عصر البنوك الإسلامية

مقابلة مع إبراهيم الشامسي

عصر البنوك الإسلامية.. عبد الرحمن إسماعيل
مقابلة مع إبراهيم الشامسي عن http://saneoualhadath.naseej.com/
حتى أوائل الثمانينات كان عدد المصارف الإسلامية في المنطقة محدوداً للغاية, وكانت الفكرة وقتها تواجه معارضة شديدة من جانب العديد من الاقتصاديين، الذين استفزتهم وقتها فكرة ما سمي بـ "شركات توظيف الأموال" التي انتشرت خصوصاً في مصر بشكل لافت للنظر, واستغلت الوازع الديني لدى شريحة كبيرة من الراغبين في عدم التعامل مع البنوك التقليدية، أو ما يسمى بالربوية, ونجحت هذه الشركات في جمع إيداعات خيالية من المودعين، في وقت فشلت فيه البنوك التقليدية الضخمة.
ووجهت لهذه الشركات، تحت دعاوى مختلفة، ضربات إجهاضية أدت إلى تصفيتها، في وقت لا يزال ضحاياها حتى الآن، ورغم مرور أكثر من 15 عاماً، عاجزين عن استرداد ودائعهم, وبدءاً من أوائل التسعينات عادت فكرة البنوك الإسلامية للظهور وبقوة, ونجحت عبر عقدين من الزمن، رغم الصعاب التي واجهتها، في كسب ثقة المتعاملين، وباتت منافساً قوياً للبنوك التقليدية، بل إنها تجاوزت حدود العالم الإسلامي إلى التواجد في الدول غير الإسلامية خصوصا في أوروبا.
وحسب الإحصائيات هناك 300 مؤسسة تمويل إسلامية، يبلغ رأسمالها مجتمعة 13 مليار دولار، وتقف أصولها حالياً عند حد 265 مليار دولار، باستثمارات تتجاوز 400 مليار دولار، أما الإيداعات فتقدر حالياً بنحو 202 مليار دولار، بمعدل نمو يصل إلى 20 في المئة.
أما بالنسبة للمحافظ، فقد قدر في تقرير حديث أن هناك 250 محفظة مشتركة إسلامية في العالم، تقدر قيمة موجوداتها بـ 300 مليار دولار، بينما توجد 300 مؤسسة مالية إسلامية أخرى لديها موجودات حجمها 250 مليار دولار.
وتكاد تكون الإمارات البلد الثاني في الخليج، بعد البحرين، الذي يحتضن عدداً لا بأس به من البنوك الإسلامية، خصوصاً وأن الإمارات شهدت مولد أول بنك إسلامي في العالم "بنك دبي الإسلامي الذي تأسس منتصف السبعينات على يد الحاج سعيد لوتاه" ويعمل حالياً في القطاع المصرفي 4 بنوك إسلامية "دبي الإسلامي, أبوظبي الإسلامي, الشارقة الإسلامي, الإمارات الإسلامي، الأول والثاني تأسسا منذ البداية كمصارف إسلامية، في حين تحول الثالث والرابع من بنوك تقليدية إلى إسلامية".
لكن اللافت للنظر أن الفترة الأخيرة شهدت رغبة محمومة من قبل عدد من البنوك التقليدية وشركات التمويل للتحول إلى الصيرفة الإسلامية، حيث أعلن عن تحول كل من البنك التجاري الدولي، وبنك دبي، وشركة أملاك، إلى بنوك إسلامية، كما تقدمت بنوك تقليدية، منها الاتحاد الوطني، والمشرق، والخليج الأول، بطلبات للمصرف المركزي، إما لفتح فروع للمعاملات الإسلامية، أو لتأسيس شركات تمويل إسلامية، وكان قد سبق الجميع بنوك أجنبية افتتحت بالفعل فروعاً لمعاملات إسلامية مثل "أمانة" التابع لمجموعة "إتش إس بي سي" البريطانية, ومجموعة سيتي بنك.
زيادة البنوك الاسلامية

