضبط من المخدرات في مصر عام 1423هـ ـ 2002م يتجاوز
(12.4) مليار جنيه، وهو ما يساوي (10%) من مجمل هذه التجارة القذرة في مصر وحدها.  

      كما تشير التقارير الدولية إلى أن المبيعات الأوروبية من الهيروين للدول الصناعية السبع تبلغ 16 بليون يورو سنوياً يتم غسل 12 بليون يورو منها عبر البنوك والمؤسسات المالية العالمية الأخرى.(33)

          يقول د. محسن الخضيري: " لا يستطيع أحد أن يعرف على وجه الدقة مقدار ما يتم غسله من أموال قذرة في جميع أنحاء العالم، وبالتالي فإن حجم ما يعرف منها ضئيل للغاية، مثلها مثل جبل الثلج أعلى ما فيه قمته وهي ومهما كان حجمهما الظاهر، فهي قمة صغيرة الحجم، فإنها لا تقاس بالحجم الضخم الخفي لجسم جبل الثلج، وهو ما يماثل جريمة غسل الأموال الحجم الأصغر هو المكتشف أما الأكبر فهو خفي دفين.

     ويقدر حجم جريمة غسل الأموال التي تمر عبر بنوك العالم وأجهزته المصرفية بنحو 3 تريليون يورو سنوياً أي ما يقدر بنحو 5% من إجمالي الناتج العالمي، وأن عمليات غسل الأموال في روسيا تقدر بنحو 100 مليار يورو ... في حين تقدر عمليات غسل الأموال التي تتم في الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 100 مليار يورو سنوياً...".(34)

          إن جريمة بهذا الحجم قد أقلقت مضجع النظام العالمي الجديد وهو ما دفع بعض الدول إلى الاتحاد لمواجهة هذه الجريمة، كما تم إنشاء مؤسسات تتبنى هذا الأمر وهو ما نبينه فيما يأتي حسب الترتيب الزمني للأحداث.

          في عام 1408هـ 1988م عولجت هذه الظاهرة بمقتضى اتفاقية فيينا(34) بشأن مكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات، حيث عنيت هذه الاتفاقية بأمور منها:

أ - تحديد صورة غسل الأموال.

ب – دعـوة الدول الأعضـــــاء في الأمم المتحدة إلى وضع نصـــــــوص قانونية لمكافحة ظاهرة غسل الأموال ومصادرة الأموال الناتجة عنها.

جـ - دعوة المجتمع الدولي لمواجهة هذه الظاهرة.

ثم توالى الاهتمام العالمي لمكافحة هذه الظاهرة سواء على مستوى الدول أو على مستوى المنظمات والهيئات الدولية وكان من أبرز ذلك: (35)

- إعـلان لجنة بازل الـذي تم توقيعه مـن جانب ممثلي البنوك المركزيـة  لإحـدى عشـرة دولـة فـي 3/5/1409هـ، ديسمبر سنة 1988م، والذي دعا إلى منع استخدام الجهاز المصرفي لأغراض عمليات غسل الأموال.

   ومما تجدر الإشارة إليه أن كل الدول العربية قد شاركت ووقعت على    الاتفاقيات الدولية لمكافحة غسل الأموال، وفي مقدمتها اتفاقية فيينا لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية المعقودة في جمادى الأولى 1409هـ ديسمبر 1988م.

ـ   في عام 1410هـ 1989م، صدرت توصيات عن لجنة العمـل المالي لغسل الأموال (F.A.T.F) المنبثقة عن قمة الدول الصناعية السبع الكبرى، والتي وسعت ولأول مرة من نطاق جريمة غسل الأموال، حيث لم تقف بها عند حدود عمليات ترويج وبيع المخدرات، وإنما شملت الجرائم ذات الصلة بالعقاقير وطوائف الجرائم الخطيرة أياً كان نوعها مثل جرائم الدعارة والاتجار بالأطفال وبالأعضاء البشرية.

   ومما يذكر أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية والاتحاد الأوروبي عضوان بارزان في هذه اللجنة في الوقت الراهن.(36)

- ـ في عام 1410هـ 1990م، أبرم مجلس دول الاتحاد الأوروبي اتفاقية بشأن تجريم عمليات غسل الأموال ومصادرة الأموال الناتجة عن هذه العمليات ومنع استخدام النطاق المصرفي لأغراض الغسيل.

   وفي العام نفسه عقد الاجتماع الثامن للأمم المتحدة من أجل منع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد في هافانا في 20 جمادى الأولى 1411هـ 7 ديسمبر 1990م.

-في يونيو 1411هـ 1991م، أصدر البنك المركزي العماني تعميماً إلى كافة المؤسسات المالية المرخصة في سلطنة عمان يحذر فيه من خطورة المتاجرة في المخدرات وما يتبع ذلك من عمليات غسل الأموال في جميع أنحاء العالم، ويطلب فيه من المؤسسات المعنية تطبيق أحكـــام توصيــــــات لجنة (F.A.T.F) كل في نطاق اختصاصه.

-في جمادى الأولى 1414هـ أكتوبر 1993م، عقدت ندوة الرياض حول الجرائم الاقتصادية بإشراف مؤسسة النقد العربي السعودي بصفتها ممثلاً لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربيـة وعضواً فـي مجموعـة العمل المـالي الدولـي (F.A.T.F) والتي خصصت محورها الأول لجريمة غسل الأموال، من حيث طبيعة الموضوع وأخطاره وسياسات وبرامج مكافحته مع تناول هذه السياسات من جوانبها التنظيمية والقانونية والمعلوماتية.

      ويبلور د. عبدالله علي الملا (37)، في ورقته التي قدمها إلى هذه الندوة باسم الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، والجهود التي قامت بها الدول الست في مجال محاربة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية وعمليات غسل الأموال في :

  1)          منع تهريب المخدرات وترويجها ورفع العقوبة على ذلك إلى حد الإعدام.

 2)    المبادرة إلى المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة المعقودة في فيينا عام 1408هـ 1988م، بشأن مكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية.

 3)    تفعيلاً لتوصيات اللجنة المالية لمكافحة غسل الأموال (F.A.T.F.) والتي شاركت فيها الأمانة العامة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بوصفها أحد المراكز المالية من خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التابعة للدول السبع الصناعية الكبرى.

ـ في عام 1414هـ 1994م، عقدت مؤتمرات عدة منها:

q     في تونس صدرت الاتفاقيات العربية لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية.

q     صدر القانون المالطي في العام نفسه، وقد عني عناية خاصة بتحديد الصور الإجرامية لعمليات غسل الأموال وعقوباتها.

q     مؤتمر مكافحة الجريمة المنظمة المنعقد في نابولي.

