Home Search Forums About Us Contact
Banking & Financing Economics Insurance Sukuk Accounting Legislation
Banking & Finance

الخصائص المميزة للبنك الإسلامي للتنمية:م
المسلم المعاصر، العدد السابع، رجب رمضان 1396هـ / يوليو سبتمبر 1976م، ص -154-117
- By الدكتور محمد توفيق ال

عناصر البحث:

1. أهمية دراسة الإتفاقية من الناحية العملية، والعلمية، والدولية.

2. خصائص البنك ترسم ملامحَ النظام المصرفي وتبرز الأسس الجوهرية للإقتصاد الإسلامي.

3. عرض شامل للخصائص المميزة للطابع الإسلامي في هذا البنك.

4. أولا: التنمية عن طريق الإستثمار.

5. ثانيا: التنمية الإجتماعية ركن أساسي للتنمية الإقتصادية.

6. ثالثا: المباديء الإقتصادية السليمة هي التي تكمل الأصول الشرعية، والقيم الأخلاقية الإسلامية ولا تتعارض معها.

7. رابعا: تطبيق عملى للتضامن الإسلامي على أساس وحدة الأمة الإسلامية.

8. خامسا: تطبيق مبدأ التضامن في المعاملات بدلاً من الفائدة.

9. خاتمة.

1. أهم دراسة إتفاقية تأسيس البنك الإسلامية للتنمية:

إن إتفاقية تأسيس البنك الإسلامية للتنمية هي أول صياغة قانونية رسمية لوجهة النظر الإسلامية في النظام المصرفي الحديث. إنها بالنسبة للبنك ذاته تعتبر ميثاقه ودستوره، وهي قانونه الأساسي. فهي تقدم لنا الإطار القانوني لعملياته ونظام عمله وسيره. وهذا يعطيها أهميتها العملية. لكننا سنهتم بها في بحثنا بإعتبارها وثيقة قانونية كانت ثمرة مجهود مشترك ساهم فيه عدد كبير من الخبراء القانونيين والماليين والمصرفيين والإقتصاديين مثلوا الدول المؤسسة للبنك في إجتماعات لجان الخبراء المتعددة المـتعاقبة ثم اللجان التحضيرية. ثم مؤتمرات وزراء مالية الدول الإسلامية.

لقد كان أعضاء الوفود في هذه المؤتمرات والإجتماعات يمثلون أعلى المستويات في الخبرة. ففضلا عن وزراء المالية، كان يوجد عدد كبير من محافظي البنوك المركزية، ومديري البنوك الوطنية، وكبار رجال الإقتصاد والقانون والعمل المصرفي. أن الوثيقة التي أعدها هؤلاء وأقروها بإجماع الآراء تمثل عملا علميا وقانونيا جديرا بتقاليد هذه الأمة وعبقريتها. وإذا كانوا قد إلتزموا في وضع أسس نظام هذا البنك على أصول مستمدة من شريعتنا الغراء؛ فلأن هذا العمل قد قصد منه أن يكون حجر الأساس لنظام مصرفي إسلامي عصري هو في بدايته بلاشك، ولكنه قادر على النمو والتطور، بل إننا واثقون بأنه سيكون له صدي كبير في جميع بلاد العالم الثالث التي تطمح كما تطمح الشعوب الإسلامية للإستقلال الإقتصادي. وإلى بناء إقتصادها بعيدا عن كل سيطرة للكتل الإقتصادية التي تمثل المصالح المالية للدول التي سبقتها في مجال التقدم الصناعي والتكنولوجي.

ثم إن هذه الإتفاقية هي ميثاق دولي إلتزمت به الدول الموقعة على الإتفاقية والتي بلغ عددها الآن ثمانية وعشرين دولة إسلامية. وطبقا لهذا الميثاق فإن مجلس محافظي البنك الإسلامي للتنمية يضم وزراء مالية هذه الدول الذين يجتمعون مرة على الأقل في كل سنة.

ومعنى ذلك أن مجلس محافظي البنك الإسلامي للتنمية هو الهيئة العليا التي يمكن أن تتخذ قرارات متعلقة بالتعاون المالي والإقتصادي بين تلك الدول ويكون أول الهيئات الدولية الإسلامية المتخصصة في المؤتمر الإسلامي العام. وتكون الأمة الإسلامية قد سارت فعلا في طريق التعاون المالي والإقتصادي القائم على أساس التضامن فيما بينها، ولهذا فإن مقدمة الإتفاقية قد وصفت هذا البنك بأنه تعبير عملي عن وحدة الأمة الإسلامية؛ ولأن وحدة هذه الأمة هي وحدة فكرية وثقافية وعقيدية قبل كل شيء. فقد أرادت الدول بإنشاء البنك أن تمتد هذه الوحدة إلى المجالات الإقتصادية حتى تتكون منها مجموعة دولية تقوم بدور رائد في المجال الدولي ويكون جديرا بماضيها المجيد. ولكي يكون هناك التحام بين الوحدة الفكرية والعقيدية القائمة فعلا، وبين الوحدة الإقتصادية التي يراد بناؤها وتدعيمها فإن هذه الأخيرة قد أقيمت على أساس المبادئ الإسلامية التي قامت عليها الوحدة الفكرية والعقيدية والإجتماعية للأمة الإسلامية أو بعبارة أخرى على أساس الإقتصاد الإسلامية الذي يلتزم في نظرياته ونظمه بمبادئ الشريعة الإسلامية وروحها ومثلها العليا.

