من:                                   NIDAL ALSAYYED [nsayed70@hotmail.com]

تاريخ الإرسال:                     16 تشرين الأول, 2009 07:19 م

إلى:                                   kantakjigroup@googlegroups.com

الموضوع:                           اجتهاد الفقهاء الاقتصادي ينقصه خبرة الواقع

 

 

 http://mdarik.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1252188361015&pagename=Zone-Arabic-MDarik%2FMDALayout#

 

 


الاقتصاد علم له آلياته المتسارعة وتطوراته وتقلباته المتلاحقة والمرتبطة دائما بالواقع ومتغيراته، ولهذا فإنه يحتاج إلى نوع خاص جدا من الاجتهاد الفقهي المرتبط بالواقع وأحداثه

هذه هي وجهة النظر التي يقررها أ.د. محمد النوري رئيس المجلس الفرنسي للمصرفية الإسلامية (COFFIS)، في حواره الذي اختص به "مدارك"، والذي تم إجراؤه في إستانبول على هامش الدورة التاسعة عشرة للمجلس الأوروبي للإفتاء، وينشر على حلقتين، حول الاقتصاد الإسلامي ومواطن الاجتهاد فيه، والذي عكس رؤية علمية لطبيعة الاجتهاد داخل هذا العلم من حيث انطلاقه من الواقع لا من النظرية.

النوري يرى أن الفقهاء المتصدين للأمور الاقتصادية غير ملمين بالمتغيرات الواقعية بشكل كاف، مما يمنع الاقتصاد الإسلامي من الانتقال من "الوعظية" إلى "التشغيلية"، بل يمنعه من أن يكون نظاما شاملا متطورا يشمل كل أنواع الأنظمة الأخرى.

ولتحقيق الهدف يطالب النوري بإدماج خبراء الاقتصاد مع العلماء الشرعيين ليشكلا معا كيانا اجتهاديا مراعيا للواقع عند الحديث عن الإشكاليات الاقتصادية، ليتجاوز الاقتصاد الإسلامي -بحسبه- مرحلة المخاض التي يعيش فيها منذ وقت بعيد.

النوري تجاوز كل هذا داعيا إلى إنشاء "أيزو" اقتصادي إسلامي، تكون مهمته إصدار معايير ضابطة لعمل المؤسسات الاقتصادية تجمع بين الجانب الشرعي والجانب المحاسبي المهني.

وهذا نص الحوار...

* بداية.. مصطلح الاقتصاد الإسلامي أضحى من المصطلحات الشائعة في هذا المجال، هل هناك فعلا ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي؟

- المصطلح موجود بالفعل، ولكن يحتاج إلى تحديد لمفهومه، فأنا في رأيي أن النظام الاقتصادي الإسلامي بمفهومه الشامل لم يكتمل بعد، الاقتصاد الإسلامي يمكن أن يكون نظاما، يمكن أن يكون علما، يمكن أن يكون مذهبا، أو منهجا للتحليل.

وأستطيع أن أقول إن الجزء الناضج شبه المكتمل من الاقتصاد الإسلامي هو ذلك الذي يتعلق بالمصرفية الإسلامية، وبعض الجوانب المالية الأخرى، ولا تزال هناك خطوات يجب تخطيها حتى يصبح الاقتصاد الإسلامي نظاما شاملا متطورا يشمل كل أنواع الأنظمة الأخرى.

من الوعظية إلى التشغيلية

* لكن هناك إشكالية في كيفية الانتقال بالاقتصاد الإسلامي من الوعظية إلى التشغيلية، بمعنى أن ينتقل من حيث الوعظ وتعديد المناقب إلى أن يكون مشروعا تطبيقيا.. هل توافقني الرأي؟

- نعم، النظام الاقتصادي الإسلامي ينقصه التفعيل في بلادنا بالمعنى الشامل له، وعلى المستوى الأدبي، هناك كتابات ثرية جدا في الاقتصاد الإسلامي، نستطيع أن نذكر منها على سبيل المثال كتابات دكتور عمر شبرا، وهو باكستاني مقيم في السعودية، ويعد من أبرز مفكري الاقتصاد الإسلامي المعاصر، وقد كتب كتابا مهما جدّا في أمريكا تحت عنوان (الإسلام والتحدي الاقتصادي)، وهو الكتاب الذي أثنى عليه كبار علماء الاقتصاد الرأسمالي، وكبار أساتذة الاقتصاد من غير المسلمين في جامعات أمريكية متعددة.

وميزة هذا الكتاب برأيي، أنه وضع تصورا لخطوات عملية يمكن عن طريقها الانتقال من نظام اقتصادي تقليدي إلى نظام إسلامي، وذلك في كل الجوانب التي تشمل النظام، بدءا من العملية الإنتاجية، مرورا بالعملية الاستهلاكية، إلى العملية التوزيعية، إلى السياسات الشاملة في التنمية... إلخ.

* التجربة المصرفية الإسلامية تواجه الكثير من المشكلات، وتحديدا على مستوى التطبيق، بسبب تضارب الفتاوى، ما تفسيرك لهذا الأمر؟

- أتفق معك مبدئيا، ولكن دعنا ننظر إلى المسألة من جانب آخر، النظام الاقتصادي الإسلامي الآن في حالة مخاض، فعمر التجربة المصرفية الإسلامية الحديثة لا يزيد عن ثلاثة أو أربعة عقود، هذا قياسا بالنظم الاقتصادية الأخرى.

وأعتقد أن حالة المخاض هذه، تقتضي بعض التدافع الفكري والمنهجي والتحليلي في الكثير من القضايا، وهذا ليس عيبا، بل على العكس قد يعد ثراء فكريا يمكن أن يدفع نحو بناء فعلي وبلورة شبه نظام جاهز في السنوات القادمة إن شاء الله.

ولكن هناك مشكلات قد تعترض هذا البناء تتعلق ببعض الفقهاء الشرعيين الذين دخلوا باجتهاداتهم وفتاواهم إلى مجال الصرافة والعمل البنكي دون دراية كافية بأصول العمل المصرفي وطبيعته، وبالتالي كانت فتاواهم واجتهاداتهم مجافية إلى حد كبير للواقع، وقد يحدث خلط من نوع آخر يميل إلى مصلحة مالكي البنك أو مستثمريه على حساب الرؤية الشرعية.

* لكن الارتباك في إصدار الفتاوى داخل النظام الاقتصادي الإسلامي أضر به؟

- حقيقة إنتاج الفتوى بالشكل الحديث في النظام المصرفي الإسلامي مر بعدة مراحل، أولها المرحلة الفردية؛ حيث كانت الفتوى تنتج على مستوى فردي، بمعنى أن فقيها معينا هو الذي يضع الفتوى حسب ما يراه وحسب ما تقتضيه الظروف التي يعمل فيها.

أما الآن، فقد انتقلت الفتوى إلى المرحلة المؤسساتية، بظهور المجامع الفقهية المتعددة، والمجالس الشرعية والهيئات الرقابية الشرعية التي تأخذ على عاتقها عملية إنتاج الفتوى بشكل مؤسسي وجماعي، وهذا تحول مهم للغاية.

ولكن الأمر لم يسلم من بعض الإشكاليات العالقة في موضوع هيئات الرقابة الشرعية، وهي التي أشار إليها مجمع الفقه الإسلامي في اجتماعه الدوري الأخير في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة؛ حيث أصدر قرارين أساسيين:

الأول: يتعلق بوجوب استقلال الرقابة الشرعية في البنوك عن إدارتها، فالمفتي أو أعضاء هيئة الرقابة الشرعية يجب ألا يكونوا موظفين يأخذون أجرتهم ومكافآتهم من البنك، إلا في حالة أن يكونوا محايدين في مراقبتهم لأعمال ذلك البنك، ولا يخضعون لـ"ابتزازات" أو استخدامات أو توظيفات من البنك.

