المصرفية الإسلامية والأزمة

د. عبد الله بن محمد العمراني

لقد حققت المصرفية الإسلامية نمواً كبيراً خلال السنوات الماضية، ومن المؤكد أن الأزمة المالية العالمية الحالية قد قدمت فرصة كبيرة للمصرفية الإسلامية للتوسع والانتشار، بسبب انهيار عدد من المؤسسات المالية التقليدية في مقابل عدم انهيار أيٍّ من المؤسسات المالية الإسلامية، بل إن كثيراً من البنوك الإسلامية حققت أرباحاً في ظل الأزمة المالية ولم تتأثر بشكل مباشر حسبما أفادته بعض التقارير والدراسات التي كنت أطمع أن تكون دراسات أكثر دقة ومواكبة صادرة عن مراكز متخصصة في هذا المجال. وعلى كل حال فإن من أهم أسباب الأزمة المالية العالمية التعامل بمعاملات محرمة كالتعامل بالربا وتداول الديون، والتعامل بالمشتقات المالية المبنية على الغرر والتغرير وضعف التثمين والتقييم العادل إلى غير ذلك من الأسباب التي جاءت الشريعة الإسلامية بتحريمها ومنعها ليتحقق النظام الاقتصادي العادل.

والمتأمل في الأصول التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي يتضح له أن التعامل إنما هو في سلع وأصول حقيقية يتحقق منها النفع والخير لطرفي المعاملة في السوق بخلاف الأدوات التقليدية المبنية على الظلم والاستغلال. وأعود لأقول كما قال غيري إن الأزمة فتحت أعين الناس على المبادئ التي تقوم عليها المصرفية الإسلامية والأصول التي تحكمها عندما صمدت أثناء الأزمة وقدمت نموذجاً واقعياً للعالم، وهو صمود موعود بالنمو خلال السنوات المقبلة وهو ما تؤكده التقارير المختصة مثل تقرير (أرنست آند يونغ) الذي يشير إلى أن 90 في المائة من مواطني دول الخليج يفضلون الأدوات المالية الإسلامية والتعامل مع المصارف الإسلامية. هذا التقدم يمكننا مشاهدته من خلال إقبال كثير من دول العالم للعمل ضمن المنظومة المالية الإسلامية.

وأشير في هذه المناسبة إلى المؤتمر الدولي الذي عقد في لندن قبل أيام والذي نظمته الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل بالتعاون مع شركة UCI International البريطانية، وكان عنوانه نافذة المستثمر الدولي (المصرفية والمالية الإسلامية: حل قابل للتطبيق في ظل الأزمة الحالية) وبرز في المؤتمر الاهتمام الكبير من المستثمرين الغربيين بالمصرفية الإسلامية.

وهذا يؤكد ما تتمتع به المصرفية الإسلامية من فرص واعدة في المستقبل، وقد أشرت في مقال سابق إلى أنه في خضم النداءات والدراسات الجادة للإفادة من المصرفية الإسلامية والنمو التصاعدي لفتح المصارف الإسلامية والكليات التي تدرس الاقتصاد الإسلامي في العالم الغربي تظهر دعاوى النيل من المصرفية الإسلامية وعدم الحاجة إليها، وهذا النقد السلبي لسنا بحاجة إليه والذي يتعارض مع الثوابت أقصد فيما يتعلق بأسس الاقتصاد الإسلامي.

وإنما نحن بأمس الحاجة إلى النقد الإيجابي لواقع المصرفية الإسلامية ومدى تحقيقها للضوابط والمعايير الشرعية لأن هناك فرقاً بين المصرفية الإسلامية والاقتصاد الإسلامي والخلط بين المفهومين كالخلط بين الإسلام والمسلمين.

والمصرفية الإسلامية في المرحلة المقبلة بحاجة إلى تضافر الجهود في التطوير في شتى مجالاتها، والإسهام في حل المشكلات والعقبات والاهتمام بالمراكز المتخصصة لتطوير المنتجات المالية ذات الكفاءة العالية، وبناء الأكاديميات المتخصصة لتخريج الكوادر المؤهلة، واعتماد المعايير والضوابط الشرعية وإيجاد مراكز معلومات عالية المستوى، إضافة إلى مراكز التقييم والتصنيف ومراكز الأبحاث المتعمقة.

إن المصرفية الإسلامية القادمة هي مصرفية عالمية، تستحق منا تضافر الجهود المؤسسية ووضوح الرؤية المستقبلية، وعندما تطبق الضوابط الشرعية وفق معايير الجودة الشاملة يتحقق صلاح الدنيا والآخرة.