الانترنت تولّد عمالقة ما بعد الأزمة

دان شيللر

من:                                   kantakjigroup@googlegroups.com بالنيابة عن Hassan Ahmad [hnsa19@yahoo.com]

تاريخ الإرسال:                     09 كانون الثاني, 2010 08:21 ص

إلى:                                   ecogame@googlegroups.com; kantakji group; Amjad; Nada ALBUNNI

الموضوع:                           {Kantakji Group}. Add '6094' الانترنت تولّد عمالقة ما بعد الأزمة

المرفقات:                            ATT00163.txt

 

دان شيللر

الانترنت تولّد عمالقة ما بعد الأزمة

http://mondiploar.com


إعادة تشكيل للاقتصاد والثقافة

وضعت المصارف والشركات كلّ رهاناتها على المعلوماتية وإلغاء المبادلات الماديّة، لأنّ أعمالها باتت عالميّة تتطلّب أن تجري هذه المبادلات بشكلٍ سلسٍ وفوريّ قدر الإمكان. هكذا حلّ الوسيط المالي المنهمك وراء شاشته الموصولة بكلّ مكان، محلّ ذلك الذي يصرخ أوامر البيع والشراء في قاعة البورصة. ولكنّ تقانات الاتصالات والمعلومات TIC هذه، هي أيضاً بوتقة النموّ التي تراهن عليها الرأسمالية لتجدّد ذاتها. وقد تسارعت هذه الديناميّة بشكلٍ مدوخٍ في السنوات الأخيرة. وقلب قادمون جدد - سيسكو، وأمازون، وغوغل، ولكن أيضاً China Mobile - المنظومة الاقتصادية رأساً على عقب. وفي حين تعاني سوق الثقافة في مواجهة الموجة الرقميّة، يهدّد الهاتف الخلوي أو عبر الانترنت قطاع "الاتصالات" التقليدي؛ ويوشك تطوّر الشاشات المصغّرة أن يجعل التلفاز والحاسوب موضةً بالية. هذه التحوّلات تبتلع استثمارات ضخمة. وفي حين يتمّ الحديث عن الأفول الأمريكي، تذكّر هذه التطوّرات التقنيّة بالدور الحاسم الذي تستمرّ الولايات المتحدة في لعبه في المشهد الصناعي للعالم.

 

في العام 2008، وعشية تلقّي بنك "سيتي غروب" مساعدةً استثنائية من االحكومة الأميركية بقيمة 45 مليار دولار، كان هذا المصرف يوظّف 45000 مصمّم برمجيّات ويعلن عن استثمار 4.9 مليار دولار في تقانات المعلومات، من دون احتساب النفقات العملانية. وكان بنك "ليمان براذرز"، قبل انهياره في أيلول/سبتمر العام 2008، يستثمر من جهته ثلاثة آلاف برنامج موزّعة على خمسة وعشرين ألف مولّج خدمة serveurs في عدّة قارات. ما جعل أنّه عند انفجار الأزمة المالية في زاويةٍ خفيّةٍ من أنظمة السوق، كانت الشبكة حاضرة لكي تنشر انعكاساتها القاتلة نحو الأطراف [1].

وأياً يكن، فحتّى اليوم ما يزال دور صناعة المعلوماتيّة في بروز كارثة العام 2008 مجهولاً إلى حدٍّ كبير. تماماً كما هو وضع أصول الروابط بين دائرة الاتّصالات ودائرة عالم المال.

فالطبقات الحاكمة، ومن أجل إخماد أزمةٍ اقتصادية أخرى، أزمة مطلع سبعينات القرن الماضي، قد لاذت بأنظمة جديدة للحواسيب والاتصالات كوسيلة "إنقاذٍ زمانيّة-مكانيّة" [2]، في استعادة لعبارة دايفد هارفي. إذ كان المطلوب قبل كلّ شيء العودة إلى تحقيق الأرباح عبر توجيه الرساميل تحديداً إلى القطاع الكفيل بتحقيق نموٍّ كبير. وهكذا أُغدقت الاستثمارات الكبيرة على تقانات المعلومات والاتصالات (Technologies de l’Information et des Communications، المعرّفة باسمها المختصر "تيك" TIC) مرسّخةً في الحسّ العام فكرة التحوّل السعيد نحو عصرٍ ذهبيّ جديد سمّي "مجتمع المعلومات".

