عمليات غسل الأموال

زهير سعيد الربيعي

المال و الاقتصاد     
السبت 27/12/1428 الموافق لـ 05/01/2008 ، تحديث الساعة 10:39

عمليات غسل الأموال
 
ماذا تعني عبارة "غسل الأموال"؟

تجمع العديد من المصادر المختصة على تعريف عمليات غسل الأموال على أنها:

كل عمل أو إجراء يهدف إلى إخفاء أو تحويل أو نقل أو تغيير طبيعة أو ملكية أو نوعية وهوية الأموال المحصلة من أنشطة أو أعمال إجرامية وغير قانونية أو غير مشروعة، وذلك بهدف التغطية والتمويه والتستر على المصدر الأصلي غير القانوني لهذه الأموال، لكي تظهر في نهاية الأمر على أنها أموال نظيفة ومن أصول سليمة ومشروعة بينما هي في الأصل غير ذلك.

وتشمل هذه العبارة "أنشطة أو أعمال إجرامية وغير قانونية أو غير مشروعة" مجموعة كبيرة من الجرائم والأعمال غير المشروعة والتي تعد بالعشرات وتتسع – على سبيل المثال لا الحصر – لتشمل:

·             التجارة غير المشروعة للمخدرات والمؤثرات العقلية.

·             التجارة غير المشروعة لمختلف أنواع الأسلحة النارية والذخائر.

·             جرائم الرشوة والاختلاس والإضرار والتعدي على المال العام.

·       الفساد الإداري والمالي والسياسي (ويسمى أحياناً جرائم أصحاب الياقات البيضاء).

·             جرائم الغش والاحتيال وخيانة الأمانة وعمليات الغش التجاري.

·             التهرب الضريبي.

·       السرقة بمختلف أنواعها بما فيها سرقة الآثار وسرقة حقوق الطبع والتوزيع للمصنفات الأدبية أو العلمية والأقراص المدمجة لبرامج الكمبيوتر والأفلام السينمائية والسرقات الإلكترونية عبر شبكة الإنترنت أو باستخدام البطاقات المصرفية (المزورة) بمختلف أنواعها.

·       التزوير بكافة أشكاله وأنواعه (العملات والوثائق والمستندات الرسمية وتأشيرات الدخول… إلخ).
ما حجم هذه الظاهرة؟

أشارت مجموعة حملة العمل المالي الدولية Financial Action Task Force (FATF) وهي منظمة عالمية متخصصة في مجال مكافحة غسل الأموال – إلى ما يتم غسله من الأموال المحصلة من مختلف أنواع الأنشطة والأعمال غير القانونية حول العالم (استناداً إلى تقديرات صندوق النقد الدولي أنها بين 2% - 5% من إجمالي الدخل القومي العالمي) أي يتراوح بصورة تقريبية بين 590 مليار – 1.5 ترليون دولار سنوياً، من واقع إحصائيات عام 1996…

في حين تقدر هيئة الأمم المتحدة حجم الأموال المغسولة بنحو 800 مليار – 1.5 ترليون دولار أمريكي، إذ يعادل هذا المبلغ ضعف الإنتاج النفطي العالمي السنوي تقريباً، كما تقدر نفس الهيئة أن ما يتم غسله من الأموال المكتسبة من التجارة غير المشروعة للمخدرات فقط يبلغ نحو 120 مليار دولار سنوياً.
كيف تغسل الأموال ؟

من الناحية النظرية البحتة فإنه يمكن تقسيم المراحل التي تتم من خلالها عمليات غسل الأموال بصورة عامة إلى 3 مراحل رئيسية:

