صناديق التحوط الإسلامية تتحول نموذجا لصناعة التمويل الإسلامي

Banker Middle East

صناديق التحوط الإسلامية تتحول نموذجا لصناعة التمويل الإسلامي
    Al Qabas - 23/10/2005
 
تعتبر مجلة بانكر ميدل ايست Banker Middle East اول المجلات الشهرية التي تخدم الصناعة والاسواق المصرفية في الشرق الاوسط. ومنذ انطلاقتها الاولى في عام 2000، عرفت بانكر ميدل ايست بأنها صوت الصناعة المصرفية، وتهدف من خلال جهودها الرامية الى ان تكون المصدر المفوض والموثوق للمعلومات حول هذه الصناعة التي تشهد تغيرا مضطردا. ولا تعنى المجلة بالصناعة المصرفية وحسب بل بأنشطة المصرفيين وحياتهم، كما تتناول شؤون العمل المصرفي الاسلامي وانتشاره الواسع على الصعيد العالمي مع تسليط الضوء على المنتجات المصرفية الاسلامية التي اخذت تستقطب اهتمام المودعين والمستثمرين ليس في دول العالم الاسلامي فحسب بل في مختلف بلدان العالم.

ففي عددها الصادر في سبتمبر، نشرت مجلة بانكر ميدل ايست تقريرا اعده المستشار في التمويل الاسلامي ميشيل صالح غاسنر، تطرق فيه الى تاريخ صناديق التحوط الاسلامية. ويقول الباحث ان هذه الصناديق اصبحت خلال السنوات الخمس الماضية نموذجا لصناعة التمويل الاسلامي منذ ان بدات الاسواق المالية التقليدية تشهد تراجعا في ادائها.

ويضيف ان صناديق التحوط استحدثت في الاساس عام 1949 من قبل الفرد وينسلو جونز، وهو صحافي وعالم اجتماع، وذلك اثناء ابحاثه لاعداد مقالة حول احدث الوسائل المستخدمة في تحليل اداء الاسواق المالية والتنبؤ بتطوراتها لحساب مجلة فورتشن. وقد ظن انه يستطيع ان يقوم بعمل يتفوق فيه على المحترفين في ذلك الوقت، وتمكن من جمع 100 الف دولار ليبدا ما يطلق عليه اليوم صندوق التحوط.

استراتيجية الشراء والبيع

وكانت استراتيجية جونز تقوم على شراء الاسهم التي يتوقع ان ترتفع اسعارها ويحتفظ بها حتى يبيعها بربح مجز، وبيع الاسهم التي يعتقد ان اسعارها ستؤول الى التراجع. وعلى رأس قائمة الاموال التي جمعها، كان يستخدم الاموال المقترضة من الغير في رفع معدل العائد على الاستثمار وذلك عن طريق تشغيل تلك الاموال المقترضة في ادوات تدر عادات اعلى من الفائدة التي يدفعها عن الاموال المقترضة، وقد ظلت هذه من السمات المميزة لأنظمة صناديق التحوط الحديثة في الوقت الحاضر.

والى جانب التمويل الاسلامي، فقد اصبحت صناديق التحوط تمثل القطاع الذي يستاثر بالنمو في الصناعة المالية. وهناك في الوقت الحاضر اكثر من 8 الاف صندوق ومزود لمثل هذه الصناديق تحقق نتائج باهرة، وتعرض برامج توفر ضمانات من المخاطر افضل مما توفره فئات اخرى من الموجودات كالعقارات مثلا او صناديق الاستثمار المشتركة التي تعتمد الاستراتيجية طويلة الامد، وكثير من الاستثمارات الاخرى. وتقوم نظرية اسواق راس المال على ان الاستراتيجيات طويلة / قصيرة الاجل قد تؤدي الى الغاء او تقليص ما يسمى بمخاطر السوق، وتوفر عوائد مطلقة اعتمادا على النجاح في الاختيار، وبالاستقلالية عن اتجاهات السوق.

