استخدام التقانات االمعاصرة في تحضير الخطبة

د. سامر مظهر قنطقجي

دورة صناعة الخطيب

 

 استخدام التقانات المعاصرة في تحضير الخطبة

د. سامر مظهر قنطقجي

الخطبة ليست حواراً؛ بل هي إلقاء الكلام من خطيب على سامعيه، وحتى تصل الخطبة للسامعين لابد من استيعاب مفاصل رسالة الخطيب.

تتألف الرسالة من ثلاثة عناصر هي: مرسل الرسالة، ونص الرسالة، ومستقبل الرسالة؛ فإذا لم تصل الرسالة كما ينبغي للمخاطبين؛ فقد يكون السبب أحد هذه العناصر الثلاثة أو أكثر.

لذلك وجب على الخطيب أن يتوجه لمستمعيه بما يعرفونه لغة وبياناً وبلاغة بالقدر الذي يُناسبهم وليس بالقدر الذي يناسبه هو؛ فقد ذُكر عن عليٍّ رضي الله عنه قوله: خاطبوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكذب الله ورسوله؟. ولقد تعلمت أن أبدأ باتهام نفسي قبل غيري من نبي الله سليمان عليه السلام وهو الذي آتاه الله من القدرة ما لم يؤته لغيره، فقد ذكر القرآن الكريم على لسانه: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (النمل: ٢٠). وهذا منهج يُحتذى.

وبما أن أفهام الناس تختلف من مكان لآخر، ومن زمن لآخر، وجب تغيير الخطاب على هذا الأساس؛ فلنتصور أن شاعراً من شعراء الجاهلية يُلقي على مسامعنا شعراً كما كان يُلقى في سوق عكاظ؛ عندئذ لما فهم أغلب السامعين ما يُقال. 

لقد حضرت خطباً في عدة بلدان أجنبية حيث الناس من مختلف الأجناس، ولغاتهم مختلفة، ومستوى ما يعقلونه من لغة البلد المقصود تتفاوت كثيراً؛ ففي روما ألقى الخطيب خطبته بالايطالية ثم أعادها بالعربية ثم قام شخص بجانب المنبر ليعيد تلخيصها بالإنكليزية؛ أما في باريس فكانت الخطبة باللغة الفرنسية ثم أُلقي ملخصها بالعربية، أما في باكو، وكولالمبور فألقيت الخطبة باللغة المحلية دون اعتبار للغة أخرى.

وأنا شخصياً واجهت هذه الإشكالية في دروس ألقيتها في فرنسا وفي الهند؛ حيث اضطررت في الأخيرة أن أغيّر محاضرتي كُلياً بعدما علمت أنهم يفهمون العربية؛ لكن وبسبب العدد الكبير من الحضور الذي ناهز العشرين ألفاً غيّرت محاضرتي واستخدمت فيها التبسيط في الاصطلاحات والتمثيل البياني لتصل مسامع الحضور، وفعلاً حصل شيء من ذلك من خلال ما سمعته من تعليقات. 

كما غيّرت مرة محاضرتي في أحد البلدان العربية؛ حيث ألقيتها مرمزة عن الاقتصاد وأسميته بالاقتصاد (×)؛ بعدما تبين لي أن أكثر الحضور يتصف بالعلمانية؛ بل أغلبهم متشدد لها، وبعد انتهاء المحاضرة وإعجاب الحاضرين بما قلته؛ تابعت مفسراً لهم الرمز بقولي: من شاء منكم استبدل (×) بكلمة (الإسلامي) فهذا قصدي، ومن لديه حساسية من ذلك فليدَع الأمر كما أوضحته؛ فشعرت أن وقع ذلك أجمل بين الجميع.

لقد استفدت من المنهج التجريبي الذي أسسه نبي الله إبراهيم عليه السلام؛ كما ذكر القرآن الكريم في سورة البقرة على لسانه عليه السلام: (وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)؛ فهو أبو الأنبياء والخليل وأول المسلمين، ولا أظنه كان بحاجة لتلك التجربة؛ فهو قد أسلم قبل أن يسأل رب العالمين عن تلك التجربة التي زادت طمأنينته، وأحسبه قد فعل ذلك كي يترك للناس من بعده فُسحة يتحركون فيها قبل أن يُطلق أحدٌ عليهم (غير مؤمنين) أو (غير مسلمين). ولطالما استخدمت هذا الأسلوب  في محاضراتي حول العالم كما فعلت في معهد الفكر الإسلامي بباريس.

