جامعة اليرموك

         كلية الشريعة

قسم الفقه والدراسات الإسلامية

      إربد - الأردن

ضوابط حرية الاستثمار في النظام الاقتصادي الإسلامي

قدمت هذه الرسالة استكمالاً لمتطلبات الحصول  على درجة الماجستير في الاقتصاد الإسلامي

إعداد الطالب: حسن علي صالح بتران

إشراف الدكتور زكريا القضاة، والدكتور سعيد الحلاق

1421هـ- 2000م

 

المستخلص

الحرية هي قدرة الإنسان على اختيار أفعاله، ومن هذه الأفعال الحرية الاقتصادية التي تلعب دورا هاما في تجنيد كل الطاقات البشرية وامتصاص كل إمكاناتها، وتسخير كل خبرة وكفاءة في سبيل الاستفادة منها .

وتختلف الحرية الاقتصادية من نظام لآخر، فالنظام الرأسمالي أعطى الحرية المطلقة للفرد ليعمل ما يشاء، ولكن هذا الإطلاق أدى إلى مساوئ كثيرة، وعلى العكس من ذلك النظام الاقتصادي الاشتراكي الذي أعطى الحرية الكاملة للدولة فهضم حق الفرد.

أما النظام الإسلامي فيعتبر الحرية الاقتصادية الركن الأول في السوق الإسلامي، فأعطى المسلم حرية العمل والدخول إلى السوق والخروج منه، ومنع التدخل غير المشروع، وألغى بعض أنواع الوساطة في التبادل، وحرم التأثير على مستوى الأسعار بشكل اصطناعي، ومنع التسعير، ومع ذلك، فهذه الحرية مقيدة بقيود أخلاقية وتشريعية وضمن حدود تقتضيها المصلحة العامة والخاصة، بحيث يتم التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة حتى يحصل  توازن وتعاون، فلا إهدار لمصلحة أي منهما على حساب الآخر، كما في الأنظمة الوضعية.

فهذه الحرية يجب ألا تتناقض مع المقصد الأسمى للشريعة وهي المصلحة، حيث أنها الأصل، ولذلك نص في الإسلام على كل ما هو حرام وترك ما سواه في دائرة الحلال، حيث هي الأوسع والأرحب، فالأصل في الأشياء الإباحة.

وهناك حدود لتدخل الدولة التي تعتبر أداة لرعاية المصالح الاجتماعية ومنوط بها حفظ نمط الحياة الاجتماعية وتحقيق المقاصد الشرعية وتوفير الرفاه الاقتصادي والرخاء الروحي، فيحق لها منع العمل المحرم، ومراقبة الأعمال المشروعة حتى لا تنحرف، ومنع المعاملات المالية المحرمة كالربا، وتحدد الأجور عند الحاجة، والأسعار عند الضرورة، وتلغي الوسطاء والسماسرة أو تحدد عددهم وتجبر على البيع أو التأجير عند الحاجة، كما أنها تجبر على العمل الذي تكون الأمة في حاجته، كل ذلك في حدود المصلحة، ومع ذلك فلا يجوز للدولة أن تحرم ما أحل الله ورسوله أو العكس، ولا الإضرار بمصلحة الجماعة لأجل الفرد أو العكس إلا في حدود المصلحة للجميع.

ومن ضمن الحرية الاقتصادية في الإسلام حرية الاستثمار الذي شجع وحث عليه في كثير من الآيات والأحاديث، وقد قرنه الله عز وجل بالجهاد في سبيل الله، وهناك العديد من الأدلة على تشجيع الاستثمار في الإسلام منها تحريم الاكتناز، وتصوير الإنتاج أنه واجب، وأن الاستهلاك حق وفرض الزكاة، التي هي من أهم العوامل الحاثة على الاستثمار، وأعفى أدوات الإنتاج من الزكاة، وحرم الإسراف والتبذير.

ومن هنا جعل الإسلام الاستثمار واجب في مجموعه، حيث أنه من فروض الكفايات الذي لو تركته الأمة أثمت.

