التطورات التشريعية في قانون سوق المال الكويتي

د. عبد القادر ورسمه غالب

يلعب سوق المال الكويتي دورا هاما في الحركة الاستثمارية التجارية الاقتصادية في الكويت منذ مدة طويلة من الزمن، ووسط كل التقلبات والأزمات، ما زال النشاط مستمرا صعودا ونزولا. وأهل الكويت لديهم دراية ومعرفة بكل أنواع ووسائل التجارة منذ أزمان قديمة، والتجارة تجري في دم أهل الكويت وهم بحصافتهم الموروثة يعرفون كل مداخل ومخارج التجارة ومنها حصدوا الكثير من المكاسب وكذلك استفادوا من التجارب القاسية التي مروا ومرت بها تجارتهم حتى مرحلة “سوق المناخ” وما لها وما عليها. وفي كل هذا دروس وعبر لمن يعتبر.

وسوق المال الكويتي "البورصة" من أسواق المال الأساسية في منطقة الخليج، وعمليات البيع والشراء تتم فيه وتنجز عن وعي ومعرفة مصحوبة بالخبرة وفي هذا المنحى يشترك كل الأطراف من البائع والمشتري والوسيط وحتى ادارة السوق. وبسبب هذه الخصوصية، فان سوق المال الكويتي وكل ما يتم داخل أضابيره يجد العناية والاهتمام من كل الجهات الحكومية المختصة ومن الشركات المسجلة في السوق ومن التجار أصحاب الاستثمارات ومن الجمهور والاعلام ومن الجهات المرتبطة الأخرى وغيرهم.

كما ورد في الأخبار قبل أيام فان مجلس الأمة (البرلمان الكويتي) تدارس مسودة قانون سوق المال الكويتي، وعليه تم اجازة ادخال العديد من التعديلات الجوهرية علي القانون الساري المفعول، وكل هذا العمل والنشاط التشريعي يهدف الي دفع سوق المال للأمام ولدعم هذا النشاط التجاري الاستثماري الهام بكل قوة للأمام ليتبوأ سوق المال الكويتي مكانته في ريادة العمل الاقتصادي التجاري في الكويت.

ان ما تقوم به أسواق المال في كل العالم له انعكاسات جوهرية ذات أثر مباشر علي الأوضاع الاقتصادية والتجارية، وكذلك هي تتأثر بمعظم ما يدور في خارجها. ولكن هذه الأسواق يجب أن تقوم وتعمل على أسس قانونية وتشريعية سليمة تؤدي لتحقيق التطلعات المنشودة، وهذه القوانين يجب أن تضع الطريق الذي تنتهج خطاه ادارات أسواق المال والهيئات العامة للأسواق وفق الأسس السليمة الصحيحة المتعارف عليها في هذا النشاط الهام والحساس.

من أهم المبادئ القانونية التشريعية لأسواق المال ضرورة العمل على توفير واصباغ كل الحماية للمستثمرين. المستثمرون يشكلون زاد السوق و "اللبنة" الأولية ولذا يجب توفير كل الحماية لهم، والا انهار العمل في السوق وتوقف تماما بسبب انقطاع العلاقة مع المستثمرين زاد السوق و "روحه". وعدم الحماية لكل قطاعات المستثمرين يؤدي بهم الي العزوف بل والهروب هرولة.

ولهذا يجب أن تتم كل الممارسات داخل أسواق المال في شفافية تامة الشفافية وفي افصاح كامل الافصاح، لا غموض فيه أو تدليس حواليه. ويجب علي الجميع بما في ذلك ادارة الأسواق وهيئاتها العامة والوسطاء والشركات والتجار والمستثمرين، الوقوف وقفة رجل واحد في قلب واحد، لتأكيد الشفافية والافصاح التام في كل العمليات المرتبطة بسوق المال من أجل حماية الأسواق وكل ما يرتبط بها وعلى رأسهم المستثمرون.

من التعديلات الجوهرية التي أدخلها مجلس الأمة الكويتي أخيرا، على قانون سوق المال الكويتي، ما ورد في نص المادة (122) من القانون التي تتطلب عدم التلاعب وعدم الخداع في كل العمليات المرتبطة بالبيع والشراء في سوق المال الكويت وذلك عبر التداولات الوهمية واقتناص المضاربات المفتعلة بعيدا عن العمليات والاستثمارات الحقيقية.

والآن كل من يتجاوز هذا الشرط القانوني يتعرض للمساءلة القانونية و للجزاءات والعقوبات القوية. وكل هذا لضمان التعامل النظيف والتعامل السليم والتعامل بحسن النية والتعامل برقي وأمانة ونزاهة… لأن التعامل في أسواق المال يتطلب توفر كل هذه الشروط وبالدرجة المقبولة… على الأقل.

اننا نشيد بهذا التعديل الهام في قانون سوق المال الكويتي والذي يعتبر، ضمن تعديلات أخرى، اضافة ذات أبعاد جوهرية ومفصلية من أجل حماية التعاملات في سوق المال ولحماية كل من يأتي بيد نظيفة للتعامل والاستثمار في هذا السوق. وهذا التعديل، من دون شك، له ما بعده لأن الجميع يعلم أن يد القانون ستطاله اذا خدع أو غش أو خان الأمانة أو قدم تداولات وهمية أو مضاربات وقتية لربك الحركة في السوق أو لأي سبب آخر. وفي هذا المجال، فاذا أخلاق الشخص أو ثقافته الدينية والمجتمعية لم تردعه، فان القانون الآن أصبح جاهزا للردع الحاسم ولبتر اليد التي بها مرض حتي يبقي باقي الجسم سليما معافي.

كل أسواق المال تتمسك بهذه المبادئ الهامة لحماية الأسواق، وفي كل الأرجاء يتم تطبيق هذه المبادئ القانونية بكل حسم. وفي كثير من الأوقات تأتينا الأخبار بأن بعض الكبار "اذا جاز لنا أن نصفهم بالكبار" تم وضعهم في غياهب السجون بسبب سوء استخدام الأسواق وبسبب الغش والتضليل والخداع والتداولات الوهمية والمضاربات لأجل اكتناز الأموال دون مسوغ قانوني، ودون وازع أخلاقي، ودون مراعاة للممارسة المهنية السليمة السارية في أسواق المال وفي روح أسواق المال والبورصات.

بصفة عامة نقول إن اصدار القانون في شكله ومضامينه الجديدة يعتبر خطوة جريئة لضرب المتلاعبين، ولكن القانون وحده لا يكفي للردع الكافي في أسواق المال لما بها من صناعة ذات خصوصية خاصة. ولذا فان على ادارة سوق المال الكويتي وكل من له صله بتطبيق القانون العمل بحزم في تنفيذ ما يصبو له المشرع حتى لا يكون القانون مجرد حبر على ورق وحتى يكون للقانون أنياب تعض يد من يخالف القانون أو يتجاوزه.

و من مثل هذا الموقف ، نعطي القانون مصداقيته و في نفس الوقت نحمي صناعة أسواق المال

ونوفر لها الجو القانوني الآمن لتستمر وتنتعش في أمان وسلام. ومن هذا الموقف، ايضا، يستفيد الجميع وعلى رأسهم الاقتصاد الوطني والحركة التجارية الاستثمارية في الكويت بلد التجارة والاستثمارات. ودعونا نقول، الى الأمام بخطوات ثابتة، لتحقيق المزيد من الانجازات المطلوبة حاليا لدعم هذه الصناعة المالية الاستثمارية الهامة والأكثر أهمية في المستقبل المنظور...