2. الخصائص الميزة للبنك ترسم ملامح النظام المصرفي وتضع أسس الإقتصاد الإسلامي:

لقد سبقت إنشاء هذا البنك دعوات عديدة بتطهير المجتمع الإسلامي من التعامل بالربا وبناء إقتصاد إسلامي عصري على الأصول المتستمدة من الشريعة الإسلامية، لكنها كانت دعوات فردية. وفي عام 1970 أثناء إنعقاد المؤتمر الثاني لوزراء خارجية الدول الإسلامية بمدينة كراتشى عاصمة باكستان تقدمت دولتان من الدول الأعضاء بإقتراحين رسميين يدعوان إلى إنشاء بنك إسلامي أو إتحاد للبنوك الإسلامية. قدم هذين الإقتراحين وفد جمهورية الباكستان الإسلامية ووفد جمهورية مصر العربية. ولقي الإقتراحان ترحيبا وحماسا من جميع الدول الأعضاء. ومنذ البداية أوضح الإقتراح المصري أنه لا يعني بالطابع الإسلامي للبنك أي إعتبار إقليمي أو عنصري بل يستمد البنك صفته الإسلامية من كون نظامه مبنيا على ((هدى شريعة الإسلام وأسلوبها الإجتماعي)).

وتعبيرًا عن اقرار المؤتمر لهذه النظرة صدر قرار المؤتمر الثاني لوزراء خارجية الدول الإسلامية في كراتشى بتاريخ 27/12/1970 ((بتكليف جمهورية مصر العربية بمسئولية القيام بدراسة شاملة لهذا المشروع على ضوء إقتراحها وعلى ضوء المناقشات التي دارت في المؤتمر)).

هذه الدراسة أعدتها لجنة من رجال الفقه الإسلامي والقانون والإقتصاد، وتحمل اسم ((الدراسة المصرية لإنشاء نظام مصرفي إسلامي))، وقدمت إلى المؤتمر الثالث لوزراء خارجية الدول الإسلامية الذي عقد بمدينة جدة في 14 محرم 1392 (الموافق 29/2/1972) بعد أن نوقشت في إجتماع لجنة تحضيرية موسعة عقدت بالقاهرة من 22 إلى 24 ذي الحجة 1391 (7 9 فبراير 1972)، وظاهر من هذه الدراسة أن هدفها هو وضع الأسس الشرعية لإنشاء بنوك عصرية على أصول شريعة وإقامة نظام مصرفي إسلامي متكامل يشمل مصارف محلية ووطنية وإتحاد دولي لهذه المصارف بما يتبعه من أجهزة إستشارية أو تنفيذية. وذلك كله على هدي المبادئ التي تَميّزَ الإقتصاد الإسلامي من حيث توجيه رؤوس الأموال لصالح مجموع الشعوب مما تحقق أرفع مستوى من العدالة الإجتماعية المستمدة من المثل الروحية والإجتماعية السليمة وضرورة الإلتزام بالأسلوب الإسلامي في المعاملات المالية.

وعندما عرضت هذه الدراسة على مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية في إجتماعه الثالث بجدة أدرك المؤتمر أنها ليست مقصورة على مشروع بإنشاء بنك إسلامي، بل أن أهدافها أعم وأشمل إذ ترسم منهاجا بعيد المدى لتغيير أسس النظام المصرفي والإقتصادي في العالم الإسلامي، الأمر الذي يستدعي دعوة مؤتمر خاص يعقده لذلك وزراء المالية في جميع هذه الدول وصدر القرار بذلك فعلاً.

وهذا هو نص القرار:

((إطّلع المؤتمر على الدراسة التي قامت بها جمهورية مصر العربية لإنشاء البنك الإسلامية الدولي وللعمل على إعادة بناء المجتمع الإسلامي وتدعيم إقتصاده على أسس مثالية شرعية من العدل الإلهي والقيم الإنسانية والسعي لتحرير المعاملات المصرية من المحظورات الشرعية بما يتفق مع الأسس الإقتصادية المتطورة.. وقرر المؤتمر أن تنشأ بالأمانة العامة إدارة مالية وإقتصادية. وتكون هذه الإدارة نواة وكالة متخصصة في الميادين الإقتصادية والمالية التي تهم الدول الأعضاء)).

تنفيذا لذلك القرار أنشئت الإدارة الإقتصادية بالأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي وجرت إتصالات مع الدول الأعضاء، ودعى أول مؤتمر لوزراء مالية الدول الإسلامية بمدينة جدة فأصدر تصريحا بإعلان العزم على إنشاء البنك الإسلامي للتنمية وكون لجنة تحضيرية لإعداد مشروع الإتفاقية التي ندرسها الآن على أساس الدراسة المصرية السابقة وملاحظات الدول الأعضاء وآراء الخبراء.

إن الدراسة المصرية قد إتخذها واضعو الإتفاقية مصدرًا للمبادئ العامة التي تقوم عليها الإتفاقية. ولما كانت قد ربطت بين نظام البنك وبين بناء الإقتصاد على أسس شرعية وتحرير المعاملات المصرفية من المحظورات الشرعية..فإنه يسكن القول بأنها كانت في نظر واضعيها جزءًا من تنظيم شامل للنظام المصرفي والتنظيم الإقتصادي في المجتمع الإسلامي، أو صورة مصغرة لهذا التنظيم الشامل.

وإذا كنا قد جعلنا موضوع هذه الدراسة إبراز الخصائص المميزة للبنك الإسلامي للتنمية حسبما تصوره إتفاقية التأسيس، فسبب ذلك أن هذه الخصائص بذاتها ترسم لنا الملامح الرئيسية لنظام مصرفي إسلامي متكامل كما أنها تضع أمام أعيننا المبادئ الجوهرية للإقتصاد الإسلامي ذاته... إن دراسة هذه الخصائص هي في نفس الوقت عرض موجز للأسس الجوهرية للنظرية الإسلامية التي تهيمن على النظام المصرفي والتنظيم الإقتصادي في المجتمع وسنـزداد يقينًا من ذلك عندما نستعرض هذه الخصائص...

