Home Search Forums About Us Contact
Banking & Financing Economics Insurance Sukuk Accounting Legislation
Economics

مفاهيم إسلامية في النقود والفرق بين الإكت
المسلم المعاصر، عدد 14،ربيع الثاني جمادى الثاني، 1398هـ/ أبريل- يونيو، 1978، ص 97-109
- By الدكتور شوقي اسماعيل

النقود مال نام حكما وبالقوة:

يقول السرخسي: الذهب والفضة خلقا جوهرين للأثمان لمنفعة التقلب والتصرف فكانت معدة للنماء على أي صفة كانت.

ويقول ابن قدامة: ((الأثمان هي الذهب والفضة، والأثمان قيم الأموال ورأس مال التجارات، وبهذا تحصل المضاربة والشركة، وهي مخلوقة لذلك، فكانت بأصل خلقتها كمال التجارة)). والمضاربة الشرعية (المقارضة) هي شركة بمال من جانب رب المال وعمل من جانب آخر هو جانب المضارب بحصة شائعة معلومة بينهما في الربح.

ويقول الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة[1]: والنقود لا تنمو بذاتها ولكنها تنمو باستخدامها في التجارة أو الصناعة، وهي قد خلقت لذلك فهي لا تشبع الحاجات بنفسها ولكن تشبعها بما تتخذ وسيلة في جلبه، وهي مقياس القيم للأشياء، وموازين الأموال، بها تعرف ماليتها، فهي بشكل عام مقاييس الأعيان والمنافع، بها تحد وتعرف، ولهذا عدت مالا ناميا بالقوة وان بقيت في الخزائن لم تخرج منها، ولأنه كان ينبغي أن يخرج ويمد العمران بحاجاته ويشبع النواحي الإجتماعية والإقتصادية والشخصية، ولا تكون كالماء الآسن الراكد الذي يفسده الركود ويغيره الإختزان ويجعله مأوى للمفاسد، فإذا كانت عدت مالا ناميا بالقوة فلأن الشارع الإسلامي حريص على أن تبرز النقود إلى الوجود عاملة متحركة مقيمة وسائل الإستغلال على دعائم من العلم صالحة قويمة.

ولهذا تجب زكاة المال في النقود متى بلغت نصابا وحال عليها الحول ولم يكن لها نماء حقيقة وبالفعل لأنها مال نام حكما وبالقوة والزكاة متعلقها الأموال ذات النماء بالقوة أو بالفعل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثـمِّروا أموالكم فإن الزكاة تكاد تأكلها)).

حتمية تزاوج النقود مع عنصر أو أكثر من عناصر الإنتاج كشرط أساسي لنموها بالفعل:

لكي تنمو النقود بالفعل يتعين في الفقه الإسلامي أن تتزاوج وتتضافر وتشترك مع عنصر أو أكثر من عناصر الإنتاج الأخرى، والصورة التي تنمو فيها النقود ذاتيا بأقراضها بفائدة هي ربا حرّمه القرآن، والزيادة على رأس المال النقدي عن طريق الأقراض وفي مقابل الزمان والإمهال والإنتظار كسب خبيث، لأنه بغير عوض ولا يمكن جعل الإمهال والزمان عوضا إذ الإمهال والزمان ليسا بمال حتى يكونا في مقابلة المال. وطريق الربح الحلال والنماء الطيب الذي رسمه الإسلام هو طريق الشركة لا القرض حيث يتزاوج ويشترك رأس المال النقدي مع عنصر أو أكثر من عناصر الإنتاج الأخرى ويسهم في تمويل المشروعات الإقتصادية بالمشاركة في الربح والخسارة ويكون الغنم بالغرم، وقد أقر الإسلام شركة المضاربة الشرعية (المقارضة) وهي شركة بمال من جانب المال وعمل من جانب آخر هو جانب المضارب بحصة شائعة معلومة بينهما في الربح، وبتزاوج رأس المال النقدي والعمل يطيب المال ويطيب الإقتصاد القومي وتطيب النفوس.