1 -  مرحلة الإيداع Placement

يتم من خلال هذه المرحلة التخلص من الأموال القذرة التي تكون نقداً في معظم الأحوال، وذلك بإيداعها مجزأة في حسابات بنكية قائمة أو بشراء شيكات سياحية وأوراق مالية ليتم تسييلها في بنوك/ دول أخرى لاحقاً، ويتم في بعض الأحيان استخدام حسابات بنكية لشركات قائمة يكون النقد أحد أدوات تعاملاتها المصرفية الرئيسية وبالتالي لا يلفت النظر إلى هذه الإيداعات، كما يمكن استغلال شركات الصرافة لتحويل النقد إلى عدة عملات أجنبية ثم إيداعها في حسابات مصرفية.. بحيث يتم في نهاية هذه المرحلة تحويل الأموال القذرة من الصورة الملموسة إلى الصورة الرقمية الإلكترونية على هيئة أرصدة حقيقية في حسابات قائمة في المصارف.

2 -  مرحلة التغطية Layering

وتتم هنا عمليات إبعاد متعمدة لهذه الأموال ونقلها إلكترونياً حول العالم (في الغالب إلى الملاذات الآمنة أو الجنات الضريبية التي تطبق قوانين السرية المصرفية بصورة كبيرة) عبر سلسلة متواصلة من التحويلات البرقية والإلكترونية إذ تستخدم القنوات المصرفية العالمية المتاحة، إضافة إلى الحسابات للشركات (الوهمية) والتي لا تمارس أي نشاط اقتصادي حقيقي سوى تلقي التحويلات المالية ثم إعادة إرسالها إلى طرف آخر، بعد تقاضي عمولة محددة، إذ تنتشر مثل هذه الشركات في العديد من المناطق التجارية الحرة حول العالم، كما تعتبر الوحدات المصرفية الخارجية المسماة ببنوك الأوفشور وسائط مثالية لإنجاز الكثير من هذه المعاملات المصرفية وذلك بالنظر إلى ضعف الرقابة الرسمية على مثل هذه المصارف بصورة عامة، وربما لجأ البعض إلى شراء أوعية استثمارية أو أوراق مالية وأسهم وسندات ونحوها خلال هذه المرحلة، ثم إعادة بيعها (بسعر ربما يقل عن سعر الشراء) ثم تحويل القيمة إلى بلد آخر … إلخ.

3 -  مرحلة الدمج Integration

يتم خلال هذه المرحلة (تعتبر الأقل خطراً مقارنة بالمراحل السابقة) استرجاع الأموال أعلاه وإعادة ضخها إلى الاقتصاد المحلي والعالمي كأموال مشروعة وذلك عبر شراء العقارات والأوعية الاستثمارية المختلفة كالفنادق والمرافق السياحية الفاخرة أو الأصول والمعادن الثمينة وبوالص التأمين المختلفة ذات القيمة المرتفعة وتأسيس مشاريع وشركات استثمارية.. إلخ، أي على صورة استثمارات مشروعة (مرحب بها في معظم بلدان العالم خصوصاً النامية منها).

وبهذا تكون قد اختفت بالفعل أي قرينة يمكن أن تقود إلى معرفة الأصل الحقيقي (الإجرامي) لهذه الأموال، وبالتالي أصبح بإمكان المجرمين وشبكات الجريمة المنظمة الاستفادة من هذه الأموال وإعادة تدويرها لصالحهم وبما يخدم استمرار أعمالهم الإجرامية، ودون احتمال لفت النظر إلى أصولها غير القانونية، إذ اختفت تماماً الخيوط التي يمكن أن تؤدي إلى معرفة تلك الأصول.
لماذا تغسل الأموال ؟

إن وجود هذه الأموال (القذرة – المحصلة من مصادر غير مشروعة) بالقرب من مصادرها الأصلية يعتبر شبهة في حد ذاته، كما أنه لا يمكن (في معظم الأحوال) الاستفادة منها بصورة مباشرة وذلك بالنظر إلى احتمال أو إمكانية التعرف على مصادرها غير المشروعة إذا استمر الاحتفاظ بها قريباً منها، مما يدفع بأرباب هذه الجرائم إلى غسل هذه الأموال وذلك بإبعادها عن مصادرها الأصلية وتنفيذ مجموعة من العمليات المصرفية وغير المصرفية بالغة التنوع والتعقيد والتي يتم إجراؤها حول العالم وخصوصاً عبر الدول النامية حيث تضعف الرقابة أو تنعدم القوانين ذات الصلة بمكافحة غسل الأموال، مستفيدين في ذلك من كافة الإمكانات التقنية المتوفرة خاصة المصرفية والتي يمكن من خلالها نقل كميات ضخمة من الأموال حول العالم بسهولة ويسر وخلال دقائق معدودة، عبر أنظمة التحويلات البرقية والإلكترونية المختلفة وبحيث لا تلفت النظر إلى الأصل الإجرامي لهذه النقود، ليتم استرجاعها في نهاية المطاف للاستفادة منها بصورة أموال مشروعة بغرض الاستثمار ونحوه.
أين تتم عمليات غسل الأموال ؟

إن الدول التي لا تطبق أنظمة فاعلة وتطبق أنظمة ضعيفة لمكافحة غسل الأموال، تعتبر بشكل عام ملجأ طبيعياً لإتمام المراحل الرئيسية لعمليات غسل الأموال، كما أنه ليس من المبالغة القول بأن معظم قطاعات الأعمال معرضة – من حيث المبدأ – إلى الاستغلال من قبل عصابات الجريمة المنظمة وخصوصاً غاسلي الأموال، بهدف إدخال هذه الأموال (القذرة) ضمن الأموال الخاصة بمختلف المؤسسات التجارية والمالية، بهدف إضفاء شيء من الشرعية عليها، وذلك للتمويه على أصولها غير القانونية (الإجرامية).

وتبرز قطاعات الأعمال التالية كوجهة مفضلة للاستهداف من قبل عصابات غسل الأموال:

*  المصارف (البنوك) وشركات الصرافة.

*  شركات التأمين بمختلف أنواعها وخصوصاً بوالص التأمين على الحياة والتي يلجأ لشرائها غاسلو الأموال كنوع من الادخار والضمان القابل للتسييل فيما بعد.

  الكازينوهات والملاهي الليلية ونوادي القمار.. بما توفره من غطاء للثروة المفاجئة ومن تداول النقد بصورة كبيرة دون حرج، مما استدعى المشروع الأمريكي إلى اعتبار الكازينوهات "مؤسسات مالية" تخضع لنفس القوانين الخاصة بتلك المؤسسات.

*  أسواق الأسهم والسندات (الأسواق المالية).. إذ يتم اللجوء إليها ضمن بعض مراحل عمليات غسل الأموال كأحد المنافذ المأمونة للتخلص من النقد المتجمع لدى هذه العصابات، ليصار للتسييل بعد ذلك بما يفيد أن الأموال المسيلة هي نتاج عمليات بيع حقيقية لأسهم وسندات شركات.

*  بيع وشراء العقارات.. وذلك بالنظر إلى القيمة المرتفعة (في العادة) للعقارات التي يتم شراؤها وبيعها باستخدام الأموال المراد غسلها، إذ لا يتم السؤال في العادة عن مصدر هذه الأموال، إنما يُكتفى بقبولها ثمناً مشروعاً للعقار تمهيداً لبيعه فيما بعد، ليتوفر الغطاء المناسب لهذه الأموال على أنها ناتجة عن عملية بيع عقار ونحوه.

*  تجارة المعادن الثمينة كالذهب والألماس والأشياء الأخرى ذات القيمة المرتفعة كاللوحات الفنية والآثار النادرة.. وخصوصاً الذهب بالنظر إلى كونه الأكثر قبولاً في العالم، مع إمكانية أن يستبدل به النقد دون خسارة كبيرة.

إلا أن هناك بعض قطاعات الأعمال مفضلة أكثر من غيرها لتمرير مختلف مراحل عمليات غسل الأموال، وذلك بالنظر إلى ما توفره من وسائل ميسرة لنقل الأموال وتحريكها بأمان من مكان لآخر حول العالم.