والاستثمار في الإسلام له معالم وأهداف فمن معالمه أنه مرتبط بالمنهج الرباني، وله طابع تعبدي ويقوم على المبادئ والأخلاق، ويوفق بين مصلحة المستثمر والمصلحة الاجتماعية، ويقوم على التنافس الشريف. ومن أهدافه المحافظة على أصل المال وتحقيق الربح وتوفير السيولة كغيره من الأنظمة، وزيادة على ذلك حصر الأنشطة في الحلال ومراعاة تحقيق المصالح وتحقيق الواجب الكفائي والاستثمار ابتغاء وجه الله، وتحقيق فرص العمل ومنع البطالة، وأداء حق الله في المال.

كما أن الاستثمار في الإسلام يقوم على قاعدة: الأصل في المعاملات الإباحة، ولكنه وضع معايير لاختيار المشروعات منها الصلاحية الشرعية للمشروع، والقدرة على توليد أكبر دخل ممكن لأفراد المجتمع ومكافحة الفقر وتحسين توزيع الدخل والثروة، وإشباع حاجات حقيقية للإنسان، وتحقيق الربحية التجارية وتحقيق الكفاية الإنتاجية والاقتصادية، ورعاية مصالح الأحياء والأجيال القادمة من بعدنا، والتقليل من الأضرار الناجمة عن إقامة المشروع.

وهناك ضوابط عامة للاستثمار، تتمثل في الضوابط العقدية والالتزام بالأولويات، والضوابط الاقتصادية، والتي تعني تحقيق التنمية الشاملة، ومنها استهداف العنصر البشري.

ومن ميادين الاستثمار المتعددة المجال المصرفي الذي يعتبر أكثر التصاقاً بحياة الناس، والذي يشمل الودائع والقروض وخصم الأوراق التجارية والاعتماد المستندي وخطابات الضمان، والتي تم تكييفها لتتفق مع الشريعة الإسلامية.

ومن الأساليب الاستثمارية عقود المضاربة والمشاركة والمرابحة وبيع التقسيط والسلم والاستصناع، والتي يجب أن تضبط بالضوابط الشرعية التي وضعها فقهاؤنا الكرام، كما يجب ألا يصاحبها أي نوع من أنواع الأساليب التي تؤدي إلى الحرام وأكل أموال الناس بالباطل كالغرر والجهالة والتدليس والغبن والاستغلال والنجش والاحتكار وغيرها.

وقد أباح الإسلام أيضاً الاستثمار في الأسواق المالية بما فيها البورصة، وجعل لذلك ضوابط شرعية، فأباح الاستثمار أسهم الشركات القائمة على الحلال بيعاً وشراءً، وحرم ما كان محلها الأعيان المحرمة، وأما السندات فهي قروض بفائدة (ربا) ولذلك لا يجوز التعامل أو الاستثمار فيها إلا على سبيل إعطاء أو أخذ كل ما ينص عليه السند بدون نقص أو زيادة، وقد تم استحداث أوراق مالية إسلامية هي قيد البحث والتعامل خالية من الربا كصكوك المضاربة، وشهادات الاستثمار، وشهادات التأجير المتناقصة وغيرها.

هذا وقد استحدثت أسواق الأوراق المالية أنواعاً من الاستثمار منها تبادل الديون والفوائد، وتأجير الديون، فبالنسبة لبيع الدين نقداً لمن هو عليه، فقد أجازه جمهور الفقهاء سواء كان مستقرًا أو غير مستقر، وبيع الدين لغير المدين فيه خلاف بين الفقهاء، والراجح جوازه بشروط وضعها المالكية.

وأما بيع الدين بالدين نسيئة فلا خلاف بين العلماء في عدم جوازه سواء كان البيع للمدين أو غير المدين، ويدخل في ذلك التطور في الأسواق المالية، من تأجير الديون وتبادل الفوائد، التي تعتبر حرمتها واضحة.

والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل