لجان عمل مجموعة / مينا فاتف

د. عبد القادر ورسمه غالب

2\1

الأدوار التي تقوم بها مجموعة "مينا فاتف" لا تخفي علي أحد، خاصة المتعلقة بمكافحة غسل الأموال ومحاربة تمويل الإرهاب وتنفيذ أحكام اتفاقيات الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (اتفاقية باليرمو) واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (اتفاقية ميريدا) وكل التوجهات الدولية الإضافية الصادرة في هذه المجالات. ولتتمكن مجموعة "مينا فاتف" من تنفيذ الأدوار المنوطة بها قامت بتكوين لجان متخصصة لضمان تنفيذ الأدوار بصورة سلسة سليمة تعود بالفائدة علي الدول الأعضاء.

ومن الأعمال الهامة، في هذا الخصوص، يجب أن نشير إلي "لجنة الأشخاص السياسيين ممثلي المخاطر" حيث تم إعداد توصيات للاسترشاد بها ومن أهمها تعريف "الأشخاص السياسيين" وتعريف المخاطر المرتبطة بهم وكيفية التعامل مع هؤلاء الأشخاص وتحديد المخاطر (هل مرتفعة أو متوسطة أو منخفضة) مع كيفية التعامل مع كل حالة علي حدة وتحديد مجال الالتزامات المفروضة والاستفادة من تجارب الدول الأعضاء في المجموعة في التعامل مع الأشخاص السياسيين..

وأيضا التعامل مع المتغيرات المرتبطة بالشخص السياسي من حيث جنسيته ووضعه الوظيفي \ الدستوري ومدي تأثيره المباشر أو البعيد ونوع الخدمات التي ستقدم له أو لشركاته أو أقربائه، والجهات الخارجية المرتبط بها الشخص السياسي وكذلك الأطراف المرتبطة به أو الأقارب. وهذه الفئة من المفترض أن تكون قدوة للآخرين وتتنزه عن الصغائر والمصالح ولكن قد نجدهم في الطريق الخطأ. ولذا لا بد من الحذر كل الحذر. 

وهناك أيضا لجنة "الأعمال والمهن غير المالية المحددة" وهذه اللجنة تهتم بتعريف الأعمال والمهن المحددة غير المالية مثل المحاماة والتوثيق والمحاسبة ووكلاء العقارات ومسجلي الشركات والصناديق وتجار الذهب والمعادن النفيسة والأحجار الكريمة وتجار السيارات     واليخوت والأناتيك القيمة الغالية...

ومن واقع تجربتنا، لا بد من القول أن اللجوء إلي هذه الأعمال والمهن يتم بعد أن قامت البنوك بتشديد الرقابة علي غسل الأموال ومحاربتها بضراوة للقضاء عليها عبر عدة توجيهات من أهمها "أعرف عميلك" و"أعرف عميل عميلك" و"أعرف عميل عميل عميلك" ... وهكذا تم تشديد الرقابة وسد المنافذ في البنوك. ولكن نظرا لأن الجريمة بدأت مع بداية الخليقة ولن تتوقف حتى يرث الله الأرض، لجأ المجرمون إلي وسائل بديلة من ضمنها استخدام هذه الأعمال الحرة والمهن الشريفة في تنفيذ عمليات تمويهية باستخدام أموال قذرة يطلبها بعض العملاء كالإيداع المالي والسحب أو عمليات الصرف الأجنبي أو استلام وإرسال التحويلات الدولية للأموال أو شراء وبيع الأسهم أو العقارات أو السيارات أو الرسومات الفنية الغالية أو شراء الذهب والمعادن النفيسة..

وهناك حالات أخطر، حدثت في بعض الدول، مثل رفع الدعاوي الوهمية الصورية بغرض الحصول علي أحكام قضائية لإعطاء صبغة شرعية للأموال أو التلاعب في الحسابات وفبركتها... ولا بد من أن نبين أن بعض أصحاب الأعمال والمهن قد يتم استغلالهم دون علمهم ومن دون أن يكون لهم أدني فكرة في نية الطرف الآخر الإجرامية... ومرت علينا حالات عديدة تم فيها استخدام بعض مكاتب المحاماة ومسجلي الشركات ووكلاء العقارات بل بعض أصحاب المكاتب التجارية ووكلاء الشركات الأجنبية وغيرهم من الأبرياء..