مع أنّه لم يكن للوهلة الأولى من شأن عالم المال أن يستثمر في مجال المعلوماتيّة. إلاّ أن هذا القطاع قد اكتسب قيمة الاستثمار الاستراتيجي مع النموّ المطّرد للرساميل العابرة للدول: فقد راحت الشركات الكبرى توظّف أموالها خارج حدود أسواقها الداخليّة، مشتريةً المصانع والمكاتب والمناجم والمزارع في كلّ أصقاع الدنيا [3]. هكذا فإنّ حركة الفتح الكونيّ هذه، هي التي أضفت دوراً رائداً على صناعة الاتّصالات والمعلومات.

وقد اعتمدت الشركات المتعدّدة الجنسيّة هذا التحوّل نحو المعلوماتيّة، من أجل إعادة تنظيم إنتاجها وتسييل حسن سير أعمالها التي باتت عالميّة، معيدةً باستمرار إعادة تركيب أنظمة شبكاتها من أجل تصويبها على أساس تطوّر استراتيجياتها وسياساتها التجاريّة ودخولها إلى الأسواق. هكذا، منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي، باتت تقانات الـ"تيك" والحواسب تشكّل ما لا يقلّ عن نصف الاستثمارات التي قانت بها الشركات المتعدّدة الجنسيّات. والمبالغ الموظّفة خيالية؛ إذ فقط في العام 2008 أنفق القطّاع الخاص والحكومات معاً 1750 مليار دولار في قطاع المعلوماتية بمعناه الواسع [4].

وفي وقت أضحى فيه قطاع الاتصالات والمعلومات البقرة الحلوب لحركة النموّ الرأسمالي، نجحت بعض التقانات تقريباً في القضاء على جوانبٍ كبيرةٍ من النشاطات الاقتصادية. فبرنامج "سكايب skype" الذي يسمح بإجراء اتّصالات هاتفية مجّانية عبر الانترنت يدّعي أنّ لديه ما لا يقلّ عن أربعمائة مليون مستخدِم للعام 2009 [5]. هكذا، لم تكَد تمضي خمس سنوات، حتّى فرض هذا الوافد الجديد نفسه على طاولة الكبار، على أنّه أهمّ مقدّمٍ عالميّ للاتّصالات العابرة للحدود. وتماماً كغيرها من مخدّمي الـ"VOIP" (الصوت عبر الانترنت)، تمارس شركة "سكايب" ضغطاً تنافسيّاً يعدّل من ممارسات المستخدمين، الذين ما عاد لهم مصلحة في إجراء اتّصالاتهم من هواتفهم الثابتة. وقد سرّعت سيطرتها في انفجار سوق الانترنت العالية التدفّق والهواتف الخلويّة، مضخّمةً في الوقت ذاته العرض على خدمات الانترنت المخصّص للشركات.

وقد أدّت الاتصالات بأسعارٍ رخيصة إلى إعادة تمركزٍ جزئيّة للمعلوماتيّة ولبرمجيّات الحواسب. فنموذج الحاسوب الشخصيّ، الكامل التجهيز والشغّال بشكلٍ مستقل، ولكن غير الموصول، والذي بدأت سيطرته منذ ثمانينات القرن الماضي، قد تجاوزه الزمن. فالمعطيات (البريد الالكتروني والصور الشخصيّة ومعلومات الشركات، إلخ) قد باتت أكثر فأكثر مخزّنة في حظائر المخدّمات الرئيسة العائدة لمشغّلين كبار: إنّها "المعلوماتية القائمة في الغمام" [6].

وباتت الهواتف الخلويّة هي نفسها تهدّد أسواق الحواسب والتلفاز. فقد أضحى هناك في العالم حوالى 4.5 مليار هاتفٍ خلوي، بدأ بعضها يشتغل كشاشةٍ متعدّدة الوظائف الإعلاميّة. ففي الأشهر التسعة الأولى التي أعقبت إنزال الهاتف الأوّل من شركة آبل، تمّ تطوير حوالى خمسة وعشرين ألف برنامجٍ من أجل هذا الجهاز (ومائة ألف حتّى اليوم، بعد أن اجتاح هذا المنتج الجديد الرائد من شركة آبل الصين وكوريا الجنوبيّة)، ممّا أدّى إلى 800 مليون عملية تعبئة عن بعد.