3. عرض شامل للخصائص المميزة للطابع الإسلامي لهذا البنك:

منذ أن بدأ التفكير في إعداد مشروع إتفاقية لإنشاء البنك الإسلامي كان هناك وجهتا نظر مختلفتان بشأن المقصود من الطابع الإسلامي للبنك. إحداهما وجهة نظر تقليدية، والأخرى عقيدية تجديدة.

(أ) إن وجهة النظر التقليدية البيروقراطية كانت تظن أن البنك الإسلامي للتنمية سيكون بنكا تقليديا مماثلا لبنوك التنمية الدولية الأخرى كالبنك الآسيوي للتنمية، أو البنك الأفريقي للتنمية، أو البنك الدولي للتنمية. والفرق الوحيد في نظر هؤلاء بين البنك الإسلامية والبنوك الدولية الأخرى هو فارق إقليمي بمعنى أن الإقليم الذي يهدف لتنميته هو إقليم الدول الإسلامية التي أنشىء لمساعدتها على تنمية إقتصادها الوطني.

هذا التيار كان يمثله عدد كبير من الخبراء العاملين فعلا في المصارف التقليدية سواء كانت بنوكا مركزية أو وطنية أو دولية، وسواء كانت بنوكا تجارية أو بنوكا متخصصة. في نظر هؤلاء الخبراء يمكن أن تكون إتفاقية إنشاء البنك الإسلامي للتنمية طبعة أخرى منقولة من إتفاقية تأسيس البنك الأسيوي أو البنك الأفريقي...الخ ولا تختلف عنها إلا عندما تذكر أسماء الدول وتوقيعاتها وحكوماتها ومندوبوها.

(ب) لكن الإتجاه الذي ساد كان هو الإتجاه العقيدي التجديدي الذي يرى أن يوضع للبنك نظام مبتكر يوفق بين مبادئ الشريعة ومطالب التنمية. وسبب تغلب هذا الرأي هو أن قرارات مؤتمر وزراء الخارجية كانت صريحة واضحة في أن الدول التي إقترحت إنشاء البنك والتي وافقت عليه لم تكن تهدف إلى انشاء بنك تقليدي. وإنما قصدت من الطابع الإسلامي للبنك أن يوضع نظامه في إطار مبادئ الشريعة الغسلامية وأحكامها. وهذا هو الرأي الذي أُخِذ به فعلا في إعداد مسودة الإتفاقية، وأقرته اللجنة التحضيرية بإجماع الآراء. كما أقره مؤتمر وزراء مالية الدول الإسلامية الأول والثاني ونصت عليه صراحة المادة الأولى منها عندما حددت هدف البنك بأنه دعم التنمية الإقتصادية، والتقدم الإجتماعي وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية.

هذا الإتجاه العقيدي نجو الإبتكار والتجديد في إتفاقية تأسيس هذا البنك يجعل هذا الميثاق علامة تشير إلى طريق جديد في الفكر الإقتصادي العالمي ومرحلة جديدة في تاريخ النظام المصرفي هذه المرحلة تتميز بدخول الإسلام بما يشتمل عليه من ثروة روحية وخلقية وفكرية في مجال النظم المصرفية والفكر الإقتصادي في العصر الحديث - في نظرنا أن هذه الثروة الفكرية والأخلاقية والإجتماعية سوف تدفع بالفكر الإقتصادي المعاصر في الدول النامية على الأخص نحو مرحلة تتميز بإنشاء نوع جديد من المؤسسات المالية التضامنية. وهي في نظرنا مرحلة تتجاوز مرحلة البنوك التعاونية التي إبتكرت لمقاومة عيوب النظام الرأسمالي هذه المرحلة الجديدة تتميز كما قدمنا بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية وأحكامها في المعاملات المصلافية على النحو الذي تعتبر هذه الإتفاقية نموذجًا طليعيًا جريئا من مناذجه التي نرجو أن تكثر ويزداد عددها مهما تكن الصعوبات والعقبات.

إن الطابع الإسلامي الذي أعطته هذه الإتفاقية لبنك التنمية الإسلامي هو الذي يميزه عن البنوك التقليدية. وسنستعرض هذه المميزات في النواحي المصرفية والإجتماعية والإقتصادية والقانونية والسياسية والعقيدية...

1. فمن ناحية العمل المصرفي نجد أن هذا البنك وإن كان متخصصا في التنمية إلا أنه يعمل للتنمية من خلال الإستثمارات.

2. ومن الناحية الإجتماعية يجمع البنك بين التنمية الإقتصادية والإجتماعية؛ لأنه يعتبر التنمية الإجتماعية ركنا أساسيا في النموّ الإقتصادي.

3. ومن الناحية الإقتصادية يحرص الميثاق على الإلتزام بالمبادئ الإقتصادية السليمة بإعتبارها مكملة للأصول الشرقية والقيم الإسلامية المعنوية.

4. ومن الناحية السياسية يعتبر إنشاء هذا البنك تطبيقا عمليا لسياسة التضامن الإسلامي والتعاون بين الدول الأعضاء في المجالات الإقتصادية والإجتماعية على أساس وحدة ((الأمة الإسلامية)).