     - في عام 1415هـ 1995م، صدر القانون النموذجي للأمم المتحدة بشأن مكافحة غسل الأموال، محدداً القواعد التي يمكن أن تهتدي بها الدول الأعضاء في نطاق تشريعاتها الوطنية لمكافحة غسيل الأموال وقد عنى هذا القانون بتحديد مدلول الأموال (القذرة) ونطاق الجرائم المتصلة بعمليات الغسل والعقوبات الأصلية والتكميلية لكل جريمة.

وفي القاهرة من العام نفسه، عقد المؤتمر الدولي التاسع لمنع الجريمة والذي أوصى بالتعاون الدولي لمكافحة غسل الأموال وتسهيل الكشف عن الحسابات السرية.

- في عام 1416هـ 1996م، صدر القانون الأمريكي بشأن مكافحة عملية غسل الأموال والذي عني بتحديد طبيعة النشاط الإجرامي في كل عملية وصوره.

   وفي العام نفسه صدر القانون الفرنسي رقم 392 بشأن غسل الأموال، وهو يقسم الجرائم المتعلقة بعمليات الغسيل إلى نوعين:

1ـ بسيطة.

2ـ مشددة.

ويحدد العقوبة المناسبة لكل نوع.(38)

ـ في عام 1422هـ 2002م، صدر القانون المصري الخاص بعمليات غسل الأموال والذي حدد الصور الإجرامية لعمليات غسل الأموال وعقوباتها مع مراعاة سرية الحسابات البنكية الصادر بها قانون رقم 205 لسنة 1990م، وقانون الكسب غير المشروع رقم 62 لسنة 1975م، وقد صدر القانون بعد جدل فقهي واسع حول مدى الحاجة إلى أفراد عمليات غسل الأموال بتجريم مستقل، وقد نوقش المشروع في مجلس الشورى ومجلس الشعب وصدر به قرار جمهوري برقم (568). (39)

إدراج تمويل الإرهاب ضمن غسل الأموال:

          بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر(23جمادى الآخر/1422هـ)، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإدراج النشاط الاقتصادي لما تسميه بالجماعات الإرهابية ضمن عمليات غسل الأموال، وقد أصدرت أوامرها إلى دول العالم عامة والدول العربية والإسلامية بخاصة بمراقبة مصادر تمويل هذه الجماعات من طريق التبرع أو الزكاة أو رؤوس الأموال المودعة في مصارف بديارها أو ما سوى ذلك.

          ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل اجتمعت لجنة (F.A.T.F) وأصدرت توصيات خاصة بشأن تمويل الإرهاب تناولوا فيها:

  1.   1.          إقرار وتنفيذ وثائق الأمم المتحدة.
  2.   2.          إعطاء تمويل الإرهاب وغسل الأموال صفة الجريمة.
  3.   3.          تجميد ومصادرة الأصول الإرهابية.
  4.   4.          الإبلاغ عن الصفقات المشبوهة بشأن الإرهاب.
  5.   5.          التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب.
  6.   6.          مراقبة الأساليب البديلة لتمويل الإرهاب.
  7.   7.          تحويل الأموال لاسلكياً وسبل الوقاية.
  8.   8.          مراقبة المؤسسات والمنظمات غير الساعية للربح، حيث يسهل اختراقها من قبل هذه المنظمات وبخاصة من:

أولاً: المنظمات الإرهابية التي تعرض نفسها كمؤسسات شرعية.

ثانياً: استغلال المؤسسات الشرعية كقنوات لتمويل الإرهاب وبغرض التهرب من تجميد أموالها.

ثالثاً: استخدام هذه المؤسسات لكي تحجب أو تبعد النظر عن سرية تمويل الإرهاب لمنظمات إرهابية تحت ستار أغراض شرعية.

          وإذا كنت قد نقلت ذلك عن لجنة (الفاتيف)، فإن التحفظ على كلمة إرهاب، جماعات إرهابية ومنظمات إرهابية عندي لا يزال قائماً، حيث إنه لم يصدر حتى الآن تعريف دولي للإرهاب، ولم توافق أمريكا على عقد مؤتمر دولي لتحديد مفهوم الإرهاب، وإنما عرفته في ضوء مصالحها الخاصة، وتصورها الذاتي ولو عرف الإرهاب كما ينبغي لكانت القيادة والريادة والإعداد والتخطيط والتنفيذ والأولوية بالإطلاق فيه لأمريكا أولاً واليهود في فلسطين  ثانياً، وهذا الذي دفعها إلى رفض عقد مؤتمر دولي لذلك.

حملة الإجراءات المالية ضد عملية غسل الأموال وتوصياتها : (40)

          رأت اللجنة (41) أن بعض الدول لا زالت تغض الطرف عن جريمة الأموال القذرة ولا تؤاخذ فاعليها ولا تعتبر غسل الأموال جريمة، وقد دعت هذه اللجنة إلى وجوب اعتماد اتفاقية فيينا بشكل كامل وأن تشرع في التصديق عليها.

          وقد صدرت هذه الحملة أربعين توصية ليس بالإمكان بيانها في هذه العجالة، ولكني أوجز تلك التوصيات في الآتي:

 1)    مسؤولية الدول عن النشاط الإجرامي لغسيل الأموال فيها، حيث حملت الدول مسئوليتها بالتعقب والمراقبة والتسليم وأخطار الأنتربول وتبادل المجرمين الدوليين في هذه الظاهرة.

 2)    البنوك وهي مسئولة عن الإبلاغ عن كل عملية حسابية فيها ريبة من العميل، وذلك بأخطار جهات الاختصاص من ناحية وتشكيل لجان سرية لمتابعة ذلك من ناحية ثانية، كما طالبت وجرمت كل من يدلي ببيانات إلى غاسلي الأموال عن الأخطار التي تتهددهم من  الجهات المختصة أو تحذرهم من دوام التعامل مع البنوك حتى يسهل إيقاعهم في يد العدالة، وتجرم التوصيات كل من يساعد بأي صورة من الصور غاسلي الأموال في استمرار نشاطهم، من حيث تسهيل فتح الحساب أو النقل أو الدلالة أو التحذير أو ما شاكل ذلك.