قال الأستاذ الدكتور محمد عبد الله درّاز في مؤتمر القانون الإسلامي المنعقد في باريس في سنة 1951 ((أما أن الربح ليس ثمرة عنصرٍ واحدٍ، بل ثمرة عنصرين متزاوجين فذلك حق لا شبهة به وليس لنا أن نتلكأ في قبوله غير أن المعارضين قد فاتهم شيء جوهري وهو أنه بمجرد عقد العرض أصبح العمل ورأس المال في يد شخص واحد. فإذا أصررنا على أشراك المقرض في الربح الناشيء وجب علينا في الوقت نفسه أن نشركه في الخسارة النازلة إذْ كل حق يقابله واجب، ومتى قبلنا أشراك رب المال في الربح والخسر معًا انتقلت المسألة من موضوع القرض إلى صورة مقابلة أخرى، وهي الشركة التضامنية الحقيقية بين رأس المال والعمل، وهذه الشركة لم يغفلها القانون الإسلامي بل أساغها ونظمها تحت عنوان المضاربة أو القراض.

هذا وإذا لم تتزاوج وتشترك النقود مع عنصر أو أكثر من عناصر الإنتاج لتثمير رأس المال النقدي بالفعل فإنها تخضع بوصفها مالا ناميا حكما وبالقوة لإستقطاع مالي سنوي نظمته زكاة المال حتى تكاد تأكلها. ولا شك في أن هذه الوظيفة الإقتصادية لزكاة النقود تلعب دورًا هامًّا وبارزًا في إتاحة السيولة النقدية اللازمة وتوفير مصادر التمويل الداخلي للمشروعات الإقتصادية، وقد أسلفنا أن التمويل في الإقتصاد الإسلامي طلبا للربح طريقه وسبيله هو الشركة لا القرض بالفائدة الربوبية، وأن نماء النقود عن طريق الإستثمار هو النماء الحلال الطيب، أما بطريق القرض بالفائدة فهو كسب خبيث وربا حرّمه القرآن والسنة.

مفهوم الإكتناز في الفقه الإسلامي:

قال سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنّ كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله والذين يكنـزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم وظهورهم هذا ما كنـزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنـزون﴾[2] وقال تعالى: ﴿كلاّ إنها لظى نزّاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى﴾[3].

يقول الإمام القرطبي[4]: واختلف العلماء في المال الذي أديت زكاته هل يسمّى كنـزًا أم لا، فقال قوم نعم: ما أديت زكاته فليس بكنـز. قال ابن عمر: ما أدى زكاته فليس بكنـز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنـز وإن كان فرق الأرض.

ويقول ابن كثير[5]: وأما الكنـز فقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة. وروى الثوري وغيره عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: ما أدى زكاته فليس بكنـز وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهرا لا تؤدى زكاته فهو كنـز.

ويقول الشيخ طنطاوي جوهري[6]: المراد بالمال المكنوز ما لم تؤدّ زكاته ولو لم يكن مكنوزا. قال صلى

الله عليه وسلم: ((ما أدى زكاته فليس بكنـز)) أي ليس بكنـز أوعد عليه.

وقال الأستاذ الدكتور محمد عبد الله العربي[7]: قالتقتير وما يقترن به من إكتناز الذهب والفضة أو غيرهما من وسائل النقد يحول دون نشاط التداول النقدي، وهو ضروري لإنتعاش الحياة الإقتصادية في كل مجتمع. فحبس المال تعطيل لوظيفته في توسيع ميادين الإنتاج وتهيئة وسائل العمل للعاملين.

وقد أثار الإمام القرطبي مسألة ((من لم يكنـز ومنع الإنفاق في سبيل الله))، فقال: قال علماؤنا: ظاهر الآية تعليق الوعيد على من كنـز ولا ينفق في سبيل الله، وينهض للواجب وغيره، غير أن صفة الكنـز لا ينبغي أن تكون معتبرة فإن من لم يكنـز ومنع الإنفاق في سبيل الله فلا بد من أن يكون كذلك، إلا أن الذي يخبأ تحت الأرض هو الذي يمنع إنفاقه في الواجبات عرفا فلذلك خصّ الوعيد به.