ومن هذه القطاعات المفضلة يبرز القطاع المالي سواء المصارف أو شركات التأمين وشركات الصرافة وأسواق الأوراق المالية، كقطاعات مفضلة ولا غنى عنها (تقريباً) لإتمام هذه العمليات المشبوهة، وإن كانت المصارف تعتبر الأكثر تفضيلاً في هذا السياق.
الآثار السلبية على الفرد والمجتمع ؟

إن نجاح عمليات غسل الأموال، واستكمال مراحلها المختلفة، مع عدم تمكن السلطات المعنية من اعتراضها أو إيقافها والقبض على مرتكبيها ومصادرة المضبوطات… يعني باختصار تمكن المجرمين وعصابات الجريمة المنظمة من قطف ثمار جرائمهم واستفادتهم بصورة (تبدو مشروعة) من هذه الثمار، مما يعني استمراراً للجريمة بشتى أنواعها وأشكالها، وازدياداً مضطرداً في الانحراف عن القانون والقيم والمثل العليا، مما ينجم عنه تداعيات وأضرار شاملة على الاقتصاديات الوطنية والعالمية، وجملة من الآثار السلبية التي يتأثر بها الفرد والمجتمع والنظام العام محلياً وعالمياً، نوجز بعضها فيما يلي:

1 -  تؤدي إلى انتشار الفساد والجرائم بمختلف أنواعها، وذلك بالنظر إلى تمكن المجرمين من الاستفادة من عوائد جرائمهم، مما يدفع باتجاه المزيد من هذه الجرائم وانعكاساتها السلبية، وبالتالي شيوعاً للجريمة والفوضى في المجتمع، دون التمكن من الوصول إلى الأصابع الخفية التي تقف وراءها.

2 -  استنزاف موارد الدولة في التصدي للجريمة وتعقب المجرمين وإعادة تأهيل وعلاج ضحاياهم أو التائبين منهم.. إلخ، وكذلك الاستنزاف المستمر للجهد البشري والمفترض أن يذهب إلى التنمية والتقدم والتطور بدلاً من أن يقع ضحية الأعمال الإجرامية المختلفة وتأثيراتها السلبية المختلفة على الفرد والأسرة والمجتمع (البطالة/ الإدمان/ التفكك الأسري/ الشذوذ… إلخ).

3 -  تحفيز إنشاء المؤسسات التجارية الوهمية، والتي لا تكون لها أي جدوى اقتصادية، ولا تزاول أي نشاط تجاري حقيقي، إنما تستغل كيانها المعنوي وحقها في فتح وإدارة الحسابات المصرفية المختلفة، لاستقبال وإرسال الحوالات وإجراء العديد من المعاملات (التجارية والمصرفية) الوهمية دون مبرر.

4 -  تشويه سمعة المؤسسات المصرفية التي تمر من خلالها معظم مراحل هذه العمليات المشبوهة، مما يسيء بشكل مباشر إلى سمعة متعامليها والعاملين فيها وربما دفع المتعاملين الشرفاء وهم كثير إلى سحب أرصدتهم واستثماراتهم لدى علمهم أن هذه المصارف تمر من خلالها بعض العمليات المشبوهة أو أنها توفر ملاذاً آمناً للأموال المحصلة بطرق غير مشروعة، مما قد ينجم عنه مشكلة سيولة ونحوه ربما ينتهي الأمر بانهيار هذه البنوك والمصارف، بالإضافة إلى اضطراب النشاط المصرفي الذي يشكل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني.

5 -  تشويه سمعة الدول التي تمر عبرها هذه الأموال غير النظيفة بهدف إضفاء شيء من الشرعية عليها، مما يؤثر سلباً على سمعة هذه الدول في المحافل العالمية وخصوصاً الاقتصادية، ويؤثر سلباً على حجم المساعدات والاستثمارات السليمة المتوقع ورودها إلى هذه الدول، وهذا بدوره يؤدي إلى انخفاض الدخل القومي والمستوى المعيشي العام لمواطنيها.