5. ومن الناحية القانونية، يقوم نظام البنك على صياغة العقود والمعاملات على أساس المشاركة التضامنية بإعتبارها بديلا يغني عن الإستغلال الربوي الذي حرمه الإسلام.

وسندرس كل واحد من هذه الخصائص على حدة

4. أولا: التنمية بطريق الإستثمار:

إن الخبراء التقليديين يلاحظون أن مقدمة الإتفاقية عندما أوردت تعريفا للبنك الإسلامي للتنمية وصفته بأنه مؤسسة مالية مختصة بالتنمية والإستثمار، ويقول بعضهم أن هذا فيه خلط بين مهمة صناديق الإستثمار ومهمة صناديق التنمية..

وحسب التصنيف التقليدي في النظام المصرفي تقوم صناديق الإستثمار بإستخدام ما لديها من أموال في المشروعات التي تضمن لها أكثر قدر من الربح دون نظر لأي إعتبار آخر متعلق بالتنمية أو بغيرها وغالبا ما يتم ذلك عن طريق شراء الأسهم في سوق الأوراق المالية كما أنها تشتري السندات كذلك لتحصل على الفوائد التي تحققها، وهذا يقصد به مجرد الإستثمار دون أي إعتبار آخر.

أما صناديق التنمية فهي لا تهدف إلى الإستثمار، وإنما تقدم قروضا لعملائها مقابل فائدة تشترطها ويكون سعر الفائدة مرتفعا أو منخفضا حسب مدى رغبتها في مساعدة الدولة التي تقرضها. ولا تكتفي بنوك التنمية أو صناديق التنمية باقراض عملائها وإنما تلجأ هي أيضا إلى الإقتراض من السوق المالية ثم تعيد اقراض ما إقترضته. فهي تتعامل بالقرض بفائدة أخذا وعطاء...وهذا هو عملها الأساسي الذي لا يستطيع البنك الإسلامي أن يمارسه. ولا بد له أن يجد بديلا عنه في حالة الأخذ وفي حالة العطاء.

إن الإسلام يحرم الربا، ونحن نعرف الربا: بأنه كل زيادة على رأس المال تشترط في العقد مقابل الأجل. فالبنك الإسلامي لا تسمح له المبادئ الشرعية بأن يقرض عملاءه مقابل فائدة ولا أن يقترض من السوق المالية مقابل فائدة...وكان يجب على واضعي الإتفاقية أن يبحثوا عن بديل يغني البنك عن هاتين العمليتين الربويتين. وقد فعلوا ذلك إنطلاقا من نقطة الإيمان بتحريم القرض بفائدة كما تمارسه البنوك التقليدية...والإلتزام بهذا المبدأ هو الذي حتم عليهم الإجتهاد لإبتكار أساليب لا تلجأ لها عادة بنوك التنمية التقليدية التي تكتفي بممارسة القرض بفائدة كما سنرى..

إن الوثيقة التي بين أيدينا تصور لنا العمليات التي نظمتها الإتفاقية ودعت إدارة البنك للقيام بها كبديل عن عمليات الإقراض والإقتراض بفائدة وسنعرضها بإيجاز، وهي:

(أ) المشاركة في رأس مال المشروعات المنتجة: معنى المشاركة هو المساهمة في رأس مال المشروع الإنتاجي مما يترتب عليه أن يصبح البنك شريكا في ملكية المشروع وشريكا في إدارته وتسييره والإشراف عليه، وشريكا كذلك في كل ما ينتج عنه من ربح أو خسارة بالنسبة المتفق عليها.

ويجوز أن يبيع حصته للغير ويسترد فقط الثمن الذي يتفق عليه في عقد البيع سواء كان أقل من رأس ماله أو أكثر منه.. وعادة يكون البيع للدولة أو الشركاء الآخرين.

وقد خصصت المادة الثانية من الإتفاقية للمشاركة في رأس المال البند الأول من بنودها عند تعدادها لوظائف البنك فعرفتها بأنها: المشاركة في رءوس أموال المشروعات والمؤسسات الإنتاجية في الدول الأعضاء...

وهذا النوع من المشاركة موجود حاليا في العمل...ولكن التي تمارسه في العادة هي صناديق الإستثمار وإعتماد البنك الإسلامي عليها بصفة أساسية هو الذي جعلنا نقول بأنه يقوم بوظيفة بنك التنمية ولكن بأساليب صناديق الإستثمار...وهو الأمر الذي قد يجده بعض الخبراء التقليديين شاذًّا حسب أصول عملهم المصرفي ولكن واضعي الإتفاقية وجدوا أن التنمية بطريق الإستثمار بأسلوب المشاركة هي أحسن وسيلة للتنمية في إطار المبدأ الشرعي الذي يحرم الربا..

وعدالة المبدأ الإسلامي واضحة لأنه يستبعد الإستغلال الذي يتمثل في القرض بفائدة حيث يضمن هذا العقد الربوي للمقرض رأس ماله كاملا في جميع الأحوال ويضمن له كذلك زيادة في رأس المال بقدر الفائدة المتفق عليها، سواء كان المشروع الذي اقترض من أجله قد خسر أو ربح. في حين أن المشاركة العادلة تقوم على التضامن بين المموِّل وطالب التمويل في حالة الخسارة كما في حالة الربح... فهو شريك له في الخسارة كما هو شريك في الربح، ومن أجل ذلك يلتزم بالعمل على نجاح المشروع ويبذل جهدا في إدارته والإشراف عليه ليساهم في نجاحه وبذلك توجه جهود الطرفين للتنمية الإنتاجية عن طريق المشاركة التضامنية الكاملة...