ومفهوم الإكتناز في الفكر الإسلامي يشمل منع الزكاة وحبس المال: ومنع الزكاة منعٌ للانفاق في سبيل الله؛ لأن الزكاة واجبة في سبيل الله وحق ثابت في المال. وإيجاب الزكاة في المال النامي بالقوة أو بالفعل ينطوي ضمنًا على محاربة إكتناز النقود وتجسيدها وحبسها وتعطيلها عن أداء وظائفها الأساسية، إذ أن النقود مال نام حكما وبالقوة وإيجاب الزكاة فيها ولو لم يكن لها نماء بالفعل مدعاة لعدم إكتنازها، بل أنه مدعاة لتوجيهها للإستثمار والتنمية لكي يكون إخراج زكاتها من النماء لا من رأس المال. يقول الزيلعي: إن الواجب جزء من الفضل لا من رأس المال لقوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ أي الفضل، والنمو إنما يتحقق في الحول غالبا فأقيم السبب الظاهر وهو الحول مقام المسبّب وهو النمو، قال صلى الله عليه وسلم: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)) ولذلك ضرب الحول مدة لتحصيل النماء.

أبو ذر ومفهوم الكنـز:

يقول الإمام القرطبي: ((وقيل الكنـز ما فضل عن الحاجة. روي عن أبي ذر وهو مما نقل مذهبه، وهو من شدائده: ومما انفرد به رضي الله عنه. قلت: ويحتمل أن يكون مجمل ما روي عن أبي ذر في هذا ما روي أن الآية نزلت في وقت شدة الحاجة وضعف المهاجرين وقصر يد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كفايتهم ولم يكن في بيت المال ما يشبعهم وكانت السنون جوائح هاجمة عليهم، فنهوا عن إمساك شيىء من المال إلا قدر الحاجة. ولا يجوز إدخار الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت. فلما فتح الله على المسلمين ووسّع عليهم أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلّم في مئتي درهم خمسة دراهم وفي عشرين دينار نصف دينارًا، ولم يوجب الكل وأعتبر مدة الإستنماء فكان ذلك منه بيانا صلّى الله عليه وسلّم.

ويقول : روى أبو داود عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿والذين يكنـزون الذهب والفضّة﴾ قال: كبر ذلك على المسلمين فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق فقال: يا نبي الله، إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم)). قال: فكبر عمر. ويقول الإمام القرطبي: قرر الشرع ضبط المال وأداء حقه. ولو كان ضبط المال ممنوعًا لكان حقه أن يخرج كله وليس في الأمة من يلزم هذا. وحسبك حال الصحابة وأموالهم رضوان الله عليهم)).

قلت: هذا الذي يليق بأبي ذر رضي الله عنه أن يقول به، وإن ما فضُل عن الحاجة ليس بكنـز إذا كان معدا لسبيل الله.

الفرق بين إكتناز النقود والإدّخار في الفكر الإسلامي:

وعلى هذه فإن الإدّخار يختلف عن الإكتناز المنهى عنه، وكل ما فضل عن الحاجة وهو يمثل الإدّخار على المستوى الفردي ليس بكنـز إذا كان معدا لسبيل الله، وسبيل الله هو سبيل النفع والخير العام وسبيل المصلحة العامة وسبيل إعلاء كلمة الله ونصرة الإسلام وأهله وقوتهم.

فإذا ادخر الشخص بعض ماله وأمسك الفضل من كسبه الطيب - بعد إنفاقه القصد- وقدّمه لمواجهة إهتمالات المستقبل وليوم فقره وحاجته فليس ذلك بكنـز. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ((رحم الله إمرأ إكتسب طيبًا، وأنفق قصدًا، وقدّم فضلاً ليوم فقره وحاجته)).

وإذا أمسك الشخص بعض ماله عُدّة للسيولة النقدية فليس ذلك بكنـز. قال صلى الله عليه وسلم: ((لا عليك أن تمسك بعض مالك فإن لهذا الأمر عدة)). وقال صلوات الله وسلامه عليه: ((أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)).