وخلال السنوات الأخيرة زادت البنوك الإسلامية من حجم تمويلاتها المصرفية، وإن استحوذ قطاع العقار بالتحديد على نصيب الأسد من حجم التمويلات الإسلامية، كما لجأت العديد من الشركات والدوائر الحكومية إلى البنوك الإسلامية للحصول على تمويلات بدلاً من اللجوء إلى الاقتراض من البنوك التقليدية، حيث أطلق بنك دبي الإسلامي أكبر حملة صكوك إسلامية لصالح دائرة الطيران المدني في دبي، لتمويل توسعة مطار دبي الدولي، كما فضلت شركة دبي للاستثمار اللجوء إلى البنوك الإسلامية عبر إطلاق صكوك بقيمة 200 مليون درهم لتمويل توسعة مجمع دبي للاستثمار.
ويثير ذلك العديد من علامات الاستفهام منها: هل هذه الرغبة المحمومة للتحول إلى بنوك إسلامية هي استغلال لعاطفة أو لوازع ديني لدى شريحة آخذة في الكبر والاتساع من المتعاملين الراغبين في عدم التعامل مع ما يسمى بالبنوك الربوية، أم أنها تلبية لطلب متنامٍ على المنتجات الإسلامية، بعد أكثر من عقدين نجحت فيها البنوك الإسلامية في اكتساب ثقة المتعاملين؟ وهل ينبغي إصدار تشريعات تحكم عمل البنوك الإسلامية حسبما ينادي خبراؤها، حيث تطبق البنوك المركزية عليها نفس التشريعات والقوانين التي تحكم عمل البنوك التقليدية؟ وهل الدافع الحقيقي كما يقال أن الرقابة المصرفية على المصارف الإسلامية تختلف اختلافاً كبيراً عن البنوك التقليدية، وأن الرقابة عليها ليست بنفس الصرامة المطبقة على الأخرى؟.
الشامسى: البنوك الاسلامية لا علاقة لها بالعاطفة

إبراهيم الشامسي، الرئيس التنفيذي لمصرف الإمارات الإسلامي، يرفض القول بأن نشأة البنوك الإسلامية تأتي استغلالاً لعاطفة دينية متسائلاً: وما هو الدافع الذي يجعل دولاً غير إسلامية مثل سنغافورة تسمح بالمعاملات الإسلامية؟ وما الذي يجعل مدينة ألمانية تصدر صكوكاً إسلامية؟
من هذا المنطلق يمكن القول بأن الصيرفة الإسلامية تسجل بالفعل منذ سنوات معدلات نمو مرتفعة، في ضوء تنوع منتجاتها التي تلبي احتياجات العملاء، خصوصاً وأنها تمتلك عدداً كبيراً من المنتجات التي تستخدمها حسب ظروف الاقتصاد.
ثمة عامل آخر في الطلب المتنامي على البنوك الإسلامية، والذي يدفع حتى البنوك التقليدية لفتح فروع للمعاملات الإسلامية، يتمثل في أن البنوك الإسلامية نجحت في أن تعطي عوائد أكبر على عوائد العملاء مقارنة بما تعطيه البنوك التقليدية, وعملاؤنا على سبيل المثال في بنك الإمارات الإسلامي خليط ممن يتعاملون مع بنوك إسلامية وتقليدية, وهناك من يأتي للتعامل معنا لوازع ديني فقط، كما هو في غالبية البنوك الإسلامية الأخرى، وهؤلاء يشكلون نحو 30 في المئة، لكن هناك من يأتي بهدف الحصول على خدمات مصرفية متنوعة وذات جودة عالية قد لا يجدها في البنوك التقليدية.
والمؤكد، كما يقول الشامسي، أن إقدام البنوك التقليدية على تأسيس شركات تمويل إسلامية، أو فتح فروع، دليل على نجاح فكرة البنوك الإسلامية، ووجود شغف للتعامل مع النظام المصرفي الإسلامي، خصوصاً وأن معدل النمو السنوي في البنوك الإسلامية أعلى من نظيره في التقليدية، وهو ما يشير إلى وجود طلب متنام على المنتجات المصرفية الإسلامية.
البنوك التقليدية تتحول إلى النظام المصرفي الاسلامي

وعلى الرغم من عدم وجود سبب جوهري معلن وراء تحول العديد من البنوك التقليدية في الإمارات إلى النظام المصرفي الإسلامي، إلا أن الشامسي يرجع الدافع إلى ضعف هذه البنوك في السوق المصرفية، وعجزها عن المنافسة، وإن قال "بغض النظر عن دوافع التحول، فإنه قرار صائب ومفيد من منطلق أن الصيرفة الإسلامية تنتشر بشكل سريع، وأثبتت نجاحها في الأسواق، إضافة إلى أن قرار التحول يرجع إلى المساهمين وإدارة البنك، ففي حال وجدوا أن النشاط المصرفي التقليدي غير مربح، وأن التحول للنظام الإسلامي سيكون ذا جدوى، فهذا قرار سليم، إلى جانب أن قرار التحول عادة يأتي بعد دراسة متعمقة للسوق، بالتأكيد من نتائجها أن المعاملات الإسلامية تنتشر بسرعة وهو ما يدفع مثل هذه البنوك لاتخاذ قرار بالتحول.
"نحن نرحب بتحول أي بنك من تقليدي إلى بنك إسلامي، لأن التنافس مقبل، إن لم يكن من الداخل فسيكون من الخارج، لأن التنافس سيثري العمل المصرفي، فهو غير قاصر على المسلمين فقط، بل على جميع الطوائف وبلدان العالم، إضافة إلى أن التنافس سيحسن من وضع البنوك الإسلامية ويساعدها على الانتشار عالمياً، خصوصاً وأننا لا نريد المنافسة في عقر دارنا، بل لتكن المنافسة على مستوى عالمي، وحتى يتحقق هذا يجب أن نكون على درجة عالمية من الكفاءة والمستوى الجيد.
الدول غير الاسلامية هي الأكثر حاجة

