المستقبل لمصلحة الصيرفة الإسلامية إذا تطورت ورفعت مصداقيتها الشرعية

لاحم الناصر

 

العدد 13159 - تاريخ النشر 16/01/2010

تاريخ الطباعة: 16/01/2010

اطبع


المستقبل لمصلحة الصيرفة الإسلامية إذا تطورت ورفعت مصداقيتها الشرعية

الرياض - عبدالحي يوسف:
قال الخبير السعودي في المصرفية الاسلامية لاحم الناصر ان المصارف الاسلامية لم تتضرر من الازمة المالية بل كانت عاملا مساعدا في اظهار ما يتمتع به هذا النوع من الصيرفة من قوة ومتانة، واكد ان المصارف الاسلامية وبعكس البنوك التقليدية تعاني الآن وفرة السيولة التي لا تستطيع توظيفها بسبب ما وصفه بعدم اليقين في الاسواق العالمية والاقليمية نتيجة الازمة المالية العالمية.
واعتبر في حوار معه ان نحو 90 من المستثمرين الخليجيين يحبذون التعامل مع منتجات بنكية متوافقة مع الشريعة، مما يعطي فرصة كبيرة للصيرفة الاسلامية للنمو في منطقة الخليج، واعترف في هذا الصدد بوجود مشكلات تعوق تقدمها منها شح الكوادر المؤهلة.
وقدر الناصر قيمة موجودات المصرفية الاسلامية في السعودية بنحو 92 مليار دولار، مبديا رضاه عن المشوار الذي قطعته المصرفية الاسلامية حتى الآن، وذكر ان المستقبل في مصلحتها بشرط الاخذ بالتطوير والتأهيل وعدم فقدان مصداقيتها الشرعية.