والنماء والتنمية تتحقق بالإستثمار لا بكنـز المال وحبسه، لذلك كان الإستثمار وكانت التنمية إعدادا لسبيل الله وقوة للمسلمين، وكان الإكتناز صدّا عن سبيل الله.

إن المال المزكّى وهو مال نام يمر في كل حول بعملية أو عمليات إستثمارية ليكون إخراج زكاته من نمائه لا من رأسماله. وبذلك يطيب المال ويطيب المجتمع بأداء زكاته ويطيب به مالكه ويطيب به الإقتصاد القومي بإستثماره ومداومة الإستثمار.

بعض صعوبات محاربة الإكتناز وتعبئة المدخرات الصغيرة في الدول النامية:

يقول...هانسون في العمل على إبطال عادة الإكتناز وتنشيط الإدّخار وتعبئة المدخرات الصغيرة. وقد يقال أحيانا: أن في متناول الحكومة وسيلة أسهل لتعبئة المدخرات الصغيرة وتتلخّص كما يرى البعض في إستيلاء الحكومات على المكتنـزات وقد تبلغ في جنوب آسيا والشرق الأوسط ما يقرب من 10 في المائة من الدخول القومية. وإذا انطلقت هذه المكتنـزات من مكامنها، وأنفقت في فترة خمسة أعوام فإنها قد تُسهم في تكوين رأس المال سنويًّا بما يبلغ 2 في المائة من الدخول القومية، ولكن العيب الواضح في هذه المكتنـزات هو صعوبة تحديد مكانها وصعوبة الإستيلاء عليها.

الإسلام يتغلب على تلك الصعوبات في محاربة الإكتناز بمخاطبة ضمائر الكانزين وتوعدّهم واعتبار الإكتناز صدّا عن سبيل الله:

إن الصعوبات التي تكتنف تحديد مكان المكتنـزات يتغلب عليها الإسلام بالنهي في تعاليمه عن الإكتناز واعتباره صدّا عن سبيل الله، وقد توعّد الله الكانزين بالعذاب الأليم في الآخرة ليذوقوا جزاء ما كنـزوا لأنفسهم وجزاء صدّهم عن سبيل الله وإضرارهم بالناس وتعطيلهم للوظائف الأساسية للنقود. وهكذا فإن الإسلام بمخاطبة الضمير الإنساني ومن خلال عقيدة الجزاء والثواب والعقاب من الله سبحانه وتعالى يستأصل شأفة الإكتناز ليرسى في النفوس مبدأ الإنفاق في سبيل الله والإدّخار إعداد لسبيل الله، واستثمار المال ومداومة استثماره. وكل إنفاق في غير معصية على إستهلاك وعلى الإستثمار هو إنفاق في سبيل الله.

وقد كان عمر بن الخطاب أبو المالية والإقتصاد الإسلامي ينصح المسلمين بالإدّخار من عطائهم وإستثماره. فقد روى خالد بن عرقطة القدري أن عمر بن الخطاب وضي الله عنه قال له: ((فلو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء ابتاع منه غنما فجعلها بسوادهم فإذا خرج عطاؤه ثانية ابتاع الرأس والرأسين فجعله فيها فإن بقي أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه وإني لأعمّ بنصيحتي من طوقني الله امره فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من مات غاشًّا لرعيته لم يرح ريح الجنة)). ها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوجه ما فضل عن الحاجة لا للإكتناز، بل للإدخار والإستثمار ومداومة الإستثمار.