غير أن د. محمد إبراهيم رابوي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الإمارات، يفرق بين دوافع التحول بين البنك التقليدي الراغب في فتح فرع للمعاملات الإسلامية ومتواجد في بلد إسلامي، وبين آخر متواجد في بلد غير إسلامي ونظامه مختلف وقد لا يسمح بتواجد بنوك إسلامية.. يقول: الدول غير الإسلامية هي الأكثر حاجة لفتح فروع لبنوك إسلامية، بسبب وجود جاليات إسلامية تحتاج إلى خدمات مصرفية إسلامية، وهذا القسم يمثل منفذاً لها. ولكن في حال الدول الإسلامية التي تسمح بفتح فرع إسلامي، أجد أن هذا الفرع ليس له ما يبرره، فإما أن يتحول البنك إلى إسلامي بشكل كامل، أو أن يبقى مصرفاً تقليدياً كما هو، ذلك أن الدافع لفتح مثل هذه الفروع ليس دافعاً دينياً بقدر ما هو فتح مجال أوسع للعمل والاستفادة بما هو مسموح من خدمات البنوك الإسلامية، والتي هي أكثر مما يسمح به في البنوك التقليدية، ويعتبر ذلك فاتحة خير وتمهيداً لتطور ونمو المصارف الإسلامية.
ويضيف د. رابوي "البنوك الإسلامية الآن مصنفة نفسها كبنوك تجارية، وهذا وارد في الرخصة الممنوحة لها، وعندما يفتح بنك إسلامي في أي دولة فيصنف ويطبق عليه قانون البلد المرخص له، وقوانين المصارف المركزية، كما هو معروف في كافة بلدان العالم، أنها تلزم البنوك بضمان الوديعة وضمان الفوائد، ومن هنا تنبع المخاطر، فالعميل لا ينظر نظرة كلية ولكنه ينظر للمخاطر المترتبة عليه.
وبشكل عام ندرك أن نمو البنوك الإسلامية نمو جيد من الناحيتين الكمية والنوعية، إلا أن ما يثار أن أرباح البنوك الإسلامية أكثر من أرباح البنوك التقليدية، فهذا ليس دائماً، فهناك بنوك تجارية تحقق نسب ربح عالية.
التزام بالمعايير العالمية

ويضيف: إن البنوك الإسلامية ملتزمة بالمعايير العالمية والمحلية من قبل المصرف المركزي، رغم أنه يجب أن يكون لها نهج محاسبي مختلف، وذلك لأن الخصوم في المصارف الإسلامية ليست خصوماً، لأنها ليست التزامات، بل شراكة بين البنك والمودعين، غير أن المصرف المركزي يلزم البنك بتصنيفها كخصوم.
ومن هذا المنطلق تعتبر التشريعات والقوانين المصرفية واحدة من القضايا المثيرة للجدل دوماً، ففي حين تطبق البنوك المركزية عليها نفس القوانين التي تطبقها على البنوك التقليدية، يرى المصرفيون الإسلاميون أن طبيعة عمل البنوك الإسلامية مختلفة تماماً عن التقليدية، وتحتاج إلى تشريعات وقوانين تتلاءم مع طبيعة عملها، وهو ما يدعو إليه الشامسي: "نحن نطالب بوضع صيغ مختلفة تتلاءم وطبيعة عمل المصارف الإسلامية، خصوصاً وأن عددها في الإمارات يتزايد مع رغبة عدد ليس بالقليل من البنوك التقليدية للتحول". إضافة إلى حتمية الفصل في الرقابة بين النوعين من البنوك، ويساعد هذا الفصل كثيراً البنوك على تحقيق مبتغاها، فالبنوك التقليدية والإسلامية تتفق في حدود 801 في المئة في طبيعة العمل، إلا أن الـ 20 في المئة تتطلب خصوصية في الرقابة والقوانين، وهذا النظام معمول به في البحرين وفي ماليزيا، حيث نظام الفصل في الرقابة واضح.
ثمة اختلاف آخر يتمثل في الإجراءات المتبعة، ففي حالة البنوك الإسلامية تختلف إجراءات توقيع قرض بسيط عن إجراءات مشاركة أو مضاربة، لما تعنيه من مخاطر تستدعي الدقة والدراسة والجدوى والجدية لدى صاحب العمل، ولكن البنك التقليدي كل ما يحتاجه هو الضمان فقط، ولهذا السبب تعد قضية التشريعات والقوانين الخاصة بعمل البنوك الإسلامية واحدة من القضايا المهمة التي يتعين على المصارف المركزية أخذها بعين الاعتبار