وأنا أعتقد أنه لو خرجت كل هيئات الرقابة الشرعية عن التبعية التقليدية للبنوك، فسوف يكون هناك تحول حقيقي وسوف تتم عملية تنقية وتطهير للمسار العملي التطبيقي للمصرفية الإسلامية.

أما القرار الثاني، فيتعلق بتشكيل هيئة رقابة مركزية تراقب كل هيئات الرقابة الشرعية الفرعية الموجودة في البنوك.

غير أن هناك نقطة أخرى يجب الإشارة إليها في عملية الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية، وهي ما يسمى بـ"التنميط"، بمعنى إصدار معايير اقتصادية شرعية تشترك في وضعها المجالس الشرعية التي تضم عددا من العلماء الشرعيين، وعددا آخر من الخبراء الاقتصاديين الذين يشتركون في إنتاج عملية الفتوى.

وعلى سبيل المثال، هناك الهيئة العالمية للمراجعة والمحاسبة والتي مقرها البحرين، والتي تعد تجربتها مكسبا كبيرا للتجربة المصرفية الإسلامية مؤخرا.

"أيزو" إسلامي

* وما الدور الذي تضطلع به تلك الهيئة؟

- يتمثل دور تلك الهيئة في إصدار معايير ضابطة لعمل المؤسسات المصرفية، لتأخذ شكل معايير جودة "أيزو إسلامي".

هذه المعايير التي تجمع بين الجانب الشرعي والجانب المحاسبي أصبحت واقعا معترفا به، ومستخدمة دوليا بالفعل على صعيد البنوك العالمية التي لها نوافذ أو لها معاملات مالية إسلامية.

* لكن على الجانب الآخر، هناك تضارب في الفتاوى الاقتصادية وتحديدا "فتاوى البنوك"، ففي مصر على سبيل المثال، نجد انقساما بين العلماء بين محلل ومحرم لأنواع من الاستثمارات والقروض من البنوك، بل وصل الأمر للاختلاف بين تحريم وتحليل التعامل مع البنوك من الأساس، ألا تثير تلك الفتاوى نوعا من الارتباك؟

- طبيعي أن تتوالد الارتباكات من رحم هذا التضارب الناتج عن الخلاف الكلي بين حلال وحرام، ويؤثر هذا الارتباك بالفعل على حركية المصرفية الإسلامية، وقد تخلق واقعا يعوق تقدم التجربة الإسلامية في الاقتصاد.

نريد أن تتنوع الفتاوى لا أن تتضارب، وأطالب العلماء بدلا من الاعتماد على الثنائية (حرام – حلال) بترك مساحة للتفاعل الإيجابي وللاستخدام وللتنزيل في الظرف المعين وفي المكان المعين.
 
والواقع أن الخدمات المالية الإسلامية، أو المنتجات المالية الإسلامية، وأدوات الصناعة المالية الإسلامية ليست حكرا على المسلمين، وليس المقصد منها فقط هو تقديم خدمات لجمهور المسلمين، بل تقديم خدمات للإنسانية جميعا، للبشرية مسلمين وغير مسلمين.

نحن نعرف أن أكثر من أسلموا في العالم الإسلامي جاءوا من باب التجارة، حين تعاملوا مع التجار المسلمين ورأوا عدل النظام الاقتصادي الإسلامي وشموله، إذن فالنشاط الاقتصادي قد يكون مجالا خصبا للدعوة.