مخاطر اتجاهات السوق

يعرف المختصون مخاطر السوق بأنها كيفية اتباع الاسهم للاتجاهات العامة للسوق بالرغم من انجازات معينة قد تحققها شركة ما. اما صناديق التحوط فقد ذهبت الى ابعد من الاستراتيجية طويلة/ قصيرة الاجل متخذة استراتيجيات اخرى للتعرف على الحالات غير السوية التي يتعرض لها السوق، وذلك من خلال تعريفها بأنها الصناديق غير المنظمة للمستثمرين ذوي الحصافة والقرارات الرشيدة. وتعتبر كل استراتيجية من الناحية العملية، بمثابة منتج مالي مستقل، ومن الخطأ دمجها جميعا تحت مظلة اصطلاح صندوق تحوط. ويستثمر الكثيرون في الاسهم، وبعضهم في الادوات الاستثمارية ذات الدخل الثابت في الاسواق الناشئة، ويبلغ عدد الاستراتيجيات الاجمالي اكثر من اثنتي عشرة، ومن بينها يمكن اتباع استراتيجيات قليلة المخاطر واخرى عالية المخاطر - التحوط والتوسع. ومن الافضل الا تعتبر جميعا موجودات من فئة واحدة او في تصنيف واحد.

هذا الامر يثير سؤالا حول ما اذ كان ثمة صناديق تحوط في التمويل الاسلامي، ويجب النظر الى هذا السؤال من زوايا مختلفة، كوجهة نظر الشريعة الاسلامية، ووجهة نظر المستثمرين المحتملين واحتياجاتهم، فضلا عن نوعية الخدمة المعروضة.

حكم الشريعة

ان اراء الشريعة في كثير من الاستراتيجيات مباشرة وبسيطة الا وهي التحريم. فالمستثمرون المسلمون الذين يتبعون القواعد الشرعية لن يتوجهوا الى صناديق التحوط التي تنخرط في القطاعات التقليدية ذات العائد الثابت، والتي يصاحبها في العادة عمليات الرفع المالي التقليدي - الاقتراض لاغراض الاستثمار- بدون غربلة النشاطات التي يتم القيام بها لاختيار الصالح منها. ولكن هل هناك من طريقة للبداية على غرار ما بدأت به صناعة صناديق التحوط، مع استراتيجية بسيطة طويلة او قصيرة الاجل ؟

اولا وقبل كل شيءيجب على المستثمر ان يقرر ما اذا كانت الاسهم التقليدية تتماشى مع استراتيجيته الاستثمارية. فمنذ عام 1999، اصبحت هناك قواعد مقبولة حول مستويات الديون ودخل الفائدة وانشطة الصناعة التي يمكن للمستثمر ان يشغل امواله فيها. ان مؤشر داو جونز الاسلامي يستخدم معايير المسح او الغربلة على نحو ما تفعل غالبية صناديق الاستثمار المشتركة الاسلامية في اسواق المال. وعلى اية حال، فليس كل علماء الشريعة يتفقون على التسويات الوسط، مع الاخذ في الاعتبار الوقت والظروف فيما يتعلق بمستويات الديون ودخل الفائدة. وعلى كل مستثمر ان يحدد من جهته المراكز التي يختارها، وما زال الكثيرون يشعرون بعدم الارتياح ازاء مناقشة مسألة ما اذا كان الاستثمار في الاسهم مشابها للمقامرة، وما اذا كان علماء الشريعة يقرونه او يرفضونه. فاذا كان الرد ايجابيا فيما يتلعق بالاسهم، فإن مسألة بيع الاسهم غير المملوكة للبائع تطفو على السطح.

لا تبع ما لا تملك

ان عملية البيع التقليدية على المكشوف تتمثل في بيع سهم تدين به للغير، وهي مسألة قد تنطوي على مخالفة للقواعد الاسلامية العامة التي تقضي بـ «لا تبع ما لا تملك «غير انه في قانون التعاقد الاسلامي هناك احدى التعاملات التي يطلق عليها اسم «سلام»، التي تعود بنتيجة اقتصادية مشابهة. وقد استخدمت هذه على سبيل المثال لبيع محصول القمح في تاريخ لاحق مقابل دفع الثمن في الحال. وكاستثناء من القاعدة العامة، فإنها تخضع لشروط معينة وافق علماء الشريعة على تطبيقها اذا ما تم تعديل العقود والمستندات على نحو سليم. وتحدد معاملة سلام السعر الذي اتقاضاه مثلا ثمنا للقمح - لنقل 100 وحدة مثلا - حيث اقبضه اليوم، ويمكن ان اشتري السلعة في غضون ثلاثة اشهر بسعر 90 وحدة اذا ما تراجعت الاسعار، واحقق بذلك ربحا قدره 10 وحدات. ولكن اذا ما ارتفعت الاسعار، فربما امنى بالخسارة.