(ب) طرق التمويل الأخرى: إذا إستبعدانا القرض بفائدة لأن الشريعة تحرمه، ثم إستبعدنا المشاركة، فهل توجد وسائل أخرى للتمويل أو الإستثمار؟.

هذا هو السؤال الذي أجابت عليه الإتفاقية بالايجاب في البند الثاني من نص المادة الثانية التي تعدد وظائف البنك بالإشارة إلى : ((الإستثمار في مشروعات البنيان الإقتصادي والإجتماعي في الدول الأعضاء عن طريق المشاركة أو طرق التمويل الأخرى))... ويلاحظ أن كلمة "الإستثمار" هنا قصد بها إستبعاد القرض الحسن أو القرض بدون فائدة، لأن النص قد خُصّص له البند الثالث...

إن وضع هذا النص قصد به فتح الباب واسعا أمام إدارة البنك وخبرائه ومستثماريه إلى إبتكار صور جديدة من التمويل تناسب مشروعات البنيان الإقتصادي والإجتماعي، وتعطي للبنك فرصة المشاركة في عائد هذه المشروعات دون الإلتجاء إلى القرض بأي صورة من الصور...

لقد ظهر من المناقشات أن هذه المشروعات لها عائد وإن كان هذا العائد لا يسمى ربحا؛ لأن هذا اللفظ قاصر على المشروعات الإنتاجية...كل ما هنالك أن وسائل حساب هذا العائد ما زالت تتطور وتتقدم...فليس من العدالة حرمان البنك في حالة المشاركة في تمويلها من الإتفاق على المشاركة في هذا العائد بنسبة معينة...

هذا هو الإتفاق على التمويل بطريق المشاركة وهو يختلف عن المشاركة في رأس المال ويختلف عن القرض: ويتوسط بينهما ولكي يكون صحيحًا من الوجهة الشرعية بجب أن تتوفر فيه الشروط الآتية:

1. ألا يضمن للبنك إسترداد رأس ماله كاملا في جميع الأحوال؛ لأن ذلك يجعله قرضا...فالقرض سواء كان قرضا بفائدة أو قرضا بدون فائدة يتميز بأن المقترض يلتزم في العقد بردّ رأس المال في جميع الأحوال...وفضلا عن ذلك، فإن القرض بفائدة يلزم المقترض بأن يدفع زيادةً على رأس المال الفوائد التي تزيد بزيادة الأجل لأنها دورية متجددة.

أما التمويل بالمشاركة فإنه عندما يعطي المموّل نصيبًا من العائد فإن معنى ذلك أنه لا يضمن بأي حال من الأحوال أن يكون العائد الذي يحصل عليه الممول مساويا لرأس ماله (كما هوالحال في القرض الحسن)، ولا زائدا عنه (كما هو في القرض الفائدة). وهذه هي أهم مميزات هذا النوع من وسائل التمويل.

وفيما عدا ذلك فإن باب الإبتكار والإجتهاد يبقى مفتوحا أمام المتعاقدين لإختيار طريقة حساب العائد، ولتحديد نسبة مشاركة الممول فيه ومدة هذه المشاركة، وغير ذلك من شروط العقد...

2. ألا يترتب عليه المشاركة في ملكية المشروع ولا في إدارته ولا الإشراف عليه؛ لأن ذلك يجعله عقد مشاركة في رأس المال بالصورة التي نص عليها البند الأول من المادة الثانية وكل ما يعطيه للممول بديلا عن رأس ماله هو نسبة محدّدة من عائد المشروع لفترة معينة...وهذا تطبيق آخر لمبدأ المشاركة التضامنية التي تجيزها الشريعة الإسلامية على أساس أن الغرم بالغنم، ومن يشارك في الزيادة يجب أن يشارك في النقصان...

وإذا كانت الإتفاقية قد آثرت الإشارة لهذه المعاملات عبارة عامة هي ((طرق التمويل الأخرى))، فلكي يبقى المجال واسعا أمام الخبراء لإبتكار الصيغ الجديدة لهذه القعود بما يناسب مع التقدم في إبتكار طرق حساب العائد من هذا النوع من المشروعات. ولكن المادة الثامنة عشر أوجبت على البنك عندما يقدم قروضا لمشروعات معينة من مشروعات البنيان الإقتصادي أو غيرها أن يراعي ما لكل مشروع من عائد محتمل...

(ج) إجتذاب الودائع الإستثمارية وإجتذاب المدخرات بآية وسيلة أخرى:

من ناحية الحصول على الأموال فإن بنوك التنمية التقليدية تستطيع أن تنزل إلى السوق المالية وتقترض منها بفائدة ما تحتاج إليه من أموال، وهو أمر لا يستطيع البنك الإسلامي أن يفعله. ولذلك فإن واضعي الإتفاقية رأوا أن البنك يجب أن يعمل على تشجيع الودائع، لأن هذه الودائع هي البديل عن الإقتراض بفائدة. وصرحت بذلك المادة الثانية عندما ذكرت في البند السادس ضمن وظائف البنك ((قبول الودائع وإجتذاب الأموال بأية وسيلة أخرى)). وهنا يظهر مرة أخرى أن الإتفاقية تفتح باب التجديد والإجتهاد لإبتكار وسائل أخرى (غير الإقتراض بفائدة) لإجتذاب الأموال، وأثناء المناقشات ذكر من بين هذه الوسائل إصدار وثائق إستثمارٍ كوسيلة من وسائل إجتذاب رؤوس الأموال.