• هل صحيح ان المصرفية الاسلامية هي رهينة منتجات مالية محدودة لا تستطيع ان تنافس بها في الاسواق العالمية؟
ــــ الصيرفة الاسلامية وعلى الرغم من حداثة تجربتها التي لا تتجاوز ثلاثة عقود وعلىالرغم ايضا من وجود الكثير من التحديات التي واجهتها وما زالت تواجهها، فانها استطاعت ان تنافس الصيرفة التقليدية في جانب الصيرفة التجارية، بل وتتجاوزها خصوصا في البيئات الحاضنة لهذا النوع من الصيرفة المتوافق مع احكام الشريعة الاسلامية، واعني بذلك دول الخليج العربي، حيث يفضل حوالي 90% من المستثمرين التعامل في المنتجات المتوافقة مع الشريعة الاسلامية وفقا لدراسة لارنست اند يونغ فقد حققت الصيرفة الاسلامية في هذه الدول عام 2008 نموا في أصولها فاق في معدله نمو اصول الصيرفة التقليدية، حيث بلغ في السعودية حوالي 38% في حين لم تتجاوز نسبة نمو أصول الصيرفة التقليدية 20%، واجمالاً فقد فاق معدل نمو الصيرفة الاسلامية في العالم الاسلامي نمو الصيرفة التقليدية، وفقا لتقرير مكينزي للتنافسية لعام 2009ــ2010، ومع كل هذا النجاح الذي تحققه الصيرفة الاسلامية في الصيرفة التجارية، فانها تشكو من الضعف الشديد في الجانب الاستثماري، حيث بقيت ادواتها محدودة في هذا الجانب، حيث لم تعن الصيرفة الاسلامية بالصيرفة الاستثمارية لتعقيد ادواتها وحاجتها للكفاءة المهنية التي لا تتوافر لدى الصيرفة الاسلامية، ونظرا لما تولده الصيرفة التجارية من ارباح هائلة للصيرفة الاسلامية، فقد عزفت عن تطوير ادواتها في الجانب الاستثماري، وهو ما افقدها ميزة تنافسية مهمة وزاد من مخاطرها، حيث ان بعض الادوات الاستثمارية التي تتداولها الصيرفة التقليدية تستخدمها المصارف التقليدية لادارة مخاطرها.
• كيف كان تأثير الازمة العالمية على قطاع المصرفية الاسلامية، البعض يعتبر ان الازمة ساعدت على انتشار بعض ادواتها؟
ــ لم تتأثر صناعة الصيرفة الاسلامية بالازمة المالية العالمية مباشرة، وذلك نتيجة لعدم حيازتها للأوراق المالية المسببة للازمة، ولكنها تأثرت بنواتج الازمة كانخفاض الاسواق المالية وتعثر بعض المؤسسات المدينة للمؤسسات المالية الاسلامية وانكماش الاقتصاد الحقيقي، لكن رب محنة تحمل في طياتها منحة، فقد جاءت الازمة لتكشف عن مدى قوة الاصول التي تقوم عليها الصيرفة الاسلامية وقدرتها على حماية الاقتصاد من الازمات، وبالتالي فقد اكتسبت الاعتراف الدولي بها، كما ان الازمة ادت لفتح الكثير من الاسواق التي كانت موصدة أمامها فترة طويلة من الزمن كفرنسا واسبانيا والمانيا واستراليا مما يدل على ان الصيرفة الاسلامية مقبلة على طفرة غير مسبوقة في النمو.
• كيف يمكن للمصرفية الاسلامية ان تكون عاملا مساعدا ومساهما في حل الازمات المالية؟
ــــــ الصيرفة الاسلامية بما تملك من ضوابط واصول قادرة على المساهمة في منع الازمات المالية التي على شاكلة الازمة الحالية التي تسبب فيها الجشع والمقامرة وبيع الديون من الوقوع، كما انها قادرة على المساهمة في حلها، وذلك عبر آلية انظار المعسر والغاء الفائدة الربوية والاستثمار في الاقتصاد الحقيقي مباشرة، بدلا من ضخ الاموال في القطاع المالي الذي هو سبب الازمة، حيث وجدنا ان اثار برنامج الانقاذ المالي الذي تبناه البيت الابيض تنعكس ايجابا على نتائج المؤسسات المصرفية فيما الاقتصاد الحقيقي يترنح، فمعدل البطالة في تزايد وافلاس المؤسسات الانتاجية ومعدلات الانفاق لم تتحسن.
• تكاد الصكوك الاسلامية تعتبر هي المنتج الاكثر اهمية بالنسبة للمصرفية المتوافقة مع الشريعة، ومع ذلك فإن سوق الصكوك في السعودية يعاني مشكلات كبيرة اهمها عدم وجود اصدارات عديدة من هذا المنتج.. ما تفسيركم لذلك؟
ــــــ كلامك صحيح فالصكوك هي احد اهم ادوات الصيرفة الاسلامية في الاسواق العالمية اليوم مع قصر عمرها الذي لا يتجاوز عشر سنوات منذ اول ظهور لها في ماليزيا عام 2001 الا ان السوق السعودي ومع انه احد اهم اسواق صناعة الصيرفة الاسلامية بحجم اصوله البالغة 92 مليار دولار لم يعرف الصكوك الا في عام 2006، عندما طرحت شركة سابك اول صكوك لها وكان حجمها 800 مليون دولار، وذلك لعدة اسباب من اهمها عدم وجود سوق ثانوي لتداول الصكوك، حيث لم يتم انشاء هذا السوق الا في العام الماضي، كما انه لا يوجد دعم حكومي له، حيث لم يتم اصدار اي صكوك سيادية حتى الآن ومن المعلوم ان الاصدارات السيادية هي احد اهم العوامل المؤثرة في قبول وانتشار هذه الادوات في السوق، اضافة الى انها تعتبر معيار تسعير للصكوك يمكن القياس عليه كما انه لا يوجد في المملكة حتى الآن قواعد خاصة بالصكوك للطرح والادراج مع عدم وجود قوانين للافلاس ومحاكم خاصة بالقطاع المالي، كل هذه العوامل مجتمعة ادت الى قلة الاصدارات في المملكة.
• كيف كان تأثير تمدد المصرفية الاسلامية في قطاعات استثمارية حيوية في السعودية مثل العقار والبورصة؟