ومن اجل الابتعاد عن المخاطرة وتحقيق العائد المستهدف، تستخدم صناديق التحوط في العادة وسائل الرفع المالي، أي الاقتراض من السماسرة. على ان الاموال لا يجوز قبولها باموال. اما الطريقة التي تطبقها صناديق التحوط الاسلامية في هذا الشأن فتتمثل في عقود المرابحة بالنسبة للمراكز الطويلة، والتي تعتبر على الصعيد الاقتصادي نسخة من تسهيلات الهامش التقليدية. وتتم تصفية عقد المرابحة بخسارة اذا ما تراجع السعر الى ما دون المستوى الذي يضمن الحماية للبنك. فليست ثمة فترة انتظار، حيث يتم استخدام الاسهم كضمان على الفور.

اما الرفع المالي بالنسبة للمركز القصير فهي اكثر دقة، حيث تشترط عقود السلام ان يتم دفع المبلغ فورا، وبالتالي فلا يتم الرفع المالي، ولا يستنسخ المركز القصير على نحو ما يتم بالنسبة لصناديق التحوط التقليدية. ويستمد صندوق اريك ماير من الشريعة عقد العربون، الذي يمكن ترجمته الى «الدفعة الاولى». يدفع المشتري 10 % من ثمن السهم كدفعة اولى، واذا ما تراجع سعر السهم في المستقبل دون 90 % من سعره في تاريخ اتمام العملية، فإن المشتري سيبتاع الاسهم من السوق بسعر ارخص، وتبقى دفعة الـ 10 % التي دفعها في حوزة البائع. اما اذا ارتفع سعر السهم، فإن على البائع ان يشتري السهم بسعر اعلى ويتكبد الخسارة. وتختلف اراء الفقهاء حول تفسير عقود العربون فمنهم من يجيزها ومنهم من يحرمها، استنادا الى احاديث نبوية. ففي حين يجيز المذهب الحنبلي بشكل عام هذه العقود، فإن المذهب الحنفي يميل الى تحريمها. وعلى أي مسلم يسعى للاستثمار في مثل هذه الانماط من المعاملات ان يقرر المدرسة التي تمثل الاغلبية بالنسبة للرأي الشرعي.

أول صندوق إسلامي

ظلت صناديق التحوط الاسلامية مثار جدال ساخن طيلة سنوات في دوائر المؤتمر الاسلامي. فقد اطلقت شركة المستثمر الدولي عام 1997 صندوق الخوارزمي بادارة اكسا روزنبرغ، مستخدما نسبة 50 % للمدى القصير و50 % للمدى الطويل بهدف استبعاد مخاطر السوق، في حين قد يلجأ مدير صندوق التحوط ذي المدى الطويل/ القصير الى درجة اقل من التحوط في السوق اذا ما كانت توقعاته ايجابية حيال اتجاهاته.

وكان صندوق التحوط الاسلامي الثاني هو صندوق الفنارالذي عرضته شركة سيدكو في المملكة العربية السعودية باستخدام استراتيجية طويلة/ قصيرة الاجل، ويقيم مدير مستقل فيه بادارة عقود السلام. وهناك صناديق اخرى كثيرة منها صندوق GAFM Global Assets وصندوق فندز مانجمنت ايه جي في سويسرا. ومثل هذه الصناديق ربما يكون لديها موافقة شرعية او لا يكون.

وقد اعلن دوتش بنك اصدار شهادات عن صندوق اسلامي للتحوط، ولكنه من حيث التعريف ليس صندوق تحوط، غير ان العوائد التي تم تحقيقها من خلال هيكل لم يتم كشف النقاب عنه بعد، يتم قياسها من خلال مؤشرHFRX لصناديق التحوط العالمية. ومن المتوقع ان تظهر اسماء كبيرة في السوق مع اصدارات اخرى جديدة.

صندوق أريك ماير

كانت محاولة اريك ماير لطرح صندوق تحوط اسلامي محل مناقشة عامة مستفيضة، ويمكن ان تعتبر اوسع المنتجات شهرة حتى الآن في السوق. وقد انتهى تعاقده السابق مع كل من بنك الاتحاد السويسري - يو بي اس وبنك نوريبا كوكيل اصدار ومستشار خاص على التوالي. وقد استثمر اريك حوالي 3 ملايين دولار في هذه المنتجات الموجودة منذ عام 2000, كما حصل على الموافقة الشرعية من الشيخ نظام يعقوبي، ومن يوسف طلال دي لورينزو، ومن الدكتور داود بكر. ويعرض اريك صندوقا اساسيا محايدا ومحميا يتمتع بالسيولة كبديل للوسائل الاستثمارية قصيرة الاجل. اما المنتج الثاني الذي طرحه اريك فهو ماستر فند، الذي جمع فيه عددا مختارا من مدراء الصناديق مستخدمين الوسائل طويلة وقصيرة الاجل لنظام المرابحة والعربون لغربلة الاوراق المالية التي تقل عن مستوى مؤشر داو جونزالاسلامي.