6 -  تشويه وتخريب الاقتصاد بإبعاد عنصري الربح والمنافسة في قيادة السوق، وإفساح المجال للشركات والمؤسسات الوهمية التي تقدم خدماتها وبضائعها بسعر أقل من سعر السوق، ومن ثم تؤدي في نهاية الأمر إلى إخراج المؤسسات التجارية الشرعية من السوق بسبب عدم قدرة الأخيرة على المنافسة، مما يؤدي إلى فوضى حقيقية تتمثل في إعادة توزيع الدخل بطرق غير عادلة وجائرة.

7 -  تؤدي إلى اضطراب القيم وخلخلة الموازين الاجتماعية وهدم الموروث الثقافي والعقدي للمجتمع وذلك نتيجة سعود أرباب الجريمة المنظمة وأصحاب الدخل غير المشروع إلى قمة الهرم الاجتماعي والسياسي خاصة في المجتمعات الرأسمالية وذلك بالنظر إلى الثروة الكبيرة التي بحوزتهم والتي كونوها بطرق غير مشروعة، مما يمكنهم من تشويه النظام الديمقراطي بشراء الأصوات والذمم وتمويل الحملات الانتخابية للمرشحين الموالين لهم في مختلف المستويات النقابية والسياسية.. إلخ، بحيث يصبح بمقدورهم بعد ذلك تغيير القوانين والأعراف والنظم السارية إلى الاتجاه الذي يخدم مصالحهم واستمرار أعمالهم غير المشروعة، وحمايتهم من الملاحظة والمساءلة.

8 -  تقود إلى اضطراب أسواق الأوراق المالية وأسعار صرف العملية وأسعار الأسهم.. وذلك بالنظر إلى أن المعاملات التي تتم بيعاً وشراءً لا علاقة لها بمبدأ العرض والطلب أو الجدوى الاقتصادية واقتصاد السوق والقيمة الحقيقية أو الفعلية للأسهم والسندات، إنما هي مجرد عمليات عبثية لا فائدة منها سوى إنشاء مزيد من الطبقات وتغيير طبيعة الأموال المستخدمة، وصولاً إلى مزيد من التمويه على الأصل الإجرامي لها، مما يؤدي إلى فقدان الثقة باقتصاد البلد، وذلك بالنظر إلى أن هذا الاقتصاد أصبح رهناً بمضاربات أرباب الجريمة المنظمة.
الموقف الشرعي من عمليات غسل الأموال:

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:

"إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس؛ فهمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". متفق عليه.

غني عن القول أن شريعتنا الإسلامية الغراء التي تحل الطيبات وتحرم الخبائث، تحرم عمليات غسل الأموال جملة وتفصيلاً، كما أن التحريم يسبق ذلك ليصل إلى مختلف الجرائم والأعمال غير القانونية وغير المشروعة كتجارة المخدرات والدعارة والتزوير والسرقة.. إلخ، والتي تولد مثل هذه الأموال القذرة والمراد غسلها أو تنظيفها، إذ نص على ذلك الكثير من آيات الذكر الحكيم ونصوص السنة النبوية المطهرة وسيرة السلف الصالح، وأوضحت فتاوى العلماء المعاصرين العقوبات التي ينبغي تطبيقها على المتورطين في مثل هذه الأعمال..

إن ما كان أصله حراماً لا ينقلب حلالاً أبداً مهما تغيرت طبيعته أو مكان تواجده، ولذلك فإن هذه العمليات المشبوهة التي تهدف إلى إضفاء شيء من المشروعية الظاهرة على الأموال القذرة والمحصلة من أعمال وأنشطة غير أخلاقية وغير قانونية.. لا تغير شيئاً من واقع الحال، فالأصل كان ولا يزال حراماً في حرام.