مما لا شك فيه أن الودائع تلعب دورًا هاما في البنك الإسلامي لذلك حرصت الإتفاقية على النص عليها في هذه الفقرة، كما حرصت في مواضع أخرى على تأكيد الإهتمام بها مثال ذلك:

1. خصصت المادة الثامنة للودائع، وقررت أنه ((يجوز للبنك أن يقبل الودائع التي يجب أن تستخدم وتدار وفقًا للقواعد التي يضعها البنك)).

ورغم أن هذا النص لم يشر إلى القواعد التي سوف توضع للودائع إلا أنه كان من المفهوم أن الهدف من وضع هذه القواعد تشجيع أصحاب الأموال على إيداعها بالبنك الإسلامي، ومن أهم طرق إجتذابها إعطاؤها نصيبا من أرباح البنك يتناسب مع الدور الذي تقوم به في عملياته...

2. لتأكيد حق أصحاب الودائع في الحصول على نصيب من أرباح البنك نصت المادة الثانية والأربعون في فقرتها الأولى على أن ((يحدد مجلس المحافظين سنويًا الجزء من صافي الدخل، الذي يتم تخصيصه للإحتياطيات وللمودعين وللصناديق الخاصة...الخ)). وظاهر من هذا الترتيب أن الإتفاقية تدعو مجلس المحافظين لتخصيص نصيب من الربح للمودعين قبل توزيع الفائض من الأرباح على الأعضاء المساهمين في البنك؛ لأن الدول المساهمة في البنك لا تحرص في العادة على تحقيق ربح لأسهمها وإنما يهمها قبل كل شيء إجتذاب الودائع. ومن المتوقع أن يضع مجلس المحافظين خطة لتوزيع أكبر قدر ممكن من الربح في حالة تحققه على المودعين ليستطيع إجتذاب أكبر كمية من الودائع للبنك لإستخدامها في عملياته.

وبالنسبة للبنوك الإسلامية فإن أحسن وسيلة لإجتذاب الودائع من أموال المسلمين هو الإبتعاد قدر الامكان عن كل معاملة فيها شبهة الربا أو الفائدة. لأن الغالبية العظمى من المسلمين تؤمن إيمانًا يقينيًا بأن الربا المحرم يلوث المال يغضب الخالق سبحانه وتعالى وهم ينتظرون وجود بنوك إسلامية لا تتعامل بالربا لكي يضمنوا طهارة المكان الذي سوف يودعون أموالهم فيه بعيدة عن التلوث بالمال الحرام الناتج عن الفائدة الربوية. وعلى ذلك فإن البنك الإسلامي يفقد كل ميزة له في نظر المسلمين إذا وجدت أية شبهة على أن يسير في نفس الطريق التي تسير فيه البنوك التقليدية من حيث الإقتراض بفائدة، ولو تم ذلك بطرق التحايل التي لا يمكن أن تبقى طويلا خافية على الناس مهما عمل القائمون على البنك لاخفائها أو كتمانها.

إن الدول العربية والإسلامية تمر بفترة رخاء نقدي إستثنائية والمسلمون أحق بإستخدام أموالهم في تنمية إقتصادهم بدلا من إيداعها في الخارج ووجود بنك إسلامي طاهر من شبهة الربا أفضل وسيلة لإجتذاب الأرصدة المودعة في الخارج والمملوكة لمسلمين يؤمنون بتحريم الفائدة. وإذا كانوا يودعونها اليوم في بنوك أجنبية فعذرهم أن البنوك التقليدية في بلادهم تسير على نفس أساليب التعامل بالفائدة أما إذا وجدت بنوك إسلامية توجهها للمساهمة في مشروعات الانماء الإجتماعي والإقتصادي للشعوب الإسلامية، وفي نفس الوقت تبتعد عن شبهة الربا، فإن ذلك سوف يشجعهم على إعادة أموالهم إلى بلادهم.

3. ولتوفير جو أكبر من الاطمئنان لدي المودعين نصت المادة الخامسة والخمسون على أن (( يلتزم البنك بالمحافظة على السرية فيما يتعلق بالودائع والحسابات. وعلى الدول الأعضاء أن تحترم سرية المعلومات المتعلقة بها)).

لقد رأيت أحد (الخبراء) التقليديين يفزع عندما قرأ هذا النص قبل تقديمه إلى المؤتمر، وصاح قائلا لا يكفيكم أنكم وسعتم في عمليات بنك التنمية ليشمل عمليات الإستثمار، بل تضيفون إلى ذلك العمليات المصرفية البحتة، من قبول ودائع وفتح حسابات..لقد بعدتم عن مبدأ التخصص.

لقد كان جوابي واضحًا أن مبدأ التخصص بالصورة التقليدية التي تمارسونها إنما كان نتيجة قرون طويلة عاش فيها نظامكم الإقتصادي والمصرفي تحت سيطرة نظام الفائدة فهو قد صنع لتثبيت نظام التعامل بالفائدة وخدمته. أما نحن فلا تنس أننا عشنا أربعة عشر قرنا لا نعرف الفائدة ولا نـتعامل بها بل نحرمها ولم نـتعامل بالفائدة إلا عندما دخل عندنا هذا النظام في ظل السيطرة المالية الأجنبية وسيطرة جيوش الإحتلال الأجنبي وهي فترة قصيرة نريد أن نمحو آثارها، لنعود إلى نظامنا الأصيل المطهر من الفائدة. وعندما نقيم هيكل هذا النظام على أساس مختلف عن أسس نظامكم الربوي، سوف يكون عندنا تخصص، ولكننا سنجعله تخصصا مختلفا عما وصلتم إليه، لأننا بدأنا من نقطة غير النقطة التي بدأتم منها، بل هي مناقضة لها وهي مبدأ عدم التعامل بالفائدة.