رقابة على الشبكة متنازع عليها

وفي الوقت نفسه، قامت شركات أمازون وآبل وغوغل باجتياح الحواجز التي كانت تحمي الاتّحادات الاحتكاريّة لقطاعات الموسيقى والكتب وألعاب الفيديو والسينما [7]. فقد باتت النصوص الرقمية، وخدمات المرئي والمسموع حسب الطلب، والابتكارات التقنيّة هي المَعلم الرئيس في ساحة المعركة. وفي حين بدأ سوق الأقراص المدمّجة ينهار، وجد الكبار الأربعة الذين يتقاسمون حصّة الأسد في صناعة الاسطوانات الموسيقيّة أنّهم مضطرّون إلى التخلّي عن قسمٍ من أرباحهم لشركة آبل. والأمر نفسه بالنسبة إلى حوالى ستّ شركات سينما متعدّدة الجنسيات، التي راحت تخسر مواقعها أمام الـ"يو تيوب You Tube"، بالوعة أفلام الفيديو التي تملكها شركة غوغل. أمّا شركات التلفاز، التي ساءت أوضاعها مع انخفاض إيراداتها الإعلانيّة، فقد تفرّقت إلى مئات محطّات الكابل والأقمار الصناعيّة والبرمجيّات للهواتف المحمولة وبوّابات النشر على الانترنت على طريقة "هولو Hulu"، و"بي.بي.سي. آي بلاير BBC iPlayer " أو "يو تيوب".

فهل في هذا مناخ فوضويّ؟ إنّه فعلاً كذلك. إذ أنّ عمليّات تحوّل على مستوى واسع تجري أمام أعيننا. فهناك صناعة جديدة تنبعث من هذه الجلبة، أيّاً يكن مضمونها أو قوّتها الضاربة، في ظلّ ظروفٍ ليس لها أيّ صلة مع الترسيمة القديمة للتجدّد الثقافي على يد فئةٍ طليعيّةٍ متجرّئة. ففي خلال الثورات الاجتماعية في الأعوام 1789 و1917 و1949، كانت هناك قوى اجتماعية نافذة تعمل من أجل تحويل الأنماط الثقافيّة. أمّا اليوم فإنّ الممارسات الثقافيّة تتحدّد وعلى مستوى عالمي تحت راية الرأسمال، والرأسمال وحده. أمّا محاولات التصدّي لهذه الهيمنة فقد ظلّت حتى يومنا هذا من دون أيّ تأثيرٍ سياسيّ.

وفيما تتوجّه كلّ تطلعات التغيير متمركزةً نحو تقانات الاتصالات، فإن العمل بأجر وقانون السوق يدخلان دائماً بعمق أكثر في حلقات المجتمع والثقافة. فالانترنت تشكّل الوسيلة الأقوى التي يملكها الرأسمال لكي ينشر أنماط علاقاته الاجتماعيّة؛ لذلك يجري التزاحم بقوّة للسيطرة على الشبكة.

تحتلّ الولايات المتحدة موقعاً مهيمناً في هذا المشهد. وبالطبع وافقت إدارة السيد باراك أوباما مؤخّراً على إنشاء "لجنة رقابة" دوليّة، تملك حقّ الإشراف على هيئة "شركة الإنترنت للأسماء والأرقام المسجّلة" (Icann)، وهو الهيئة الأميركية لإدارة الانترنت وتسجيل أسماء المواقع [8]؛ إلاّ أنّه من السذاجة الاستنتاج أنّ واشنطن قد تخلّت عن سلطتها على هذه الأداة المفصلية. حيث اتّخذت القرارات الأميركية الأخيرة في مجال إدارة أسماء المواقع من قبل مجمعٍ مستغرب ضمّ الجيش والوكالات الفدرالية ومنظمة غير حكوميّة وشركات خاصّة.

والحقيقة أنّ سلطة هذه الشركات الخاصّة ليس فيها شيءٍ من الرمزيّ: فشركة "سيسكو" تزوّد العالم كلّه بالـ"محوّلات routeurs" (أجهزة الاتصال الداخلي بين شبكات المعلوماتيّة)؛ و"غوغل" تسيطر على محرّكات البحث والفيديو المحمّل على الشبكة؛ و"فايسبوك" تدّعي ثلاثة ملايين عضوٍ ناشط؛ و"آبل" تصنّع الحواسب الأكثر تقييماً في أوساط النخبة. هذا من دون الكلام عن "مايكروسوفت"، امبراطور أنظمة التشغيل أو عن "إنتل" الأولى عالميّاً في مجال أشباه الموصلات semi-conducteurs.