 3)    تقترح عقوبات تفاوتت بحسب حال المجرم، من حيث الابتداء والأصالة والتكرار والثانوية في العصابة وتنص على السجن أحياناً ومصادرة الأموال ثانياً وتتفاوت عقوبة السجن من خمس سنوات إلى سبع إلى عشرين سنة,

 4)    طالبت اللجنة بإعادة النظر في العقوبات المقدرة على جريمة غسل الأموال، نظراً لأن غاسلي الأموال يطورون أنفسهم بصفة مستمرة مما يتعذر معه الوقوف عن حد الماضي في وقت تتطور فيه جريمة غسل الأموال، وتطور عصاباتها نشاطها بما يتأتى معه التحايل على القانون القديم.

 5)    دعت اللجنة إلى تيسير التقاضي وإجراءات محاكمة مجرمي غسل الأموال، وتيسير نقلهم من دولة إلى أخرى في إطار اتفاقيات عامة لمحاكمة مجرمي غسل الأموال.

سابعاً: دول مجلس التعاون ومكافحة غسل الأموال:

          كتب مصطفى عبدالسلام يقول: يجرى العمل حالياً في دول مجلس التعاون الخليجي لإصدار قانون لمكافحة ظاهرة غسيل الأموال على مستوى المجلس وذلك تطبيقاً لاستراتيجية أمنية اتفق عليها وزراء داخلية دول المجلس الست في وقت سابق.

          ويأتي هذه التحرك الخليجي النشط بعد أن تم إدراج بعض الدول الخليجية ضمن الدول الجاذبة لغسل الأموال، بعد أن وصل حجم الأموال التي تم غسلها في العام الماضي عالمياً من بين 400 ـ 500 مليار يورو كان نصيب الدول العربية منها 100مليار يورو.

          كما يأتي هذا التحرك بعد مخاوف خليجية من أن تصبح دول المجلس هدفاً لعصابات غسل الأموال لاعتبارات عديدة منها: الموقع الجغرافي، وامتلاك هذه الدول سواحل بحرية ممتدة لمسافات طويل تغري بالتسلل والتهريب بالإضافة إلى وجود أعداد هائلة من العمالة الوافدة التي يمكن استغلالها في تنفيذ عمليات غسيل الأموال في ظل حرية تحويل وصرف العملة التي تطبق بدول الخليج.

وقد اتخذت دول المجلس خطوات فعالة مؤخراً لمكافحة عملية غسل الأموال منها: التصديق على الاتفاقيات الدولية التي تجرم غسيل الأموال مثل :

- اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات.

- المصادقة على الاتفاقية العربية لمكافحة الاتجار بالمخدرات.

- التوقيع على القانون الصادر عام 1408هـ 1988م، عن لجنة (بازل) الخاص بالإشراف على البنوك وحظر استخدام البنوك في النشاط المتعلق بالجرائم المختلفة، كانت دراسة خليجية قد أكدت أن بعض دول الخليج العربية بدأت تدرج ضمن الدول الجاذبة لغسيل الأموال وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو الأمر الذي نفاه مصرف الإمارات المركزي.(42)   

لقد صدر مؤخراً عن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (الأمانة العامة) النظام (القانون) الاسترشـادي الموحد لمكافحة غسل الأموال، والذي احتوى ثماني وعشرين مادة تتعلق بغسـل الأموال، وتضمنت هذه المواد ما يلي:

المـــــادة الأولى: تناولت المفاهيم وتحديد المصطلحات الواردة بالقانون.

الفصـــــــــل الأول :   وبه مادتان تضمنتا تعريف غسل الأموال بكل احتمالاته   والمراد من  غاسل الأموال بكل أبعاد المصطلح مادة
(2 ، 3 ) .

الفصل الثاني  :  وبه ثمان مواد تناولت واجبات المصارف والمؤسسات المالية وغير المالية والمصرفية والجهات الرسمية تجاه ظاهرة غســــــل الأموال وبه المواد رقم (4، 5، 6، 7، 8، 9، 10، 11).

الفصـل الثالث: وبه مادتان تضمنتا الإجراءات القانونية واجبة الاتباع في محاكمة ومحاسبة غاسل الأموال والطرق المعتمدة لذلك، مادة (12، 13).

الفصل الرابع:  وبه تسع مواد تضمنت عقوبة مرتكب جريمة غاسل الأموال ومن ساعده من مسئولي البنك والشركات والمؤسسات، وقد نصت على مدة السجن ومصادرة الأموال، والحل إذا تعذرت المصادرة ومن يعفى عنه من هؤلاء وذلك في المواد رقم (14، 15، 16، 17، 18، 19، 20، 21، 22).

الفصل الخامس: وبه ثلاث مواد وقد نص على وجوب التعاون الدولي من  أجل المكافحة وإقامة اتفاقيات للتعاون بين الدول بعضها البعض من أجل القدرة على المواجهة وذلك في المواد رقم
(23، 24، 25).

الفصل السادس: وبه ثلاث مواد نصت الأولى منها على إعفاء المسئولين في الأجهزة المصرفية من الإدانة ما لم يثبت تورطهم في العملية، ونصت الثانية على تحمل الوزير المختص إصدار اللائحة التنفيذية لهذا القانون ونصت الثالثة على وجوب نشر ذلك في اللائحة الرسمة، وذلك فـي المواد (26، 27، 28).

السعودية ومكافحة غسل الأموال:      

شكلت المملكة العربية السعودية وحدة لمكافحة غسل الأموال تابعة لوزارة الداخلية في إطار حملة مكافحة الإرهاب، كما اتخذت المصادر السعودية تدابير لتفادي تمويل الإرهاب، وستعمل هذه الوحدة الجديدة بالتعاون الوثيق مع السلطات المالية والنقدية السعودية، كما أمرت وزارة التجارة بفرض رقابة مشددة على الصفقات الضخمة، وطلبت من المؤسسات المالية إبلاغ السلطات عن أي حالات مريبة، وأكد مسئولون سعوديون أن تلك اللوائح التنظيمية تستكمل إجراءات سابقة اتخذها مجلس الوزراء لمكافحة غسل الأموال وغيرها من الأنشطة غير القانونية في مجال الأعمال.

من جهته قرر مجلس الوزراء تشكيل لجنة خاصة لمعالجة قضية غسل الأموال، على أن تكون تحت مظلة مؤسسة النقد العربي (ساما)، وتم تكليف اللجنة بإعداد مشروع نظام لمكافحة غسل الأموال، تراعى فيه الأحكام الواردة في أنظمة مجلس التعاون الخليجي، وكانت مؤسسة (ساما) قد اتخذت خلال الشهور الماضية عدة إجراءات لمواجهة عمليات غسل الأموال (43)، كما أن مجلس الشورى ناقش في الشهر الرابع من هذا العام 1424هـ مشروع نظام جديد لمكافحة غسل الأموال، ولعله يصدر قريباً بعد استكمال إجراءاته النظامية. 