ولهذا تم وضع ضوابط استرشادية وفقا للتوصيات الأربعين الصادرة من فاتف، وتنادي الضوابط  بالحرص علي وضع الأنظمة للحيلولة دون استغلال هذه المهن في غسل الأموال أو تمويل الإرهاب لأن هذا الأمر وارد لحد كبير مما يتطلب وضع التشريعات لتقنين ممارسات هذه المهن والأعمال والإشراف عليها بل مراقبتها لمنع اختراقها لتحقيق المقاصد الإجرامية، مع وضع كل البدائل الضرورية لتمكين العاملين فيها من معرفة و "شم" الجرائم وكيفية تجنبها والتبليغ عنها للجهات الرسمية. وعلي كل دولة اتخاذ الاجراءات الضرورية والقانونية لإصدار التوجيهات المناسبة حيال العمل المهني لكل هذه الجهات لضمان عدم استغلالها في هذه الجرائم البشعة..

هذا وما زال المشوار طويلا، في طريق محاربة غسل الأموال وتمويل الارهاب ومنافذ الفساد، وما زال محفوفا بالصعاب العملية والاجرائية.. ولذا، ما زالت "مينا فاتف" تنظر في تطوير توصيات اللجان الفنية المتخصصة والقيام بتقديم الدراسات وأوراق العمل من أجل توفير أفضل الخدمات لتنفيذ الممارسات السليمة "المنضبطة" في ربوع الدول الأعضاء وبما يحول دون ارتكاب جرائم غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو الجرائم المنظمة أو الفساد في منطقة "المينا" ...

والتي نأمل تنظيفها من جميع الممارسات القذرة غير القانونية، ولتستمر همة "مينا فاتف" العالية في تحقيق هذا الأمل الذي ينشده الجميع..

مجموعة العمل المالي (فاتف) هي هيئة عامة دولية تتولى مهمة دراسة التقنيات واتجاهات غسل الاموال وتمويل الارهاب وإعداد وتطوير السياسات المتعلقة بمكافحة غسل الاموال وتمويل الارهاب محليا ودوليا. وركزت المجموعة، منذ تأسيسها بباريس سنة 1989، جهودها على اعتماد وتنفيذ تدابير ترمي لمواجهة استغلال المجرمين للنظام المالي.وقد أصدرت مجموعة العمل المالي في سنة 1990 سلسلة من التوصيات الهامة، وقامت بمراجعتها سنة 1996 و2003 و2012 ... وغيرها.  لتواكب التطورات التي الخاصة بالتهديدات الناتجة عن غسل الأموال. 

وتضم فاتف عدة مجموعات من ضمنها مجموعة "مينا فاتف"، وهي مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أجل مكافحة غسل الأموال وتمويل الارهاب في هذه المنطقة، وتتخذ مينا فاتف البحرين مقرا لها.

كما ذكرنا في المقال السابق، تقوم مجموعة "المينا فاتف" بمكافحة غسل الأموال ومحاربة تمويل الإرهاب وتقوم بمتابعة تنفيذ أحكام اتفاقيات الأمم المتحدة (اتفاقية باليرمو)  و(اتفاقية ميريدا) وكل التوجهات الدولية الإضافية الصادرة في هذه المجالات الحساسة. ولتتمكن مجموعة "المينا فاتف" من تنفيذ الأدوار المنوطة بها قامت بتكوين لجان متخصصة في عدة مجالات لضمان تنفيذ الأدوار بصورة سلسة وسليمة تعود بالفائدة علي الدول الأعضاء بصفة خاصة والمجتمع الدولي. وذكرنا، لجنة الأشخاص السياسيين ممثلي المخاطر، وأيضا لجنة الأعمال والمهن المالية غير المحددة. ولقد تطرقنا لدور هذه اللجان في المقال السابق.