ابن خلدون ومفهوم الإكتناز وإنكماش التيار النقدي على المستوى الحكومي:

يقدم ابن خلدون مفهوما للإكتناز وحبس المال على المستوى الحكومي فيقول: فإذا احتجن السلطان الأموال أو الجبايات أو فقدت فلم يصرفها في مصارفها قل حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية، وانقطع أيضا ما كان يصل منهم لحاشيتهم وذويهم، وقلت نفقاتهم جملة وهو معظم السواد، ونفقاتهم أكثر مادة للأسواق مما سواهم، فيقع الكساد حينئذ في الأسواق وتضعف الأرباح في المتاجر فيقل الخراج لذلك، لأن الخراج والجباية إنما يكون من الإعتماد والمعاملات ونفاق رواج الأسواق وطلب الناس للفوائد والأرباح، ووبال ذلك عائد على الدولة بالنقص لقلة أموال السلطان جينئذ بقلة الخراج. فإن الدولة كما قلنا هي السوق الأعظم أم الأسواق كلها وأصلها ومادتها في الدخل والخراج، فإن كسدت وقلت مصارفها فأجدر بما بعدها من الأسواق أن يلحقها مثل ذلك وأشد منه.

وأيضا فالمال إنما هو متردد بين الرعية والسلطان منهم إليه ومنه إليهم، فإذا حبسه السلطان عنده فقدته الرعية، سنة الله في عباده.

وقد أورد ابن خلدون نص الكتاب المشهور الذي كتبه طاهر بن الحسين لابنه عبد الله بن طاهر لما ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما عهد إليه فيه ووصّاه بجميع ما يحتاج إليه في دولته وسلطانه، ومما كتبه في هذا الكتاب ما نحن بصدده:

((وأعلم أن الأموال إذا كنـزت وادّخرت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في صلاح الرعية وعطاء حقوقهم وكف الأذية عنهم نمت وزكت وصلحت به العامة وبرحت به الولاية وطاب به الزمان وأعتقد فيه العز والمنفعة.

فليكن كنـز خزانتك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ووفر منه أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم، وأوف من ذلك حصصهم، وتعهد ما يصلح أمورهم ومعايشهم، فإنك إذا فعلت قرّت النعمة لك واستوجب المزيد من الله تعالى، وكنت بذلك على جباية أموال رعيتك وخراجك أقدر، وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أساسًا لطاعتك.

وإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل الله وفي حقه.

وأعلم أنك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا وإنما سمى أهل عملك رعيتك؛ لأنك راعيهم وقيمهم فخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ونفّذه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم. وأنظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزا ورفعة لأهله توسعة ومتعة موزعة بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم، ولا تأخذون منه فوق الإحتمال له ولا تكلف أمرًا فيه شطط.

وأعرف ما تجمع عمّالك من الأموال وما ينفقون:

وهكذا يقرر ابن خلدون وغيره منذ أكثر من ستة قرون أن المال يتردد بين الرعية والسلطان، منهم إليه ومنه إليهم، وهو ما يقرره أساتذة وعلماء الإقتصاد من وجود تيار نقدي متدفق من الأفراد إلى الدولة ومن الدولة إلى الأفراد، وأن توسيع أو انكماش التيار النقدي يمكن أن ينشأ في أي نقطة من الدورة النقدية. ويحذر ابن خلدون وغيره الحاكم من الآثار السيئة الوبيلة التي تترتب على حبس الإيرادات العامة وأموال الدولة في خزائنها ويؤكدون أهمية الإنفاق الحكومي في شتى صوره وآثاره الإقتصادية والإجتماعية والسياسية.

والظيفة الإقتصادية لمصارف الزكاة في دعم الدورة النقدية وتوسيع التيار النقدي:

من المقرر أن هناك تيارين: تيارا سلعيا وتيارا نقديا يسيران في إتجاهين متضادّين ويكمل أحدهما الآخر. وتتمثل الدورة النقدية في أن الأفراد يحصلون على دخل نقدي ويتقاضون نقودا من المنشآت مقابل عرضهم للخدمات وعوامل الإنتاج المختلفة، ثم يقوم الأفراد بدورهم بإستخدام هذا الدخل النقدي لمواجهة الإنفاق على الإستهلاك وشراء السلع الإستهلاكية مما يغذي المنشآت بدخل نقدي من عمليات البيع لتبدأ الدورة النقدية من جديد وهكذا.