ــــ لم يكن للصيرفة الاسلامية في السعودية تأثير يذكر في القطاع العقاري، حيث لا تتجاوز نسبة التعرض للعقار 5% من اجمالي التمويل المصرفي، اما بالنسبة الى البورصة فمن وجهة نظري ان الصيرفة الاسلامية هي احد اهم اسباب حدوث فقاعة سوق الأسهم في المملكة العربية السعودية حيث ساهمت في تمويل المضاربة في هذا السوق.
• هناك من يرى ان المصارف الاسلامية تعاني شحا في السيولة ولهذا توقف العديد من المشروعات التنموية؟
ـــ بالعكس، المصارف الاسلامية تعاني وفرة السيولة التي لا تستطيع توظيفها نتيجة لما يسود الأسواق من حالة عدم اليقين الناتجة عن الأزمة المالية العالمية.
• بعض الخبراء وجهوا انتقادات للبنوك الاسلامية لعدم تطبيق تفسير صارم للشريعة أو القانون الاسلامي خلال تقييمهم للمنتجات؟
ــــ هذا صحيح حيث عانت بعض هياكل صكوك المشاركة والمضاربة من عدم مطابقتها لأحكام الشريعة الاسلامية، وذلك بسبب وجود تعهد من المصدر بالشراء بالسعر التاريخي، كما أن منتج التورق المصرفي المنظم الذي يصبغ جل معاملات الصيرفة الاسلامية اليوم في جانب التمويل، يدور حوله خلاف كبير بين العلماء حيث صدر قراران من المجمعين الفقهيين في السعودية بتحريمه، ولا شك ان بناء الصيرفة الاسلامية منتجاتها على أقوال فهقية قوي فيها الخلاف، سيؤدي في النهاية الى فقدانها سبب وجودها وهو الالتزام بأحكام الشريعة الاسلامية.
• مشوار المصرفية الاسلامية حتى الآن كيف تراه كباحث متخصص في هذا المجال؟
ــــ إن النجاح الذي حققته الصيرفة الاسلامية في عمرها القصير يدل دلالة على مدى ما يستطيع الانسان تحقيقه متى ما توفرت لديه النية الحسنة والارادة الصلبة مع توفيق الله سبحانه وتعالى، الا أنني أرى أن هذا النجاح في التوسع والنمو والانتشار يجب أن يكون دافعاً لهذه الصناعة للانعتاق من جلباب صناعة الصيرفة التقليدية بمحاولة خلق أدواتها التي تنسجم مع مقاصدها الشرعية ونظريتها الاقتصادية بعيداً عن الرأسمالية.
• كم تبلغ قيمة موجودات المصرفية الاسلامية في السعودية وفي منطقة الخليج بشكل عام؟
ــــ بلغت أصول الصيرفة الاسلامية في منطقة الخليج في عام 2008 حوالي 240.4 مليار دولار وفقا لتقرير المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الاسلامية عن المالية الاسلامية في الخليج لعام 2009، منها حوالي 92 مليارا للسعودية.
• هل تطالب المؤسسات والبنوك الاسلامية برفع شعار «المصرفة الاسلامية هي الحل»..؟
ــــ إن كنت تقصد ان ترفع المؤسسات هذا الشعار كدعوة لحل الازمة فأعتقد ان هذا الامر غير صحيح، حيث نموذج الصيرفة الاسلامية الموجود الآن يقدم جزءا يسيرا من الحل وليس الحل، حيث انه يعاني من الكثير من المشكلات في البنية والنظرية، حيث يعاني من انفصال بين النظرية والتطبيق وبالتالي فإن الحل هو في الرجوع للاصول اي الكتاب والسنة وهو ما دعا له بعض عقلاء الغرب بعد الازمة المالية.
• ما هي النصائح التي تقدمها كخبير لكي تتطور الصيرفة الاسلامية بشكل أكبر.. ما الذي تحتاجه او ما الذي ينقصها؟
ــــ الحقيقة ان الصيرفة الاسلامية ينقصها الكثير ولكن اهم نقطة لدي هو ان تركز على عدم فقدان مصداقيتها الشرعية لانها سبب وجودها وبالتالي فهي تحتاج الى العناية بالبحث والتطوير والانفاق عليه بما يكفل لها خلق ادواتها الاصيلة بعيدا عن استنساخ ادوات الصيرفة التقليدية.
• أحد الشيوخ الآسيويين حذر العلماء في الخليج مما اسماه «الصندوق الاسود»، ويقصد به احاطة استثمار في الموجودات لا يلتزم بالشريعة، وإلباسه ثوب تمويل ملتزم بالشريعة خاصة في صكوك صناديق التحوط؟
ــــ هذه احدى ثمار عدم الانفاق على البحث والتطوير والاكتفاء باستنساخ ادوات الصيرفة التقليدية، حيث اننا نجد في الغالب من يعنى بتطوير ادوات الصيرفة الاسلامية هي المؤسسة المالية الغربية والتي لا هدف لها سوى الربح مما يؤدي الى خلق ادوات مصرفية اسلامية شوهاء تلبس عباءة الاسلامية تخفي قبعة رأسمالية.
• تتداول بعض الاوساط الاعلامية عبارة «متوافق للشريعة» بكثير من التهكم باعتبار ان العبارة استخدمت في غير محلها، يقصدون بذلك بعض المنتجات التي اتضح اخيرا ان عليها بعض المآخذ؟
ــــ تذكرني هذه العبارة التي مهرت بها بعض المنتجات بعبارة ذبح على الطريقة الاسلامية التي وجدت على بعض لحوم الخنازير، فالعبارة ولا شك استخدمت وتستخدم من قبل بعض المؤسسات على منتجات لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تكون مما يقره الشرع الحنيف مهما قيل غير ذلك.
• كيف ترى آليات تطوير اداء الرقابة الشرعية ومناهجها لتواكب التطورات المتصاعدة في صناعة الصيرفة الاسلامية؟
ــــ لكي تكون الرقابة الشرعية فاعلة يجب ان تكون مؤسسية على غرار مكاتب المحاسبة والمراجعة الخارجية كما يجب ان تكون إلزامية من قبل الجهات الرقابية والا سيبقى وضع التطبيق رهنا باجتهادات الافراد القائمين على هذه الصناعة في كل مؤسسة مالية، وبالتالي ستبقى فوضى التطبيق حتى ولو جودنا الاصول فإن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن.