إن شريعتنا الخالدة تحث على الكسب الحلال وتبارك الجهد البشري المثمر والمجدي في إعمار الأرض والاستفادة من ثرواتها بما يعود بالنفع على الناس، وتحرم الكسب الحرام وتنبذ مرتكبيه وتتوعدهم بالعقوبة إن عاجلاً وإن آجلاً، ولا تقبل توبتهم ما لم يعيدوا الحقوق إلى أصحابها الشرعيين، وهذا ما يجعل المجتمعات الإسلامية عموماً من أقل المجتمعات (نسبياً) توليداً للأموال القذرة المراد غسلها خصوصاً تلك الناتجة عن التجارة غير المشروعة للمخدرات أو الدعارة وتجارة الرقيق الأبيض.

إلا أن ذلك لا يعني أن مجتمعاتنا الإسلامية – خصوصاً بما تتميز به من موقع جغرافي متوسط وعوامل جذب عديدة – غير معرضة للاستهداف من قبل عصابات غسل الأموال، فنحن نعيش على كوكب واحد في غاية الترابط وإن بعدت المسافات وتعددت اللغات واللهجات والأديان، وتشكل المجتمعات المسلمة ما نسبته خمس السكان تقريباً، كما أن هذا النوع من الجرائم العابر للقارات لا يعترف بالحدود الجغرافية أو السيادة الإقليمية أو القيم والمبادئ الرفيعة.. إلخ.

ولعل من واجبنا نحن المسلمين، أداء للأمانة التي في أعناقنا، أن نستمسك أولاً بحبل هذا الدين المتين وألا نحيد عن الصراط المستقيم الذي رسمه لنا رب العالمين في كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ثم ثانياً أن ننقل شيئاً من هذا الخير العميم الذي تفيض به شريعتنا السمحاء، إلى كافة أمم وشعوب الأرض، إذ جاءت الشريعة الإسلامية رحمة وهدى للعالمين، ولم تقتصر على جنس دون آخر، وبالتالي تسعد البشرية حاضراً ومستقبلاً، وترتقي إلى القمة السامقة التي أرادها الله لها، حين تسير على هدى ربها وخالقها مسترشدة بتعاليم السماء، فينتصر الخير ويعلو صوت الحق في هذه المعركة المستمرة منذ البداية، وينهزم الشر ويخبو صوت الباطل، إن الباطل كان زهوقاً، فهل نحن فاعلون؟
ما هو القانون رقم 35/2002

أصدر مجلس الأمة الكويتي قانون رقم 35/2002 في شأن مكافحة غسيل الأموال وذلك في 26/3/2002.

مادة (1): عمليات غسيل الأموال هي عملية أو مجموعة من عمليات مالية أو غير مالية تهدف إلى إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال أو عائدات أي جريمة وإظهارها في صورة أموال أو عائدات محصلة من مصدر مشروع. ويعتبر من قبيل هذه العمليات كل فعل يساهم في عملية توظيف أو تحويل أموال أو عائدات ناتجة بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن جريمة أو إخفاء أو تمويه مصدرها.

مادة (2): يعد مرتكباً لجريمة غسيل الأموال كل من ارتكب أحد الأفعال التالية أو شرع في ارتكابها:

1 -  إجراء عملية غسيل لأموال مع العلم بأنها متحصل عليها من جريمة أو متحصل عليها من فعل من أفعال الاشتراك فيها.

2 -  نقل أو تحويل أو حيازة أو إحراز أو استخدام أو احتفاظ أو تلقي أموال مع العلم بأنها متحصل عليها من جريمة أو متحصل عليها من فعل الاشتراك فيها.

3 -  إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال أو مصدرها أو مكانها أو طريقة التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها أو ملكيتها مع العلم بأنها متحصل عليها من جريمة أو متحصل عليها من فعل من أفعال الاشتراك فيها.

مجلة النور / العدد (230) جمادى الأولى 1425هـ.

زهير سعيد الربيعي