هيئة كبار العلماء وموقفهم من غسل الأموال:

          صدر قرار هيئة كبار العلماء رقم 91 بتاريخ 22/5/1402هـ، بتجريم التستر واعتبار أن المبلغ الذي يحصل عليه المواطن أو الأجنبي للتستر يعتبر مالاً حراماً، لأنه بلا عوض مباح، قال تعالى:) ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل( ـ البقرة 188 ـ النساء 29 الآية.

          وتوضح الدراسات التي أجريت على ظاهرة التستر في المملكة العربية السعودية أن عدد القضايا التي يتم التحقيق فيها في هذا الخصوص تتراوح بين 40 ـ 60 قضية يومياً تشمل 19 مدينة تقوم لجان مكافحة التستر بالتحري والتحقيق فيها، وفي حالة ثبوت واقعة التستر يمنع الأجنبي من مغادرة البلاد حتى يقوم برد جميع الأموال المستحقة إلى الحكومة ثم يتم ترحيله إلى خارج البلاد.(44)

          وقد أشار مصطفى عبدالسلام إلى موقف اليمن وقطر والإمارات والكويت من عملية غسل الأموال والتدابير والقوانين التي أصدرتها هذه الدول لمواجهة هـذه الجريمة.(45 )

ثامناً: موقف الشريعة الإسلامية من غسل الأموال:

          إذا كان مصطلح "غسل الأموال" لم يرد في الشريعة الإسلامية، فإن الإسلام قد استخدم مصطلحات أوسع دلالة من مصطلح غسل الأموال، وهو مصطلح "المال الحرام" أو "الكسب الحرام" أو "الكسب غير المشروع".

          وإذا كان العالم قد أستيقظ على عملية غسل الأموال كناتج سلوكي لمحترفي هذا السلوك مع محاولتهم إكساب المال الحرام صفة الشرعية أو القانونية في القرن العشرين، فإن الإسلام قد أبان عن موقفه من المال عامة والمال الحرام بخاصة، فأحل الحلال ودعا إليه وبين سبله، وحرم الحرام وجرمه وأتخذ لذلك سبلاً عدة للوقاية منه على مستوى الأفراد وعلى مستوى الدولة، ويمكن بيان ذلك موجزاً في الآتي:

أولاً: نظرة الإسلام إلى المال:

          تقر الشريعة الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها من حب للمال إلى حد الفتنة، وقد صرح الإسـلام بذلك، قال تعالى:)زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب( آية 14 آل عمران.

وقال تعالى:)المال والبنون زينة الحياة الدنيا( آية 46 الكهف، وقد يصل الأمر إلى حد الافتنان بالمال والولد، قال تعالى:)إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم( آية 15 التغابن.

          ولذلك أقر الإسلام تحصيل المال من حلال، وذكر العلماء طرق الحلال وهي:

           1)              العمل المشروع وهو الأساس في الكسب وبه يستقيم أمر الفرد والمجتمع

           2)      الإرث بشرط أن لا يتعجل الوارث تحصيله بإزهاق روح مورثه.

     3)      الهبات والصدقات والزكاة وما يلحق بها، وقد حث الإسلام على الزهد فيها قدر الاستطاعة، لأنها تؤدي إلى استمراء الدونية وتقتل روح العزة وتحد من عوامل نهوض الأمة ورقي المجتمع.

ومن سمات الإسلام أنه لم يضع حداً للقلة أو الكثرة في التملك من طريق الحلال، ولكنه اشترط ـ كما يرى الفقهاء ـ ثلاثة شروط للتملك وهي:

  1.   1.          جمع المال من حلال، وأما الجمع من حرام وإن أكسب الملكية الظاهرة إلا أنه وزر على مالكه.
  2.  2.    إنفاق المال في الحلال، فالملكية لا تكسب التصرف المطلق للإنسان،  أن قيوداً شتى قد وضعت على التصرف، كالتقييد بعدم السرف )وكلوا وأشربوا ولا تسرفوا(آية 31 الأعراف، وفرض وصايـــــة وحجر على السفهاء )ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما( آية 5 النساء، وتحريم التجاوز في التصرف حال الولاية والوصاية،) وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف}آية 6 النساء.
  3.  3.    أداء حق الله فيما بين الكسب والإنفاق، قال تعالى:) والذين في أموالهم حق معلوم . للسائل والمحروم( آية24، 25 المعارج.

وبهذا أتاح الإسلام الفرصة لكل شريف عفيف أن يتكسب من الحلال كما يحلو له وإن ملك الكثير والكثير من الأموال ما دامت شروط الكسب من الحلال قد توفرت.

 

 

 

الإسلام والمال الحرام:

          نهى الإسلام الناس عامة والمسلمين بخاصة عن جمع المال من حرام وسلك في الحد من ذلك رغبة في المنع منه سبيلين.

ـ السبيل الأول: نصوص عامة تحرم المال الحرام.

ـ السبيل الثاني: خاص حيث النص على مصادر بعينها للكسب الحرام مع تحريمها

والسبيل الأول، أوضح ما يكون في خطاب القرآن الكريم بالتحريم العام لأكل أموال الناس بالباطل، ومن وجوه إعجاز القرآن كشفه النقاب عن المستجدات التي لم تكن موجودة في عصر النبوة أو كانت موجودة ولكنها نادرة وكثرت في عصرنا، قال تعالى:) ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون( آية 188 البقرة، فقد نصت الآية على تحريم أكل مال الغير بالباطل، وصرحت بأن بعض الناس يدفعون للمسؤولين رشوة لتيسير سبيل أكل أموال الغير بالباطل، وقد عبر عنهم بالحكام لا على أنهم ولاة الأمر وحدهم بل يندرج في الوصف كل مسئول في موقعه ( مدير مؤسسة، مدير بنك ، مدير شركة، مدير مصرف) وغيرهم من أجل تيسير السبل لهؤلاء ، مع النص على أن من يفعلون ذلك يعلمون حرمته ) وأنتم تعلمون(.

كما ورد قول الله تعالى:)يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصلية ناراً وكان ذلك على الله يسيرا ( آية 29، 30 النساء، ويفهم من النص أن الإسلام قد أغلق باباً وفتح أبواباً شتى، فالباب الذي أغلقه هو أكل أموال الغير بالباطل والأبواب التي فتحها تتعدد بتعدد الأشياء المتاجر فيها والتي لا حصر لها.

