البيع نقداً وإلى أجل

من ضروريات الحياة أن يكون تبادل للمنافع بين الناس، وأن يحصل كل فرد على ما يحتاجه من شؤون حياته لتنظيم الحياة ويعمر الكون، ولذلك أحل الله سبحانه وتعالى البيع الذي هو عقد مقابلة مال بمال على وجه مخصوص ، وأركانه البائع والمشتري والثمن والمثمن (المبيع) وإيجاب وقبول. وحرم الله سبحانه وتعالى الربا لما فيه من أضرار اجتماعية واقتصادية وأخلاقية. وجعل البيع عن تراض ، وحرم الغش والتدليس والغرر والاستغلال والغبن الفاحش ، وحث المسلم على أن يكون سمحاً في بيعه وشرائه، وقضائه واقتضائه كما ورد ذلك في الأحاديث النبوية الشريفة.

وأجاز الشارع الحكيم للمسلم أن يشتري ويدفع الثمن نقداً كما أجاز له أن يؤخره إلى أجل بالتراضي.

وقد اشترى النبي r طعاماً من يهودي لنفقة أهله إلى أجل ورهنه درعاً من حديد.

وقرر الشارع أن عقد البيع متى كان صحيحاً فعلى المشتري أن يدفع الثمن المتفق عليه على حسب مقتضى العقد حالاً أو مؤجلاً دون زيادة يفرضها عليه البائع، وان لا يماطل بالدفع أو يؤخره عن موعد استحقاقه لأن ذلك ظلم للبائع. أما إذا أخبر البائع المشتري بأن هذا المتاع، أو هذه البضاعة سعرها نقداً بكذا، وغلى أجل بكذا، ثم تم العقد على سعر واحد، فإن هذه الزيادة في الثمن التي يفعلها كثير من التجار الذين يبيعون بالتقسيط أو إلى أجل فيها خلاف بين الفقهاء.

فمنهم من حرم هذا النوع من المبيع مستنداً إلى أنه زيادة في المال مقابل الزمن فأشبه الربا. وهذا القول مردود لأن تعريف الربا هو "فضل خال عن عوض". وهذا الفضل مشروط لأحد العاقدين في العقد، وذا يكون إذا اتحد الجنس في البدلين كحنطة بحنطة مثلاً وذهب بذهب... والزيادة المذكورة ليست من الربا في شيء لأنها غير داخلة في حدِّه وتعريفه. والجنس مختلف، وأجزاء المبيع مقابلة كلها بكل أجزاء الثمن، فليس من الربا الذي هو الفضل الخالي عن العوض. وما ورد من أنه  r نهى عن بيعتين في بيعة واحدة لا يدخل ضمن هذا القول. نعم قد يرد فيما إذا عقد على السعرين بآن واحد كأن يقول: بعتك نقداً بكذا وإلى أجل بكذا لما فيه من الجهالة والإبهام. أما إذا جرى العقد على سعر واحد فلا يدخل في هذا المضمون أبداً.

ومنهم من كره ذلك لما فيه من القسوة وعدم الشفقة، وقد يكون لهذا القول اعتباره في الكراهة إذا وصلت الزيادة إلى حد غير مقبول ولا معقول، أو كان هناك استقرار اقتصادي ووفرة في البضائع واستقرار في الأسعار. أما عندما تتشابك المصالح والعلاقات التجارية وينعدم الاستقرار، وتتبلبل الأمور الاقتصادية، وتمسي العملة في قيمة وتصبح في أخرى، كل ذلك مما ينفي الكراهة. وكم من مشتر إلى أجل استفاد أكثر ممن باعه بكثير وكثير. ومعلوم أن العملة أصبحت قيمتها في حركتها وإلا فقدت الجزء الأكبر من قيمتها.

ومنهم من أجازه وهم جمهور العلماء لأن الأصل الإباحة ولم يرد نص بتحريم، وليس مشابهاً للربا من جميع الوجوه. وللبائع أن يزيد في الثمن لاعتبارات يراها ما لم تصل إلى حد الغبن الفاحش والظلم البين وإلا صارت حراماً من حيث هو.

وقال الإمام الترمذي في سننه: 3/533" إذا قال البائع: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على أحد منهما".

ويقول الدكتور رفيق المصري في كتاب(الجامع في أصول الربا): "من الجائز زيادة الثمن في مقابل الأجل، ويردد أكثر الفقهاء قديماً وحديثاً أنها جائزة لأن للزمن قيمة مالية في المبادلات. وحديث النهي عن بيعتين في بيعة فسره بعضهم بأن يقول: بعتك بألف نقداً وبألف ومئة مثلاً نسيئة. والراجح أنهم منعوه لما في هذا العرض من إبهام ، أما لو قال: قبلت بألف نقداً ، أو بألف ومئة نسيئة صح ذلك. فبيع السلعة بمئة وعشرين نسيئة لا يعني بحال من الأحوال قرضاً بمئة يرد بمئة وعشرين، لأن المبادلة في البيع هي سلعة بنقد، أما في القرض فهي نقد بنقد، والفرق أيضاً أن القرض تبادل متجانسين، والبيع تبادل مختلفين، والقرض عقد إرفاق، والبيع عقد معاوضة".

وفي(تنبيه العوام): ص 61 "مما يظنه العامة من الحرام أن يبيع البائع شيئاً لمدة بثمن أكثر مما يبيعه به حالاً مع أن هذا البيع ليس فيه شيء من الحرمة سواء بين البائع في المجلس ثمنه حالاً ومؤجلاً أم بين ثمنه مؤجلاً فقط، لأن ابن عابدين نص على أن الأجل له قسط من الثمن".

فالزيادة في الثمن ينبغي أن تكون قبل إبرام العقد حتى تكون أجزاء المبيع مقابلة كلها بأجزاء الثمن، كأن يقول: هذا نقداً بكذا وإلى أجل بكذا ثم يبرم العقد على أحد السعرين.

أما إذا زيد في الثمن بعد إبرام العقد فلا يجوز، كما إذا اتفقا على ثمن معين حال ثم لما رأى البائع أن المشتري تأخر عن أداء الثمن عمد إلى الزيادة فهذا لا يجوز أيضاً.

راجع كتاب ردود عل أباطيل لسيدي الشيخ محمد الحامد رحمه الله تعالى: 1/17، 2/196.

راجع كتاب الحلال والحرام للدكتور يوسف القرضاوي: ص220، الطبعة الرابعة.

راجع كتاب الفقه المنهجي للشيخ الخن والبغا والشر بجي: 6/37

راجع كتاب المعاملات المصرفية والربوية للدكتور نور الدين العتر: ص 125-126

راجع كتاب في أحكام المعاملات للشيخ عبد القادر الخوجة الحمصي وتقديم الشيخ محمد الحامد رحمهما الله تعالى: ص14

راجع كتاب الجامع في أصول الربا للدكتور رفيق يونس المصري: ص312 وما بعدها.

راجع كتاب تنبيه العوام للشيخ أحمد فاضل الأريحوي: ص61.