سيطرة علماء على هيئات شرعية
قال الناصر انه لا شك ان الصيرفة الاسلامية تعاني اليوم، مع حجم نموها المطرد والسريع، قلة العلماء الشرعيين المؤهلين في الجانب الشرعي والمالي للحكم على منتجاتها والتدقيق في معاملتها حيث لا يتجاوز عددهم وفقا لتقرير فيلكا 250 عالما حول العالم، الناشطون منهم حوالي 20 فقط، وهذا ما ادى الى‍ ظاهرة تركز الهيئات الشرعية في اسماء محددة حتى بلغت عضوية البعض من العلماء حوالي سبعين هيئة شرعية، ولا شك ان هذا التركيز يؤثر تأثيرا سلبيا في هذه الصناعة، حيث تمتد فترة اجازة بعض المنتجات الى شهرين واكثر، نظرا لازدحام جدول اعضاء الهيئة الشرعية وهو ما ادى الى عزوف المؤسسات المالية عن التطوير والابتكار في ادواتها، كما ان هذا التركيز يقلل من الجودة الشرعية حيث لا تدرس المسائل الشرعية المطروحة بشكل كاف، كما ان الكثير من المنتجات والمؤسسات تفتقد الرقابة الشرعية المناسبة.

 
 

 


جريدة القبس