إن الكلام المقال أو المكتوب يجب أن يكون مُوثقاً بطريقة علمية ومنهجية لا بطريقة الرواية القصصية، ولعلي أذكر في هذا المقام الدكتور معاوية عربش؛ فلطالما شهدته يستهل خطبته وهو يبين عناصر الخطبة؛ ثم تراه يشرع في شرح النقاط تباعاً، ثم يلخص في آخر خطبيته ما جاء عليه سريعاً. إن المقام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحق مقام بالكلام الجزل الموثق المبني على الحقائق وهذا منهج قرآني، ومنهج نبوي.

لكن هل الخطيب أو المتكلم مضطر لذكر الاستشهاد أم يأتي بالروايات المشهورة مما استقر نقله ووثقته الروايات والأحاديث أو رسخه الفقهاء عبر الزمن؟ 

أليس من حق المتلقي أن يحصل على معلومة صحيحة موثقة؟

أليس إلقاء الكلام على سامعيه ومتلقيه بما يسيء لعقولهم بالكلام المغلوط أو الخاطئ هو بمثابة الخيانة للحاضرين؟

أترك لكم استنباط الأجوبة عن هذه الاستفسارات؟

الانترنيت ومصادرها:

لقد كانت وما زالت الكتب والمجلات العلمية الورقية مصدر المعلومة للباحثين، وقد تعارف الباحثون على قواعد تميّز جيّدها من غيره للحصول على المعلومة الصحيحة أو الأصح.

لكن ظهر في العقود الأخيرة تحدٍ كبير لمن جعل من نفسه مُتكلماً وخطيباً بين الناس، وازداد ذلك التحدي في السنوات الأخيرة؛ فصارت الانترنيت مصدراً هاماً من مصادر المعلومات، وانتشرت المواقع وكثرت وصارت منبراً للجميع؛ لكن وبسبب كثرة تراكم هذه المعلومات بدت ظاهرة البيانات الضخمة ظاهرة مستشرية؛ حتى أن الشركات سارعت لبناء محركات بحث تخوض وتغوص في أعماق هذه البيانات لاستخراج معلومات يُبنى عليها. ما أتاح للجميع في الغالب أن يكون له مصادره؛ بل وما يُشفي غليله، بسهولة لم تكن معهودة؛ بعدما كانت الكتب  الورقية صعبة عليه وبعيدة عن متناوله. 

وهذا أمر يسري على المتكلم والمتلقي في آن واحد؛ فما أسهل أن يسمع الناس كلاماً ثم يسارعون للبحث عنه في النت ثم يشاركون رأيهم فيه. وهذا سلوك له إيجابياته كما أن له سلبياته. وما يهمنا هو: التركيز على الخطيب؛ مع ضرورة توعية المتلقين عند اللزوم للتحري عن دقة مصدر بياناتهم.

أنواع المواقع على الانترنيت:

يمكننا التمييز بين:

  1. مواقع اختصاصية: كموقع الدُرر السَنية، ومركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية، وموقع قواميس اللغة العربية والأجنبية. وهذه المواقع يسهل التعرف على الخلفيات العلمية للقائمين عليها. ويجدر الإشارة إلى أن الاستشهاد بهذه المواقع يحتاج ذكر تاريخ الدخول إليها لأن محتوياتها قد يتغير دون بيان أو انذار مسبق.
  2. مواقع العلماء المشهورين: وهذه المواقع صارت بمثابة الناطق باسمهم؛ فأي قول يُنقل عن أحدهم يجب أن يكون مُثبتاً في موقعه الرسمي؛ وإلا فإن ما يُنقل مشكوك فيه عنه. وكلما كان الموقع ينتمي لفئة https بدلا من http كان أكثر موثوقية.
    إن إشكالية نسب الكلام والمؤلفات قد تعرض لها العلماء قديماً، حيث كان النُساخ منوط بهم نقل ما يقوله العالم والفقيه ثم نقله للناس، ونذكر إشكالية نَسب كتاب الحيل لمحمد بن حسن الشيباني كمثال على ذلك.
  3. مواقع المنتديات: هي مواقع تطرح مواضيع للنقاش يكون أصحابها عادة معروفين، وتخضع النقاشات لرقابتهم، منها ما يكون اختصاصي وموثوق؛ كمنتدى (أهل الحديث) الذي يُقدم النصائح والفتاوى وما شابه، ومنها منتديات غير اختصاصية تقدم معلومات ليست بذات قيمة علمية.
  4. مواقع اجتماعية: هي مواقع عامة للناس يحررون ويضيفون كتابات تخصهم وبالتالي هي تمثل وجهات نظرهم أو وجهات متبناة من قبلهم؛ كالفيسبوك وتويتر مثلا. وهذه المواقع تقدم معلوماتها بالنص والصوت والصورة.
  5. مواقع الويكيبيديا أو الموسوعات مفتوحة المصدر: هذه مواقع يحررها أشخاص مأذونون من مديرو هذه المواقع.

إن المواقع الثلاثة الأولى السابقة يسهل تصنيفها وتتبعها من حيث طبيعتها ومن حيث مذهبها الفقهي وجودتها، ودرجة تشددها وانحرافها؛ بينما يصعب ذلك على النوع الرابع لأن كل موقع يحرره صاحبه باعتباره صفحته الشخصية، وقد لا يمكن معرفة من هو وراء تلك الشخصيات المديرة للصفحة بسبب تخفي الكثيرين خلف أسماء مستعارة في أغلب الحالات. أما النوع الخامس فيمكن لأناس محددين تحرير نصوصه؛ لكن ليس بالضرورة أن يكونوا موثوقين، وما يجب التوقف عنده أن هذه المواقع لها شهرتها في العالم، ولا يمكن تجاهلها؛ ففيها الكثير من البيانات الصحيحة والموثوقة وما دون ذلك.

 

الكتب والمجلات الالكترونية:

تعتبر الكتب الالكترونية بديلا عن الكتب الورقية بغض النظر عن رأي البعض وولعه بالورقية، فهذا تغيير طبيعي يتناسب والتطور العلمي، كما ان معارضته أمر طبيعي أيضاً.

ويعتبر انتشار الصيغ الالكترونية عاملاً حاسماً في جعلها أمراً واقعاً بل ربما يكون هو الشكل الرئيس، والشكل الورقي هو البديل؛ أي أن الأدوار ستنقلب رأساً على عقب.

إن من الكتب الالكترونية ما هو متاح وقابل للتعديل كملفات محررات النصوص TXT,DOC,Pages، ومنها ما هو غير قابل للتعديل كصيغ PDF,iBooks وقد تسمح بعض التقنيات بتعديل جزئي في هذه الملفات؛ لكن من الممكن تتبع هكذا تعديلات بتقنيات محددة.

وقد انتشرت الكتب المصورة عن الأصل الورقي والتي تتاح في ملفات من نوع PDF، وتعتبر هذه الكتب مصدراً مريحاً للبعض؛ بل يعتبرها آخرون الأوثق. ومن المواقع التي تتعامل بمختلف هذه الصيغ: موقع (الشاملة)، وموقع (PDFBooks). 

ولقدبدأت مكتبات عربية عريقة في دخول هذا المضمار كالمكتبة العربية الكبرى arabicmegalibrary.com، وموقع كتب إسلامية kutub-pdf.net، وسيدخل غيرها هذا المضمار حتى لا يجد نفسه على قارعة الطريق؛ أي خارج السوق.

 

يمكن للجميع التواصل معي لأي استفسار أو إضافة أو تعديل. رحم الله الشافعي الذي قال: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

 

لا تنسونا من صالح دعائكم

 

حماة (حماها الله) في الثلاثاء ٢٨-١١-٢٠١٧