والآن نشير الي أن من أهم اللجان أيضا "لجنة الحوالة" وهي ممارسة تحويل النقود من بلد لآخر بعيدا عن البنوك كتحويل بديل و "تحويل غير رسمي أو بعيد عن المنافذ الرسمية" حيث يقوم الشخص بتسليم نقود "كاش" لشخص مسافر لبلده أو يسلم النقود لشخص هنا علي أن يقوم عبر طرقه بتسليمها لأهل المرسل في بلده وقد يكون التسليم "من الباب للباب". وهذه الممارسة مستمرة منذ فترة طويلة، خاصة بين المغتربين من آسيا وأفريقيا... وذلك استنادا للثقة العمياء بين الأطراف أو لعدم توفر البنوك ومكاتب الصرافات وصناديق البريد أو ربما للالتفاف علي سعر الصرف المجحف..  لكن ممارسات الحوالة البريئة تم اختراقها بواسطة بعض الأيادي والعقول الإجرامية ولذا ظهرت الحاجة لتقنين هذه الممارسات بل ولحمايتها حتى لا تكون منفذا سائغا لغسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو معبرا للجرائم المنظمة والفساد المفسد بواسطة جهات قد تستغل ممارسة "الحوالة \ الهوالة" البريئة الساذجة. ولذا نشأت الحاجة لدراسة أمر "الحوالات" ومن المهام التي قامت بها اللجنة العمل علي تعريف "الحوالة" وتحديد المخاطر المرتبطة باستغلالها في غسل الأموال أو الإرهاب أو الفساد مع التوصية للدول التي تنتشر فيها ممارسة "الحوالة" بإتباع التوصيات الأربعين الصادرة من مجموعة العمل المالي "فاتف" الخاصة بمكافحة غسل الأموال زائدا التوصيات التسعة الإضافية الخاصة بتمويل الإرهاب مع توجيه الدول بضرورة إصدار التشريعات الضرورية لتقنين النشاط و مراقبته بإنشاء وحدات خاصة لمراقبة "الحوالة" وتوعية الأطراف المرتبطة بها مع الحرص علي تبادل المعلومات بشأن "الحوالة" مع بقية الدول ليكون هناك تنسيق عالمي بين الجميع..أنها..

ولمراقبة نقل "النقود" بين الدول، تكونت لجنة لدراسة أمر مراقبة نقل النقود بين الدول خاصة وأن هذا النشاط قد يوفر مناخا خصبا لغسل الأموال أو تمويل الإرهاب وغير ذلك من النشاطات الإجرامية التي تحرمها الاتفاقيات الدولية التي تلتزم بها مجموعة المينا فاتف. وتمت التوصية بالحرص علي تنفيذ توصيات مجموعة العمل المالي "فاتف" وخاصة الفقرة التاسعة وغيرها من التوصيات المرتبطة بمراقبة حركة تنقل النقود من بلد لآخر نظرا لأن هذا النشاط متوسع.. ونشأت الحاجة أيضا لمراقبة  عمل "المنظمات التطوعية أو الجمعيات الخيرية" خوفا من استغلال الأموال المقدمة لهذه النشاطات الإنسانية، الرفيعة المعاني النبيلة المقاصد، في غسل الأموال والإرهاب والفساد ... و حتى لا يتم استغلال الأهداف الإنسانية النبيلة في تحقيق الأهداف الإجرامية، تنادي التوصيات بوضع التشريعات الضرورية المنظمة للعمل الخيري وكيفية مراقبة الأموال المرتبطة به حتى تتبرأ تماما من كل الشبهات، مع تقديم التوجيهات الارشادية للدول في كيفية تنظيم أعمال الجمعيات الخيرية والأعمال التطوعية الإنسانية من كل النواحي القانونية و الإدارية و التنفيذية و خلافه، و أيضا كيفية تنسيق و تنظيم العلاقات مع الجمعيات التطوعية الأجنبية لأن هذا المنفذ قد يتم استغلاله لتحقيق بعض المآرب الدنيئة خاصة و أن مثل هذه الممارسات ثبتت و تم اكتشاف بعض الحالات و لكن هذا النذر القليل، بكل أسف، أصاب العمل الخيري في مقتل حيث تم وضعه في خانة "الشبهة" و نعلم أن العديد من الجمعيات الخيرية تأثرت كثيرا...

لهذا تم وضع ضوابط خاصة ارشادية وفقا للتوصيات الأربعين الصادرة من فاتف، و تنادي الضوابط  بالحرص علي وضع الأنظمة للحيلولة دون استغلال هذه المهن في غسل الأموال أو تمويل الإرهاب لأن هذا الأمر وارد لحد كبير مما يتطلب وضع التشريعات لتقنين ممارسات هذه المهن  والأعمال و الإشراف عليها بل مراقبتها لمنع اختراقها لتحقيق المقاصد الإجرامية، مع وضع كل البدائل الضرورية لتمكين العاملين فيها من معرفة و "شم" الجرائم و كيفية تجنبها و التبليغ عنها للجهات الرسمية ..

وما زال المشوار طويلا ومحفوفا بالصعاب وعلي "مينا فاتف" مواصلة التنسيق مع "فاتف" ومواصلة هذا المشوار حتي تتم محاربة كل هذه الجرائم بشتي السبل لجعل المنطقة آمنة ومعافاة، وهذا سيحقق الرخاء والأمن للجميع في العالم وفي منطقة ال "مينا"..