والأصل في المسلم أن يعمل ويكتسب ويسهم بكسبه في الدورة النقدية وفي تغذية تيارها النقدي. والإسلام يعتبر العمل عنصرًا اساسيًا من عناصر الإنتاج، بل يجعل العمل ضربًا من العبادة. وقد يكون المسلم قويا قادرا على الإكتساب إلا أنه كما يقول أبو عبيدة ((في كتاب الأموال)) قد يكون مكدودا عن الرزق وهو في ذلك مجتهد في السعي على عياله حتى يعجزه الطلب، فإذا كانت هذه حاله فإن له جينئذ حقًّا في أموال المسلمين يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾. وبعبارة أخرى قد يكون قويا قادرا على الإكتساب ولكنه يعاني من البطالة الإجبارية.

ولذلك تسد مصارف الزكاة للفقراء والمساكين الثغرة بين الدخل والإنفاق على الإستهلاك العائلي لعديمي أو محدودي الدخل في شكل مال نقدي يستخدمونه للإنفاق على الإستهلاك العائلي وشراء ما يحتاجون من السلع والخدمات التي يرغبون فيها، أو بتقديم الزكاة في شكل عيني لإستخدامها مباشرة في إشباع رغباتهم. والعبرة في الأداء النقدي أو العيني بأيهما أيسر وأسهل وأكثر ملاءمة في كل زمان ومكان. يقول أبو عبيدة ((كتاب الأموال، ص 427)): ((إنا قد وجدنا السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنه قد يجب الحق في المال ثم يحول إلى غيره مما يكون اعطاؤه أيسر على معطية في الأصل)). وروي سحنون عن الإمام مالك ((المدوّنة الكبرى ج 2، ص 91)) قوله: ((إن من كره الأداء النقدي للزكاة فذلك مخلفة، وإن بعض من يدفع الزكاة من يكره ذلك الأداء النقدي وإن كان البعض الآخر قد لا يرى به بأسا)) ويقول ابن رشد: ((بداية المجتهد ج 1، ص 242)): ((والحنفية تقول إنما خصّت بالذكر أعيان الأموال تسهيلا على أرباب الأموال)).

ومصرف الغارمين وهو الذين ركبهم الدَين ولا وفاء عندهم يمد من ركبه الدَين في غير معصية في مصالح نفسه أو في مصلحة عامة بالمال النقدي إذا أحاط الدين بماله ولم يف ما عنده بدينه. وقد يكون الغارم تاجرًا لزمته ديون تجارية وهو يحسن تدبير تجارته. يقول الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة: ((وإن الإسلام يجعل الديون العادلة تؤدّى من بين مال الزكاة، وقد سبق الشرائع الإنسانية كلها سبقا بعيدا وخصوصا الشرائع التي عاصرت نشأته، وحسبك أن تعلم أن القانون الروماني في بعض أدواره كان يسوغ للدائن أن يسترق المدين، أما شريعة اللطيف الخبير فقد جعلت دين المعسر تؤدّيهِ الدولة عنه)) ويقول: ((ويصح بالقياس على ذلك أن يقرض من مال الزكاة القرض الحسن، لأنه إذا كانت الديون العادلة تؤدى من الزكاة فأولى أن تعطى منها القروض لترد إلى بيت المال)).

إما مصرف ((في سبيل الله: فإذا قصرنا مفهومه على الصرف على القتال والجهاد في سبيل الله وإعداد وتجهيز الجيوش والقوات المسلّحة فهو الإنفاق العسكري وهو إنفاق على إستهلاك من سلع وخدمات. وإذا توسعنا في مفهومه على أنه الصرف فيما يعم كل مصالح المسلمين، فهو الإنفاق في جميع وجوه الخير والنفع والمصلحة العامة وهو أيضا إنفاق على الإستهلاك مع سلع وخدمات.