< بانكرز ميدل إيست <

استثمار محفوف بالمخاطر.. أم تحوط مأمون؟

تقول صناديق التحوط بشكل عام انها اقل عرضة للمخاطر، وتدلل على ذلك من خلال رسومات تظهر حيوانا اسمته التعرض التاريخي للمخاطرHistoric Volatility الذي يقاس بالايام والاشهر او السنوات. ويمكن تفسير هذا الرسم الذي يوضح موجات من البحر على الشاطىء، ويبين درجة تعرض شواطئ معينة لدرجات معنية من الموج العالي.

وعلى اية حال فإن اعصارا من قبيل تسونامي قد يضرب العالم مرة واحدة كل قرن من الزمن، ومن هنا فإن مؤشر التعرض التاريخي للمخاطر لن يتمكن من قياسه. ان المحافظ المعتمدة على الاقتراض، شأنها شأن صناديق التحوط النموذجية، تتعرض لقدر اكبر من المعاناة، ويمكن ان تمحى ملامح حيادية السوق اذا ما جاءت الموجة اولا من اسهم ذات مراكز طويلة، ولم تضرب ذات المدى القصير. وفي هذه الحالة يمكن ان تتم تصفية المحفظة بكاملها، ومن هنا فإن الرفع المالي او الاقتراض من اجل الاستثمار ليس فكرة جيدة، كما ان قيمة هذا الرفع يجب ان تعدل وفقا لمحفظة المستثمر ولتتلاءم مع شهيته الشخصية على ركوب المخاطر. ويتعين على أي مستثمر ان يلم بدقة بمدى التعرض للمخاطر جراء الرفع المالي لمحفظته الاستثمارية، وما اذا كان يتم تطبيق تسهيلات الهامش على النحو السليم، وكذلك الاموال المقترضة وغير ذلك.

بدائل استثمارية

في عام 2000 طرح يوبي اس/ سيدكو طرحا الصندوق المطابق للشريعة الاسلامية طويل الاجل دون ان يكون مرتبطا بغيره، وهو مكرس لتحقيق العائدات المطلقة، الامر الذي يعتبر من الاستثمارات الجادة في نظر صناديق التقاعد وصناديق التأمين نظرا لامكانية التنبؤ بالعائدات والحاجة الى الرفع المالي، فضلا عن استقلاله التأثر باية ارتفاعات مفرطة في الاسواق، وهذا من شأنه ان يجعله في منأى عن أي فقاعة قد تحصل بين حين واخر.

الشفافية لتبديد المخاوف

يمكن بناء وهيكلة صناديق التحوط الاسلامية بموازاة استراتيجية طويلة او قصيرة الاجل، غير انها تثير بعض المخاوف الشرعية التي يجب توضيحها وجعلها شفافة في نظر المستثمرين، وخصوصا اذا كان هؤلاء يتبعون مدرسة فقهية معينة. وربما تكون دورة السوق لا تحبذ في الوقت الحاضر الاستثمار في صناديق التحوط نظرا لأن الكثيرين يستخدمون نفس الاستراتيجية، وبالتالي فربما تكون العائدات غير مغرية في المستقبل المنظور. ان التحوط من مخاطر الاسواق مرتبط بالتعرض التاريخي للمخاطر. ويقود الرفع المالي دائما الى مخاطر اعلى، حتى ولو كان مرتبطا باستراتيجية طويلة/ قصيرة الاجل، وهذا الامر يجب ان يؤخذ في الحسبان عند محاولة تقييم شهية المستثمر الشخصية لتحمل المخاطر كمستثمر فردي. ويمكن استخدام بدائل استثمارية في مجالات اخرى، وهذه يجب تحليلها لمعرفة ما اذا كانت توفر عائدات افضل، وتحقق الاهداف التي رسمتها الشريعة الاسلامية لخدمة المجتمع والبيئة وتحقيق العيش الكريم للافراد.