فمن أصل خمس وعشرين شركة تسيطر على سوق الحواسب والانترنت في العام 2005، تسع عشرة منها كانت أميركية [9]. فعندما يتعلّق الأمر باحتكار أسلحة الحرب السيبرانيّة، لا تبخل القوّة الأولى عالمياً في توفير الوسائل: فأكثر من نصف الأقمار الصناعية العاملة تحمل ألوان العلم الأميركي [10]. إلاّ أنّ الشركات الأميركية لا تكتفي بإدارة العرض، بل تطوّق أيضاً سوق الطلب. فالشركات التجارية ذات الوزن الكبير، مثل "وال-مارت" أو "جنرال إلكتريك"، هي أيضاً من المستهلكين الضخام لأنظمة الانترنت وتطبيقاتها: فحاجاتها هي بمثابة أوامر، وهي التي تحدّد المعايير التي تطبّق لاحقاً في سائر انحاء العالم.

إذن الفرصة ضئيلة في أن ترخي الولايات المتحدة قبضتها عن هذا القطاع الحيوي بالنسبة إلى قوّتها الاقتصاديّة. إلاّ أنّ الحركة باتجاه اقتصادٍ سياسيّ متعدّد الأقطاب تصيب أيضاً صناعة الاتصالات. ويتوجّب على السيطرة الأمريكيّة أن تتعامل مع منافسين بات لهم وزنهم. فإذا راقبنا مثلاً لائحة الشركات المائتين والخمسين الأفضل تصنيفاً في البورصة في سوق "التيك" العالمية، نرى أنّ "الشركات الأميركية هي أقلّ عدداً في العام 2006 مما كانت عليه قبل سنوات"، بينما الصين والهند وتايوان وكوريا الجنوبيّة وسنغافورة وكذلك البرازيل أو جنوب إفريقيا أو روسيا أو مصر، أضحت تحتلّ مواقع تزداد أهمّيةً أكثر فأكثر [11] . فهناك مبالغ ضخمة من الرساميل غير الأميركية قد تراكمت في هذه السنوات الأخيرة في أوروبا وآسيا وأماكن أخرى: "سمسونغ" أو "نوكيا" و"ننتاندو" و"هواوي" و"تاتا" و"ساب" و"تيليفونيكا" و"دوكومو" و"أميريكا موفيل" و"فودافون" و"تشاينا موبايل". وفي الوقت نفسه، يأتي دفق الاستثمارات الذي ينصبّ على الشبكة أكثر فأكثر في الغالب من دول الجنوب، مثل المكسيك أو الهند أو الصين.

إلاّ أنّ السلطات الأميركية لا تسلّم بالهزيمة. فنفوذ صناعات الاتّصالات، والذي لا يتقهقر، ما يزال يضغط بقوّة على سياسات الولايات المتحدة. فليس من باب الصدف إن كان السيّد أوباما، الرئيس "السيليكون" كما يسمّيه عالم الاجتماع مايك دايفيس [12]، قد حصل، حتّى قبل انتخابه، على دعمٍ لا هوادة فيه من مديري "غوغل" و"آي.بي.إم" ومن مجلس صناعات تقانات المعلومات (ITIC)، وهي منظّمة أرباب العمل التي تضمّ الأسماء الكبيرة في هذا القطاع. وقد استوحيت إلى حدٍّ كبير من توصيات هذا اللوبي خطّة الإنقاذ الاقتصادي للحكومة الجديدة: المساعدات المكثّفة لتنمية النترنت ذي التدفّق السريع؛ الأتمتة المعلوماتيّة للبرامج الصحيّة؛ الامتيازات الموسّعة لصناعات الاتّصالات... هكذا لم يستطع السيد دين غارفيلد، رئيس مجلس صناعات تقانات المعلومات، أن يخفي رضاه بعد إقرار هذه الخطّة في شباط/فبراير العام 2009: "من الجيّد أن نتوصل إلى إسماع مطالبنا" [13].