وبصفة عامة فإن مصارف الزكاة تؤدى إلى زيادة الإنفاق الكلي على الإستهلاك سواء على الإستهلاك الفردي والعائلي أو على الإنفاق العسكري الحكومي مما يتولد عنه طلب قد يؤدي إلى زيادة حجم الوظائف. وتلك التعديلات بالزيادة في الإنفاق الكلي على الإستهلاك التي تؤدي إليهما مصارف الزكاة ذات أهمية في تحقيق مستوى أعلى من التوظف في الإقتصاد القومي يعمل على تحقيق زيادة في الإستثمار، بالإضافة إلى أن مصارف الزكاة تعمل على دعم الدورة النقدية وتوسيع التيار النقدي.

وتجدر الإشارة إلى أنه لما كان القرض الحسن وهو قرض بدون فوائد يجوز تقديمه من مال الزكاة كما أسلفنا، فإن بيت مال الزكاة يلعب بذلك دورا هاما كمؤسسة للقرض الحسن في زيادة حجم الأموال النقدية المتاحة للأقراض في قروض إجتماعية أو في قروض إنتاجية كما يعمل على دعم الإئـتمان.

وفضلا عن مصارف الزكاة توجد مصارف الكفّارات كالكفارة في الحج، والكفارة في الصيام، وكفارة حلف اليمين، وكفارة الصيد في الأحرام. وتوجد مصارف النذور. وغير ذلك من الحقوق الواجبة الثابتة في المال في محيط الأسرة والتكافل الأسري كالإنفاق على الوالدين في حالة العجز عن الكسب. وهي كلها روافد تمد تيار الإنفاق على الإستهلاك العائلي، يضاف إلى ذلك الإنفاق الاختياري على سبيل التطوّع والندب.

وهكذا فإن مصارف الزكاة تؤدي وظيفة إقتصادية هامة بما تـتيحه من دخل نقدي للأفراد عديمي الدخل ومحدودي الدخل، وما تمدهم به من قوة شرائية للإنفاق على الإستهلاك، ولاشك أن ذلك يعمل على دعم الدورة النقدية وعلى تحقيقٍ تناسُبٍ ملائم بين التيار السلعي والتيار النقدي.

وقد بينا في مقالنا السابق أن النماء والتنمية يتحققان بالإستثمار لا بكنـز المال وحبسه، ولذلك كانت التنمية إعدادا لسبيل الله وقوة، كما بينا أن المال المزكى وهو ما نام يمر في كل حول بعملية أو عمليات إستثمارية ليكون إخراج زكاته من نمائه لا من رأس المال حتى لا تأكله الزكاة. ولاشك في أن زكاة المال وزكاة النقود تؤدي وظيفة إقتصادية هامة في الإستثمار والتنمية، وفي إتاحة السيولة النقدية والتمويل الداخلي للمشروعات الإقتصادية، وهذا إجمال له تفصيل باذن الله.

وتنـتقل إلى الكلام عن (وحدة النقود). في الفكر الإسلامي الإقتصادي وهو الدينار الشرعي والدرهم الشرعي.



* أستاذ النظم المحاسبية في الإسلام بجامعة الملك عبد العزيز بجدة.

[1] مجلة لواة اللإسلام العدد السادس السنة الرابعة ص 439.

[2]سورة التوبة : 34-35.

[3]سورة المعارج : 15- 18.

[4]الجامع لأحكام القرآن.

[5]تفسير القرآن العظيم، ص

[6]الجواهر في تفسير القرآن الكريم، جزء 4، ص 94.

[7]النظم الإسلامية الإقتصادية، ص 116.

  Printer Friendly      Email this Article

More Articles :-
  مفهوم ومبادئ إسلامية في المال والتجارة وا
    - By د.شوقى إسماعيل شحاته - 04 May 2005
  مدخل إسلامي إلى علم الإقتصاد
    - By د. محمد نجاة الله صديق - 04 May 2005
  نظريات الفائدة في الفكر الإقتصادي
    - By محمود عارف وهبة - 04 May 2005
  اتّجاه إسلاميّ لدوافع وحوافز العاملين
    - By د. حامد رمضان بدر - 10 Apr 2006
 
© 2005 FinanceInIslam.com
Advertising | Contact | Feedback