وحذر الإسلام من استغلال الدين كسبيل لجمع المال وكنزه أو إدعاء تملكه ولو كان ذلك من رجال العلم الشرعي أنفسهم، وحذر من أناس فعلوا ذلك فيما سبق، قال تعالى:)يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون( آية34 التوبة.

كما لعن الله اليهود بسبب تصرفاتهم المالية غير المشروعة ) وأخذهم الربا وقد نهو وأكلهم أموال الناس بالباطل واعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليما(
آية 161 النساء.

والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبين لنا أن المال الحرام يبطل عمل صاحبه، ولو كان العمل نوع قربة من حيث الظاهر، وفي الحديث (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وأن الله أمر عباده المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين، فقال: )ياأيها الرسل كلوا من الطيبات( المؤمنون 51, وقال:)يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم( البقرة 172, ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يقول يا رب. ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له) الحديث .صحيح مسلم 2/703 رقم1015.

وحين سأل سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يدعو الله له باستجابة الدعوة، قال عليه السلام له: يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة. المعجم الأوسط 6/311 .

كما وصى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بترك كل ما فيه شبهة اتقاء للوقوع في الشبهة، وفي الحديث (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه) البخاري 1/28 ومسلم3/1219 رقم1599 واللفظ له .

وفي الحديث (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) المستدرك 1/116 صحيح
ابن حبان 2/498.

إن موقف الإسلام صريح في ردّ كل فعل ظاهره خير ينتج عن المال الحرام، ولو كان عبادة مالية أو بدنية أو هما معاً، فقال رسول الله (لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول) صحيح مسلم 1/204، وفي السنة كذلك بشأن الحج (إذا خرج الرجل حاجاً بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك، زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور. وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور) الطبراني في الأوسـط 5/251 رقم 5228.

كما ورد قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب وإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه …) البخاري 2/511 رقم 1344، وبنحوه أخرجه مسلم
(2/702) ح 1014

ويكفى أن الإسلام قد توعد كل من جمع مالا من حرام وكل من يحيى على المال الحرام بأن مآله إلى جهنم وبئس المهاد، وفي الحديث الشريف( أي لحم نبت من سحت فالنار أولى به) المستدرك 4/141 رقم 7163، صحيح بن حيان12/378 سنن الترمذي 2/512 هذا عن السبيل الأول وهو التحريم بصيغة العموم للكسب الحرام.

السبيل الثاني (الخاص) : حيث النص على مصادر بعينها للكسب الحرام مع تحريمها ومن يقف على مصادر الكسب الحرام (غسل الأموال) يدرك أن كثيراً من مصادره مما نص الإسلام على تحريمه صراحة، وليس بالإمكان حصر ذلك، ولكني أشير إلى بعض هذه المصادر مع التركيز على صيغ العموم السابقة في التحريم، والقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية أن الأصل في الأشياء الإباحة وأن كسب المال من الطرق الشرعية مباح مهما تنوعت وسائل هذا الكسب من أعمال الزراعة (عدا النباتات المحرم زراعتها أو استخدامها كالأفيون والقات) وكذلك التجارة وهي في جملتها النشاط الاقتصادي القائم على تبادل السلع والمنتجات بالبيع والشراء والشركة وغيرها من التصرفات والعقود والصناعة وهي إعداد وصنع ما يحتاج إليه الإنسان في جميع شؤون حياته، وقد يشمل النشاط الصناعي الزراعة والتجارة معاً وهناك مصادر أخرى لكسب المال غير ما ذكرنا وهي مباحة في الشرع كالمواريث والوصايا والهبات والصدقات.

وكل هذه الأموال حلال كسبها ونقلها والاستفادة منها وجني ربح من ورائها فالشريعة الإسلامية لا تضيق في طرق كسب المال والانتفاع به ولذلك فلا عذر لأحد في ابتغاء المال الحرام وهذا ما عُني به الشارع فحرمه وعاتب على العديد من صوره وهو ما نشير إليه في تحريم الشارع لبعض أنواع المال ولبعض الأنشطة التي تؤدي إلى الكسب الحرام، ومن ذلك:

أ ـ المسكرات والمخدرات، بكل صورها وأنواعها وألوانها وقليلها وكثيرها، وفي الحديث الشريف: لعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الخمر عشرة
( عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وأكل ثمنها والمشترى لها والمشتراة له) الترمذي 3/589 رقم 1295 وقال حديث غريب، ابن ماجه2/1122 رقم 3381 .

وبين ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن كل مسكر خمر وكل مسكر حرام. مسلم 3/1587 رقم 2002.

وصرح بأن ما أسكر كثيره فقليله حرام. المستدرك على الصحيحين
3/466 رقم 5748، أبو دواد 3/327 رقم 3681 ، صحيح ابن حيان 12/202 سنن ابن ماجه 2/1124 ح 3192 والترمذي 4/292 . 

كما حرم الإسلام بيع كل ما تخمر ولو لم يكن بالصنعة وحرم بيعها
أو الاتجار فيها ولو لغير المسلمين، وفي الحديث الشريف (أن الذي حرم شربها حرم ثمنها) صحيح مسلم 3/1206 .

بل إن الصحابي الجليل  أبا طلحة رضى الله عنه قال: يا رسول الله إني اشتريت خمراً لأيتام في حجري فقال: أهرق الخمر وكسّر الدنان. سنن الترمذي
3/588 ح 1293 ، سنن الدار قطني 4/265 المعجم الكبير 5/99 .

وقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤدب بنفسه كل من يتاجر في الخمر، وذلك بإضاعة رؤوس أموالهم عليهم، عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: (أمرني النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن آتيه بمدية ـ وهي الشفرة ـ فأتيته بها فأرسل بها فأهرق بها ثم أعطانيها وقال اغد علىّ بها ففعلت فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ثم أعطانيها وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي ويعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته ففعلت فلم أترك في أسواقها زقا إلا شققته) مسند أحمد 2/132 رقم 6165 .

ب ـ مهر البغي ـ والتعبير بمهر فيه تجاوز والبغي هي الزانية, والمراد ما يدفع من مال مقابل الزنا وهو ما يسرى على بيوت الدعارة والتجارة في الأعراض الآن، وفي الحديث( نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن مهر البغي وحلوان الكاهن) صحيح البخاري 5/2045 ح 5031   في صحيح مسلم 3/1199
ح 1568.

ج ـ السرقة، وقد حرمها الإسلام وقدر عليها عقوبة ردعاً وزجراً ويكفي أن السارق يمكن أن يفقد أطرافه وتصل العقوبة إلى حد الإعدام تعزيراً، إذا استمر في السرقة، قال تعالى: ) والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالا من الله( آية 38 المائدة .