لكن ليس من المؤكّد أنّ هذا كافٍ ليشبع داعمي حملة أوباما. فقد تساءل السيد دومينيك شتروس-كان، رئيس صندوق النقد الدولي في أيلول/سبتمبر العام 2009 قائلاً: "ما هو المحرّك القادم للنموّ العالمي؟"، قبل أن يقرّ بأنّ الجواب عن هذا السؤال "ليس سهلاً". فهل يتمتّع قطاع المعلومات والاتصالات بالطاقة الكامنة ذاتها في إعادة تنشيط النظام الرأسمالي كما حدث قبل ثلاثين عاماً؟

فبالرغم من قرع الطبول إعلاناً عن الانتعاش الاقتصادي غداً، ما يزال قسمٌ كبيرٌ من المؤسّسات الماليّة يعيش على نفقة الدولة. فالحكومة الأميركية تمسك بأقليّة المساهمة المعطّلة في ثلثي مصانع السيارات، في حين يتهاوى التشغيل والاستهلاك. فالاقتصاد يتآكل في عمقه من جرّاء الأزمة، وإن بطرقٍ متفاوتة. وإذا كانت أرباح الشركات المتعدّدة الجنسيّات قد عادت إلى الارتفاع [14]، فإنّ قطاعات السيارات والمال والزراعة والتعدين والإلكترونيّات تبقى ضعيفة.

مصدر أرباح وسبيل للهيمنة

فما هو وضع تقانات الاتصالات والمعلومات؟ حيث إنّ هذا القطاع، وإذ بات محوراً مركزيّاً للنظام الرأسمالي، قد أصبح عرضةً لرياح الأزمة. فخلال النصف الأوّل من العام 2009، تراجعت إنفاقات الإعلانات العالمية - ما قيمته 500 مليار دولار تقريباً - بنسبة زادت عن 10 في المئة في العديد من الدول المتقدّمة [15]. وفي الأسابيع الواقعة بين تشرين الأوّل/أكتوبر وكانون الأوّل/ديسمبر من 2008، لم يوفّر انهيار الأسواق المالية شركات الـ"تيك"، حتى وإن كان انعكاس الأزمة قد استُشعِر بأشكالٍ مختلفة. فبعض الشركات قد حافظت بوقاحة على ازدهارها، مثل شركة "سيسكو"، التي بلغ مجمل احتياطاتها 20 مليار دولار في مطلع العام 2009، أو "ميكروسوفت" (19 ملياراً)، و"غوغل" (16 مليار)، و"إنتل" (10 مليار)، و"دل" (6 مليار)، وخصوصاً "آبل" (26 مليار).

هكذا تبرز هذه الشركات في الصفوف الأماميّة بين الشركات المتعدّدة الجنسيّات الأميركية الأكثر ثراءً؛ حتى وإن كان صحيحاً في الوقت الحالي أنّ المشغّل الوحيد للهواتف الخلوية الذي راكم الثروات، مع أرباح متحقّقة بقيمة 18 مليار دولار في مطلع العام 2009، هي شركة تدعى "تشاينا موبايل". وهذا ما يؤمّن سيولةً وفيرة تكتسب هوامش مناورة لا يمكن للرساميل الموظّفة في أسواقٍ أقل ربحاً أو في قطاعات عمل غير مرغوبة كثيراً أن تحصل عليها. ومنذ الآن تتأكّد التكهّنات القائلة بأنّ "قسماً من أرباحها سوف يوظّف في شراء بعض الشركات المنافسة لها" [16].

ذاك أنّه ما يزال من المبكّر على هذا القطاع أن يكون قد استنفذ كلّ طاقاته للاستثمار والأرباح. ففي العام 2008، ومع أنّ كان قمّة الأزمة، زاد الإنفاق في مجال الإعلام المتعدّد الوسائط بنسبة 2.3 في المئة في الولايات المتّحدة (مع رقم أعمال وصل إلى 882.6 مليار دولار). وبحسب بعض المراقبين، فإنّ صناعات "التيك" أن تشكّل جزءاً من ثلاثة قطاعات اقتصاديّة ستستفيد من أعلى معدّلات نموّ في السنوات الخمس القادمة [17].

كما أنّ حالة الانكماش الاقتصادي لم تخفّف من حماس مستخدمي الانترنت؛ لا بل قد تكون قد زادت من حماسهم، خاصةً وأنّ الحركة على الشبكة لا تكفّ عن التصاعد المتسارع: زيادة 55 في المئة في العام 2008، وأكثر من 74 في المئة في العام 2009 بحسب آخر التقديرات [18]. فالابتكارات في مجال البرمجيّات وأنظمة التشغيل توفّر للشركات المتعدّدة الجنسيّات إمكانية تعزيز إمساكها بتشكيلةٍ واسعة من الممارسات الاجتماعية الثقافية (من التربية والتعليم إلى التقنيات العضوية الزراعية)، والدفع في اتّجاه سباقٍ جديدٍ نحو الأرباح في قطاعات أخرى، مثل الطبّ أو الطاقة.