إنني أشير إلى هذا الحوار لأنه ما زال عندنا خبراء بيروقراطيون في كثير من الدول الإسلامية يضعون العقبات في وجه حركة إنشاء البنوك الإسلامية محتجين بمبدأ "التخصص" الذي يجدونه مكتوبا عندهم في نظم مراقبة البنوك أو قوانين البنوك أو ما إلى ذلك من نصوص يعرفون جيدا أنها منقولة ومترجمة من نصوص وضعتها دول قام إقتصادها على أسس ربوية يحرمها الإسلام وتتناقض معه.

(د) القرض الحسن: وقد نص عليه البند الثالث من المادة الثانية عندما أعطى للبنك الحق في ((منح قروض لتمويل المشروعات والبرامج الإنتاجية في القطاعين الخاص والعام في الدول الأعضاء)).

ويستفاد من هذا النص ما يأتي:

1. أن هذا النوع من القروض لا تمارسه مطلقا البنوك التقليدية، فهي لا تعرف إلا القروض مقابل الفائدة. أما منح القروض الحسن فهو عملية لا تقوم بها إلا البنوك الإسلامية وحدها. وهذا هو من أهم خصائصها.

لذلك نتيجة هامة ينبغي ألا ننساها، وهي أنه لا يجوز بحال من الأحوال نقل القواعد الخاصة بالقروض الموجودة في البنوك التقليدية بقصد تطبيقها على القروض التي تمنحها البنوك الإسلامية لأن هذين النوعين مختلفان تمامًا.

2. أن هذا النوع من القروض ليس من وسائل الإستثمار، فهي لا تضمن للبنك المقرض أية زيادة على رأس ماله وإذا حاول البنك الحصول على أية ميزة أو زيادة على رأس المال فإن المعاملة تصبح مشوبة بالربا، وتنقض المبدأ الأساسي الذي قام على أساسه.

5. ثانيا: التنمية الإجتماعية ركن أساسي للتنمية الإقتصادية:

مثل آخر من أمثلة إجتراء نصوص الإتفاقية على القواعد التقليدية للتخصص هو أن هذا البنك، وكل بنك إسلامي هو بنك إجتماعي كما هو بنك مالي أو إقتصادي أو مصرفي، والإهتمام بالناحية الإجتماعية أصل من الأصول الإسلامية حرص واضعوا الإتفاقية على إبرازه وتأكيده.

في تعريف البنك الذي أوردته المقدمة وصف بأنه ((مؤسسة مالية بالجمع بين التنمية والإستثمار))، بل يربط بينهما وبين التقدم الإجتماعي، لأنه في نظر الإسلام أساس التقدم الإقتصادي.

وقد أكدت المادة الأولى من الإتفاقية الإرتباط بين الناحيتين الإجتماعية والإقتصادية عندما أشارت إلى أن هدف البنك هو دعم التنمية الإقتصادية والتقدم الإجتماعي للشعوب الإسلامية..

وعندما ذكرت المادة الثانية وظائف البنك ونصت في البند الثاني منها على مشروعات البنيان الإقتصادي أضافت إليها على قدم المساواة مشروعات البنيان الإجتماعي. فبناء مدارس أو مستشفيات في منطقة لا يقل في أهميته عن بناء الجسور والطرق والترع الضرورية لدفع عملية التنمية الزراعية أو الصناعية أو الإنتاجية لتلك المنطقة.

وزيادة على ذلك فإن المادة الثانية ذكرت من بين وظائف البنك في البند الرابع ((إنشاء وإدارة صناديق خاصة))، كما ذكرت في البند الخامس النظارة على صناديق الأموال الخاصة. والصناديق الخاصة المشار إليها في هذين البندين إنما ينشئها البنك أو يتولى النظارة عليها من أجل تحقيق أغراض إجتماعية في الدرجة الأولى وإذا كانت هذه النصوص تعمدت عدم تحديد هذه الأغراض فعلة ذلك أنها قصدت إعطاء إدارة البنك حرية مطلقة في تقدير أهمية هذه الصناديق وعلاقتها بأهداف البنك ومع ذلك فقد حرصت الإتفاقية على الإشارة إلى ضرورة إنشاء صندوق لمعاونة المجتمعات الإسلامية في الدول غير الأعضاء كما أشار البند التاسع إلى أن من وظائف البنك تقديم المعونات الفنية للدول الأعضاء وأشار البند العاشر إلى تدريب المشتغلين في مجال التنمية بالدول الأعضاء وكل هذه الوظائف لها أهمية إجتماعية في رفع مستوى الخبرة للعاملين في مجالات التنمية الإقتصادية والإجتماعية.

وقد حظى موضوع الصناديق الخاصة بعناية كبيرة من جانب واضعي الإتفاقية فبعد تعداد الموارد المالية العادية للبنك في المادة التاسعة خصصت المادة العاشرة لذكر موارد الصناديق الخاصة وخصصت المادة الحادية عشرة لموارد الصناديق الموضوعة تحت نظارة البنك كما فرقت المادة الثالثة عشرة بين عمليات البنك العادية وبين ما سمته العمليات الخاصة (التي تمول موارد الصناديق الخاصة التي ينشئها البنك) وما سمته عمليات النظارة (التي تمول من موارد الصناديق الموضوعة تحت نظارة البنك).

أما المادة الرابعة عشرة فقد قررت مبدأ الفصل بين هذه الأنواع الثلاثة من العمليات من حيث حساباتها وأموالها وأخيرا عادت المادة الثانية والعشرون إلى تقرير مبدأ جواز إنشاء الصناديق خاصة، وذكرت مثالين لأغراضها وأضافت إليها أية أغراض أخرى وكل ما اشترطته المادة الثالثة والعشرون في هذه الأغراض ألا تتعارض مع أهداف البنك ووظائفه.