د ـ قطع الطريق، وهو ما يعرف بالحرابة في الإسلام، ويمكن إدراج عصابات المافيا تحت هذا المعنى لأن المحاربين مفسدون في الأرض، وعصابات المافيا كذلك قال تعال: ) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف
أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم( آية 33 المائدة.

هـ ـ الغلول، وهو السرقة من المال العام قبل تقسيمه في الغنائم، ويلحق به الآن السرقة من المال العام اعتماداً على المنصب أو الموقع أو المعارف، وعقوبة ذلك واضحة في الدنيا برد المال والتعزير، وفي الآخرة إن لم يتب فله الخزي يوم الحساب ) وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون( آية 161 آل عمران.

و ـ      الربا، وهو من مصادر الكسب الحرام، ونصوص التحريم فيه واضحة في القرآن والسنة والخروج من ذنبه واضح كذلك، قال تعالى:) وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون( آية 275 البقرة.

          ولعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. مسلم 3/1218 رقم 1597، 1598.

ز ـ      الاختلاس، والرسول ـ صلى الله عليه سلم ـ قد نفى الإيمان عن فاعله، وفي الحديث ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربه وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) مسلم 1/76 رقم 57. والنهبة هي الاختلاس لكثير المال الذي إن سمع الناس به انبهروا . 

ح ـ      الاحتكار، وهو ما يعرف بالسوق السوداء الآن، وهو أمر تعارف عليه التجار عبر التاريخ ولا يزال حتى يومنا هذا مصدراً للكسب، حيث الاعتماد على شراء السلع وتخزينها حتى تندر أو تنقطع من السوق فتباع بأسعار مضاعفة، ويلحق بذلك تجارة الدواء والسلاح وعصابات تهريب الممنوعات، وقد نهى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك في أحاديث شتى منها، قوله عليه السلام (المحتكر ملعون) المستدرك 2/14 رقم 216 .

          ( لا يحتكر إلا خاطئ) مسلم 3/1228 رقم 1605 .

          ( من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغلبه عليهم فإن حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة) مسند أحمد ح 20413

ط ـ      الرشوة، وهي من أهم مصادر غسل الأموال الذائعة والشائعة، وقد نهى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك، وفي الحديث (لعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الراشي والمرتشي) صحيح ابن حيان 11/467 سنن أبي دواد 3/300 سنن ابن ماجه 2/775 .

الخلاصــــة :

          إن عمليات غسل الأموال بلغة العصر والكسب الحرام بلغة الشرع فيه خروج عن قيم الإسلام ومبادئه، بل فيه مصادمة للشرع من حيث انتهاك حرمة الضرورات الست (46) وبيان ذلك ـ مختصراً ـ كما يلي:

1)   تعد عمليات غسل الأموال مخالفة للدين في حلاله  وحرامه، حيث تحليل الحرام وتحريم الحلال لاعتبارات يرونها دون سند دين أو قانون، فضلاً عن كون هذا التصرف ضاراً بدين المتصرف نفسه، حيث أنه لا يراقب ربه ولا يخشى غده.

2)   كثيراً ما تؤدي عمليات غسل الأموال من حيث المصدر إلى قتل النفس التي أمر الله بحفظها، وليس أدل على هذا من أن ظاهرة الاتجار في الأعضاء البشرية قد نمت في الغرب وقطع الغيار الإنساني متوفرة في مستشفيات الغرب عن طريق العصابات وتجار قطع الغيار البشري.

3)   ظهرت في الآونة الأخيرة التجارة في الرقيق الأبيض مع التركيز على الأطفال بالدرجة الأولى، وقد ذكرت التقارير أن الأطفال المختطفين من يوغسلافيا السابقة بلغوا حداً في الكثرة يبعث الشعور بالمرارة والحزن ، ومثل ذلك أطفال أفريقيا ولبنان وغيرهما وهو ما يعد إضراراً برجال المستقبل، وهناك ظواهر بيع الأبناء في بعض الدول الفقيرة لهذه العصابات، مثل كمبوديا ولأوس.

4)       تضر عمليات غسل الأموال بالعقل لأن منشأها كان الاتجار بالمخدرات، ولا يخفى ما للمخدرات من آثار على العقل.

5)   كما أن ضررها على المال العام والخاص لا يخفى على أحد، إن عمليات غسل الأموال قد هزت اقتصاد بعض الدول، كما حدث في جنوب شرق آسيا كما أغلقت البنوك بسبب هذه العمليات، وأعلنت إفلاسها ـ بنك الاعتماد والتجارة الدولي ـ وكم أعلنت شركات إفلاسها بعد المضاربة في البورصات التي اخترقتها عصابات غسل الأموال.

إن تحريم وتجريم هذا السلوك لم يعد يفتقر إلى دليل بعد ما ورد إثباته من آيات قرآنية وأحاديث نبوية.

الخروج من المال الحرام:

          جمهور الفقهاء على أن التكاليف الشرعية لا تقع ولا تقبل من مالكي الحرام إذا كان له دخل في العبادة كالزكاة والصدقة والحج ويبقى السؤال:
لو أراد غاسل الأموال أن ينجي نفسه ويطهر ماله فماذا يفعل؟ إنه لا سبيل للنجاة إلا برد الأموال إلى أصحابها إذا كانت مسروقة أو مغصوبة أو مختلسة من أشخاص، وأما المال الحرام مجهول المصدر أو من التجارة الحرام أو السرقة من المال العام
أو الرشوة، فكل ذلك يرد إلى المال العام بالتبرع للمستشفيات والمدارس والمعاهد والجامعات لا على أنه زكاة أو صدقة أو هبة بل مال يرغب صاحبه في التخلص منه، ولا يجوز إتلافه حتى لا يأثم به فاعله، ولا يجوز تركه للورثة لأنه حرام وملكيته فيها شبهة فوجب التخلص منه، وسنورد بعض التوصيات التي قد تفيد في هذا المجال على المستوى الفردي والاجتماعي .

توصيات مقترحة :

لقد دلت جميع الأبحاث التي تقدم في المؤتمرات التي تعقد لمواجهة ظاهرة غسيل الأموال على أنه كلما انفتحت أبواب الكسب الحرام زادت حركة غسيل الأموال انتشارا وأصبحت الآن تتخطى الحدود من بلد إلى أخر تبعاً لانتشار المعاملات الدولية وسهولة انتقال الأموال ولذلك فإن مواجهة أي ظاهرة إجرامية تضر بأمن المجتمع أو اقتصاده يبدأ من الوقاية وسد الطريق أمامها فإذا أفلتت حالات معينة لم تصبح المشكلة ظاهرة ومنتشرة كما هي الآن تستدعي تدخل الدول بالتشريع أو الاتفاقات الدولية.

ويقتضي الأمر في مواجهة هذه الظاهرة التي تحاول إخفاء جريمة بجريمة أخرى هي غسيل المال الذي نتج عن الأولى ـ أن تتخذ الدول المعنية إجراءات معينة بعضها يدخل في باب الوقاية والآخر من قبيل العلاج.

أولاً: على الدول أن تبذل جهداً أكبر في إصلاح أجهزتها الإدارية والمالية والمصرفية ذلك أن المال الحرام يكتسب كثيراً عن طريق الفساد الإداري والمالي فغسيل الأموال يتصل اتصالا وثيقاً بجرائم معروفة وتمارس منذ القدم مثل الرشوة والاختلاس والتزوير والاستيلاء على المال العام وجرائم الاتجار في المخدرات والمسكرات وغيرها مما هو محرم شرعاً وقانوناً ويساعد فساد الجهاز الأمني والإداري في الحصول على أموال طائلة من جراء هذه الأنشطة الإجرامية ولذلك فإن إغلاق هذه الأبواب وسد الطرق أمام التكسب منها يقي من انتشار ظاهرة غسيل الأموال.

كما ينبغي أن تكون مراقبة المؤسسات المالية (المصارف والبيوت المالية ومؤسسات نقل وتحويل الأموال) بطريقة فعالة ولا يصح أن نتمسك بمبدأ سرية الحسابات تمسكاً شديداً إزاء مبالغ طائلة لا يعرف لها مصدر أو يكون مصدرها مشكوكاً فيه وقد بدأت البلاد الغربية وحتى في أمريكا بعد أحداث 23جمادى الآخرة 1422هـ 11سبتمبر2001م، في مراقبة حسابات بعض من يشتبه فيهم في جرائم الإرهاب ولا شك أن حماية المجتمع أولى من التمسك بسرية حسابات أفراد قلائل يعيشون فيه.

ثانياً: لا ريب أن النظم السياسية تتخذ مواقف معينة ومحددة إزاء النشاط الاقتصادي الخاص تبعاً لما يسود هذه الدول من أفكار ونظريات سياسية واقتصادية ومع أننا لا ننادي بأن تحتكر الدول أو تسيطر على النشاط الاقتصادي إلا أننا مع إشراف الدولة على مجمل النشاط الخاص التجاري والصناعي والزراعي بحيث تحفظ مصالح المجموع فلا يواجه المجتمع الاستغلال في التجارة أو الاحتكار
أو الزيادة في نشاط لا يفيد مجموع الناس ويكون وسيلة لكسب المال الحرام (مثل كل وسائل وأنشطة الترفيه غير المشروعة أو غير الأخلاقية فهذه الأنشطة أقرب إلى تحصيل الحرام أصلاً وهي من بين الجهات التي تضطر لإخفاء مكاسبها الفاحشة أو غير المشروعة عن طريق غسيل الأموال ولا يعد ذلك تدخلاً سافراً أو غير مبرر في النشاط الاقتصادي الخاص ولكنه في الحقيقة حماية للناس والمجتمع من تضخم أنشطة غير مفيدة وفتح لأبواب الكسب المبالغ فيه لأفراد قلائل.

 

ثالثاً: أن تضع الدول باتفاقات فيما بينها ضوابط وشروط لتحويل الأموال
أو تغيير النشاط إذا كان الأمر يتعلق بمبالغ طائلة تنتقل بين المؤسسات المالية.

رابعاً: أن تكون المصادرة هي العقوبة الأولى لكل المبالغ التي يشتبه في أنها مبالغ هاربة من مصدرها غير المشروع حتى في غير البلد الذي تدخله هذه الأموال ودونت بعد سماع صاحب المال الحقيقي وراء عمليات غسيل الأموال.

خامساً: أن تهتم الأجهزة الأمنية في كل دولة بأنواع من الجرائم عرف الآن على وجه التأكيد أنها مصدر لكسب أموال طائلة من ورائها ومن هذه الجرائم كما دلت الأبحاث ـ جرائم لاتجار المخدرات والاتجار في الرقيق الأبيض وكل الأعمال المشينة وبذلك يمكن الحد  من جرائم غسيل الأموال التي تأتي بعدها كوسيلة للهروب بهذه المكاسب من دولة المنشأ إلى دولة أخرى.  

          وبعد فإن الضرورة قد فرضت الاكتفاء بهذه العجالة، وإن كان في فكر وفقه المسلمين الشيء الكثير، ولكني أكتفي بهذا القدر سائلاً الله أن ينفع به كل من قرأه وسمعه والله ولي التوفيق والحمد الله رب العالمين.

                                               

                   

 

  

 

 

 

 

 

الهوامش

  1)          صلاح الدين السيسي: قضايا اقتصادية معاصرة، توزيع مؤسسة الاتحاد الوطني 1998م.

 2)    د. هدى قشقوش: جريمة غسيل الأموال في نطاق التعاون الدولي، دار النهضة،
 ص9ـ 17 .

 3)    د. أشرف شمس الدين : تجريم غسـيل الأمـوال فـي التشريعات المقارنـة،
 دار النهضـة، ط 2001م.

 4)    دراسة عن عمليات غسل الأموال، مقدمة من شبكة مكافحة الجرائم المالية بوزارة الخزانة الأمريكية إلى ندوة الرياض عن الجرائم الاقتصادية (غسيل الأموال تزييف العملات ، الاحتيال المصرفي) تنظيم مؤسسة النقد ومؤسسة التعاون ومجموعة العمل المالي الدول، الناشر: المعهد المصرفي بالرياض، أكتوبر 1993م.

  5)          جون كاسار: عمليات غسيل الأموال الدولية، بحث مقدم إلى ندوة الرياض.

  6)          د.يحيى الدين عوض: تحديد الأموال القذرة ومدلول غسيلها وصور عملياته، ص7 .

  7)          المرجع السابق ص8 .

  8)          غسيل الأموال.

  9)          المرجع السابق ص140 .

10)          د.صلاح جودة: غسيل الأموال، ص25 .

11)          د.عبدالرزاق الزهراني، مجلة البحوث الأمنية، العدد23 مجلد11، ص21 .

12)          المرجع السابق ص22 بتصرف.

13)          أوراق لم تنشر عن غسل الأموال / لواء عصام الترساوي ، مكتبة الإدارة العامة.

14)          د. محسن الخضيري: غسيل الأموال، مجموعة النيل العربية، ط 1، ص5.

15)          د. صلاح جودة: غسيل الأموال، ص31 ـ 36 بتصرف.

16)          مصطفى طاهر: مراحل غسيل الأموال، من كتاب المواجهة التشريعية لظاهرة غسل الأمـوال، ط 1 سنة2002م.

(*)     لعل الأنسب استخدام كلمة "الطرق" بدلاً عن كلمة "المراحل.

17)          غسيل الأموال، ص27.

18)          محيى الدين علم الدين: مجلة الأهرام الاقتصادية، العدد 1753 بتصرف .

19)          دراسة عن عمليات غسيل الأموال، مقدمة من شبكة مكافحة الجرائم المالية بوزارة الخزانة الأمريكية، ندوة الرياض1993م.

20)          جون كاسارا ـ عمليات غسل الأموال الدولية، ندوة الرياض.

21)          د.هدى قشقوش، مرجع سابق، ص54.

22)          بحث للدكتور نائل عبدالرحمن صالح ، ندوة الجريمة المنظمة عبر الحدود العربية القاهرة نوفمبر 1998م.

23)          الإجرام المنظم وغسيل الأموال ، لواء عمر حسن عدس ، مجلة بحوث الشرطة، العدد التاسع يناير 1996م.

24)    سيدريك وود هول ـ وحدة الاستخبارات المالية بالمملكة المتحدة ـ من بحثه "أساليب التعامل مع أنشطة غسل الأموال في المملكة المتحدة، ندوة الرياض 1993م.

25)    كرستيان أيدلمان ـ الرئيس المساعد لإدارة البنوك بوزارة المالية الألمانية، من ورقة عمل بعنوان: إجراءات مكافحة غسيل الأموال في ألمانيا، ندوة الرياض.

26)          د.حمدي عبدالعظيم ـ عميد أكاديمية العلوم الإدارية بطنطا ـ جريمة غسيل الأموال في مصر والعالم، القاهرة 1997م.

27)          من تقرير عن المشروع المصري لقانون غسيل الأموال.

28)    عبدالحليم المحجوب: إشكالية التعريف للإرهاب والجريمة المنظمة والأمن القومي ـ القاهرة ، في كراسات استراتيجية جليجية " الإرهاب وعلاقته بالجريمة المنظمة والمخدرات وانعكاساتها على الأمن القومي" مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية ـ 8/4/1997م، ص 5 ـ نقلاً عن د. عادل عبدالجواد الكردوس، دراسة غير منشورة بعنوان: حجم غسل أموال المخدرات في المجتمع المصري، مؤتمر المخدرات مشكلة اقتصادية، جامعة الأزهر ـ 6 ، 7مايو2003م. 

29)          صلاح جودة، مرجع سابق، ص165ـ 166 .

30)          المرجع السابق، ص163 ـ 165 .

31)          الأهرام الاقتصادي ، العدد 42166 بتاريخ 18/5/2002م، الجريدة.

32)          نادية يوسف ـ الأهرام، العدد 42345 بتاريخ 13/11/2002م.

33)          دراسة من عمليات غسيل الأموال: شبكة مكافحة الجرائم المالية بوزارة الخزانة الأمريكية، ندوة الرياض.

 وانظر: ريتشارد سول: حملة مكافحة غسل الأموال والجرائم الاقتصادية،  ندوة الرياض.

 وراجع:د.أشرف شمس الدين: تجريم غسيل الأموال في التشريعات المقارنة،
ط دارة النهضة العربية، مصر 2001م.

34)          د.محسن الخضيري ـ غسيل الأموال، ص69 ـ 71 .

35)    أحمد بن صالح العثيم: مقال في السياسة الكويتية، عدد 11913 بتاريخ
25/1/2002م.

36)          غسيل الأموال، ص76 بتصرف.

37)          د.هدى قشقوش ـ جريمة غسيل الأموال في نطاق التعاون الدولي، دار النهضة العربية، القاهرة 2002م.

38)    أقرأ تفاصيل بنود اتفاقية فيينا في غسيل الأموال. محسن خضير،
ص181 ـ 189 .

39)     يمكن قراءته كاملاً في البحث القيم للدكتور محسن أحمد خضير بعنوان: غسيل الأموال، (الظاهرة ـ الأسباب ـ العلاج)، من صفحة 194
إلى 202(37) ، ومجلة العالم اليوم، مقال كتبه مصطفى عبدالسلام عدد رقم 91 بتاريخ 10/3/2002م غسيل الأموال، ونشير أيضاً في هذا الصدد إلى القانون رقم (80) لعام 2002م، في الموضوع ذاته. 

40)    جون إيليس ـ مدير قسم السياسة البنكية، بنك أوف أنجلاند، نظام تقييم التقدم في تنفيذ توصيات مجموعة العمل المالي الدوليةFATF، ندوة الرياض 1993م.

41)    د. عبدالله الملا ـ ورقة عمل مقدمة باسم الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي إلى ندوة الرياض عن الجرائم الاقتصادية 1993م.

42)    مشيل كوبر.مدير التحقيقات بجهاز (تراكفين) بوزارة المالية الفرنسية ـ سياسة فرنسا وتطبيقاتها إزاء عملية غسيل الأموال، ندوة الرياض 1993م .

43)    مجلة الحوادث، عدد 2364 بتاريخ 22/2/2002م، ومجلة الأهرام الاقتصادي، العدد 1741 بتاريخ20/5/2002م مقال كتبه.عبدالعزيز محمود.

44)    هي لجنة الفيتاف انعقدت في أبريل عام 1990م، وأصدرت تقريرها الأول الذي ضم أربعين توصية، يمكن على ضوئها اتخاذ الإجراءات المضادة لعملية غسل الأموال ، مجلة البحوث الأمنية، ص45 .

45)          حفظ الدين ، حفظ النفس ، حفظ العرض ، حفظ النسل ، حفظ العقل ، حفظ المال. 

46)          راجع: التوصيات الأربعون لحملة غسل الأموال.

47)          مصطفى عبدالسلام. العالم اليوم، مقال بالعدد 91 بتاريخ 10/3/2002م، مكتبة الأهرام للبحث العلمي.

48)          المرجع السابق.

49)          د.صلاح جودة، ص113 ـ 114 .

50)          مصطفى عبدالسلام. العالم اليوم، مقال بالعدد 91 بتاريخ 10/3/2002م. مكتبة الأهرام للبحث العلمي من 77 ـ 81 .