فهل يجب الابتهاج لأن تقانات المعلومات والاتصالات ستبقى قطباً من أقطاب النموّ الاقتصادي؟ وفي الحقيقة، تتطوّر الرأسمالية الرقمية، كما سابقاتها، عبر أطوار الأزمات؛ التي تولّد في آنٍ معاً عبئاً اجتماعياً موزّعاً بشكلٍ غير متكافئ، وأنماطاً جديدة من الهيمنة، ولحسن الحظ فعلاً، إمكانيات جديدة للمقاومة وإعادة البناء.

 

 

* أستاذ مادّة الاتصالات في جامعة أوربانا-تشامباين (إيللينوي) صاحب كتاب:How to think about information, University of Illinois Press, Chicago, 2006.

 

[1] مصادر هذه الفقرة:Financial Times, Londres, 22/5/2009 et 28/1/2009 ; Fonds monétaire international, « Rapport sur les perspectives de l’économie mondiale », avril 2009, chapitre 4 : « La transmission des tensions financières des pays avancés aux pays émergents : comment les liens financiers et commerciaux enveniment la situation. »

[2] David Harvey, The New Imperialism, Oxford University Press, 2003, p. 87-88.

[3] في العام 2007، شكّلت حصّة الاستثمارات الأجنبية حوالى 25 في المئة من الأرباح المصرّح عنها في الشركات الأميركية، مقابل 5 في المئة في ستينات القرن الماضي. المصدر: (Wall Street Journal, 9/8/2007).

[4] نيويورك تايمز، 15/11/2008.

[5] وول ستريت جورنال، 23/3/2009.

[6] إقرأ: هيرفيه لو كرونييه: "في عصر معلوماتية الغيوم"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، آب/أغسطس 2008، http://www.mondiploar.com/article21...

[7] إقرأ: روبيرت دارنتون: المكتبة العالمية من فولتير إلى غوغل؛ لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، آذار/مارس 2009، http://www.mondiploar.com/article26...

[8] اقرأ:Bobbie Johnson, « US relinquishes control of the internet », www.guardian.co.uk, 1er octobre 2009, وإينياسيو رامونيه: "مراقبة الانترنت"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، تشرين الثاني/نوفمبر 2005، http://www.mondiploar.com/article30...

[9] Catherine L. Mann et Jacob Funk Kirkegaard, Accelerating The Globalization of America : The Role for Information Technology, Institute for International Economics, Washington, D.C., 2006.

[10] « Junk in space », Financial Times, 13/2/2009.

[11] « Perspectives des technologies de l’information de l’OCDE 2008 » ; www.sourceoecd.org

[12] Mike Davis, « Obama At Manassas », New Left Review, n° 56, Londres, mars-avril 2009.

[13] Charlie Savage et David D. Kirkpatrick, « Technology’s Fingerprints on the Stimulus Package », New York Times, 11/2/2009.

[14] Hal Weitzman, Jonathan Birchall et Michael Mackenzie, « Upbeat start to earnings season », Financial Times, 21/10/2009.

[15] نيويورك تايمز، 2/9/2009.

[16] Steve Lohr, « The Tech Sector Trumpets Signs of a Real Rebound », New York Times, 16/10/2009.

[17] نيويورك تايمز، 4/8/2009.

[18] « What Recession ? Internet Traffic Surges In 2009 », Telegeography Feed, Washington,15/9/2009.

 

مقالاتنا السابقة

   سيدريك بياجيني وغيوم كارنينو: "الكتاب في الدوّامة الرقميّة"، ايلول/سبتمبر 2009

   روبيرت دارنتون: "المكتبة العالميّة من فولتير إلى غوغل"، آذار/مارس 2009

   هيرفيه لوكرونيه: "زلازل كبرى على الشبكة"، آذار/مارس 2008
   أيريك كليننبرغ: "المستفيدون غير المتوقّعين من معجزة الانترنت"، كانون الثاني/يناير 2007

   سمير العيطة: "تقانات مجتمع المعرفة في البلاد العربيّة"، آذار/مارس 2006

   بيار لازولي: "العالم من وجهة نظر غوغل"، تشرين الأوّل/أكتوبر 2003

   دان شيلر: "الاتصالات، قطاع صناعي مثل غيره"، آيار/مايو 2002

 

حقوق الطبع محفوظة لكافة البلدان