من هنا أطالب بأنسنة الاقتصاد الإسلامي، أي جعل فوائده للإنسانية جمعاء، الأدوات الصناعة والمالية الإسلامية قد تستفيد منها البشرية بشكل عام، دون قيد أو شرط، والدليل على ذلك أن مسألة الصكوك الإسلامية التي انتشرت الآن في الغرب وفي أوروبا خصوصا استفاد منها غير المسلمين، ولك أن تعرف أن إقبال غير المسلمين الأوروبيين على مسألة الصكوك بلغ نسبة 85% من حجم التداولات في موضوع الصكوك؛ لأن تلك الصكوك فيها مردود ربحي جيد، ولأنها تقوم على مبادئ بسيطة ومنطقية، مثل المشاركة في الربح والخسارة، وليس تحويل المخاطر، فهذه القيم السهلة البسيطة قادرة بأن تقنع غير المسلمين بجدوى هذه الممارسة.

* لكن هناك إشكالية تفرز تساؤلا حول قدرة الاقتصاد الإسلامي على منافسة الاقتصاد الرأسمالي، بمعنى أن الاقتصاد الإسلامي لا يطرح إلا عندما تكون هناك أزمة، فيكون هو البديل، بينما لم يطرح وقت قوة الرأسمالية لينافسها.

- أولا، القول بأن النظام المالي الإسلامي قادر على أن يحل الأزمة العالمية الراهنة بين عشية وضحاها، هو قول غير دقيق، ليس لعدم قدرة ذلك الاقتصاد على حل هذه الأزمة، ولكن بسبب البيئة غير المواتية للتطبيق التي يتنزل فيها الآن الاقتصاد الإسلامي.

وبالتالي فإن كل ما يمكن توقعه أو احتماله في هذه اللحظة، وفي ظل الأزمة المالية العالمية، أن يستفيد النظام العالمي من بعض القيم والمثل والمبادئ التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي، وذلك للتخفيف من آثار الأزمة وليس لمعالجتها.

ومفكروه استنبطوا قواعد خمس للتمويل الإسلامي والمالية الإسلامية مثلت القيم الكبرى للاقتصاد الإسلامي، وهي: تحريم الربا، وتحريم الميسر والغرر، وتحريم النشاطات والبيوعات المحرمة، ووجوب الاشتراك أو المشاركة في الربح والخسارة، وإسناد كل نشاط وعملية تمويل إلى أصل حقيقي وليس إلى أصل وهمي، أي ربط الاقتصاد الحقيقي بالنشاط الاقتصادي، وليس بالاقتصاد الرمزي، الوهمي.

* أليس هذا الاقتصاد الرمزي أو الوهمي هو الذي تسبب في الأزمة الحالية؟

- تماما، ولكني أكرر أن الاقتصاد الإسلامي الآن في حالته الراهنة، وفي الوضع الذي عليه المسلمون، قادر بأن يحل هذه الأزمة بسرعة، أو بمعنى آخر قد يخفف من أضرارها؛ وفي هذا الإطار، قامت عدة مبادرات من بعض المؤسسات الاقتصادية الإسلامية، مثل المجلس العام للبنوك الإسلامية الذي مقره البحرين، وهو مجلس يضم جميع البنوك الإسلامية في العالم؛ حيث قام بمبادرة جديدة تمثلت في إصدار وثيقة سميت بـ"وثيقة الوسطية المالية"، ترجمت إلى ثلاث لغات: العربية والإنجليزية والفرنسية، وقد تترجم للغات أخرى.

وهذه الوثيقة عبارة عن عشرة مقترحات من شأنها معالجة وتطويق آثار الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة من خلفية إسلامية، وقد أسهم في إنجاز هذه الورقة حوالي خمسين خبيرا من العالم الإسلامي والغربي المختصين في مسائل متعددة متعلقة بهذه الأزمة.

وقد شرفت بالمشاركة ببعض الملاحظات على هذه الورقة، التي ستصدر قريبا وسترسل إلى مجموعة قمة العشرين، باعتبارها مبادرة من هيئات وبنوك إسلامية لهذه القمة، ربما تلتفت وتستفيد من الأفكار التي تحملها.