وزيادة في عناية الإتفاقية بتمويل الصناديق الخاصة لتحقيق أغراضها الإجتماعية أوجبت المادة الثانية والأربعون في البند الأول منها على مجلس المحافظين قبل صرف أي جزء من صافي الدخل في شكل أرباح أن يحدد الجزء المخصص للصناديق الخاصة وأغلب الظن أن هذا النص يوحى للدول بأن توجه الأرباح كلها أو معظمها إلى الأغراض الإجتماعية للبنك لأن الدول التي تساهم في إنشاء بنوك التنمية لا تتوقع الحصول على ربح من وراء هذه المساهمة في أكثر الأحوال.

هذه العناية بتنظيم الصناديق الخاصة والنظارة عليها تدل على إهتمام الإتفاقية بالوظيفة الإجتماعية للبنك، لأن الصناديق الخاصة إنما تتولى هذه الوظيفة. وقد ظهرت هذه العناية بصورة واضحة في الدراسة المصرية التي كانت أساس الإتفاقية وقد خصصت هذه الدراسة بابا لموارد بيت المال ومصارفه، وزكاة المال التي هي المصدر الرئيسي لموارد بيت مال المسلمين، ودور البنوك الإسلامية بجميع أنواعها في القيام بالوظائف الإجتماعية للزكاة وبيت المال.

إن نظام الزكاة يدل على أهمية الوظيفة الإجتماعية للدولة في الإسلام لأن مصارف الزكاة محددة بترتيب إلزامي في نصوص القرآن الكريم ومراجعة هذه النصوص تبين أن مصارف الزكاة معظمها إن لم تكن جميعها تتعلق بالناحية الإجتماعية (الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب...).

وإذا كانت نظرية الإسلام تجعل الوظيفة الإجتماعية هي الوظيفة الرئيسية لبيت المال وللدولة كلها بجميع أجهزتها فإن هذا المبدأ يطبق أيضا على البنوك الإسلامية. كل بنك إسلامي له طابع إجتماعي واضح وكل بنك إسلامي يجب أن يُبرز في نظامه وظيفتَهُ الإجتماعية، لأنه بنك إجتماعي، كما أن الدولة الإسلامية هي دولة إجتماعية كذلك، وبيت مالها هو صندوق إجتماعي أيضا.

6. ثالثا: المبادئ الإقتصادية السليمة هي التي تكمل الأصول الشرعية والقيم الأخلاقية الإسلامية ولا تتعارض معها.

في الفقراء الأولى من مقدمة الإتفاقية نص على أن عمل البنك يقوم ((على أساس المبادئ والمثل الإسلامية)).

وفي الفقراء الأخيرة من المقدمة أعيد النص على هذه القاعدة بالنص على أن البنك ((يستمد توجيهاته وأصوله من المبادئ والمثل الإسلامية)).

وللمرة الثالثة نجد أن هذا المبدأ قد تقرر بصورة قاطعة وصريحة في المادة الأولى من الإتفاقية التي ذكرت أن هدف البنك هو دعم التنمية الإقتصادية والتقدم الإجتماعي ((وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية)).

وإلى جانب ذلك نجد أن المادة الثانية عشرة نصت على أن موارد البنك وتسهيلاته يجب ألا تستخدم إلا على الأسس الإقتصادية السليمة.

ولمعرفة ما تقصده الإتفاقية من الأسس الإقتصادية يجب تفسيرها على ضوء الموضع الذي وردت فيه هذه العبارة والمناقشات التي دارت حولها في الجلسة التي أقرت فيها الصياغة النهائية لهذا النص.

ففيما يخص الموضع، نرى أن الإشارة للأصول الإقتصادية جاءت في المادة الثانية عشرة المخصصة لإلزام البنك بألاّ يستخدم موارده إلا من أجل تحقيق الأهداف والقيام بالوظائف الواردة على التوالي في المواد (1) و (2) ثم أضاف النص لهذا القيد على الإنفاق شرطا آخر هو تطبيق الأسس الإقتصادية السليمة. ومعنى ذلك أن المقصود هو حث البنك والقائمين به على عدم توجيه أمواله لخدمة أغراض شخصية أو سياسية أو أية أغراض تخالف الهدف المنصوص عليه في المادة الأولى (وهو التنمية على أساس المبادئ والمثل الإسلامية) وحثهم كذلك على عدم تبذيرها أو الإسراف فيها وعدم إنفاقها بدون دراسة جدية للمشروعات وضمان سيرها على أسس إقتصادية سليمة تضمن لها النجاح وتضمن للبنك الربح.

فالأسس الإقتصادية السليمة التي أشار إليها هذا النص هي الأسس التي تضمن لمشروعاته النجاح في تحقيق التنمية للشعوب الإسلامية على أساس المبادئ الإسلامية، وتضمن للبنك الربح والنموّ على أساس هذه البمادئ أيضا.

فالأسس الإقتصادية السليمة المقصودة بهذا النص هي المبادئ الإقتصادية التي تتفق مع المبادئ الإسلامية ولا تتعارض معها بأي حال من الأحوال.

ومما يؤكد هذا الإتجاه ويقطع به هو أن البعض قد إقترح أثناء تحرير مشروع الإتفاقية أن ينص على ((الأسس المصرفية السليمة))، ولكن هذه العبارة استبدلت ووُضع بدلا منها عبارة ((الأسس الإقتصادية)). وسبب إستبعاد ما يسمى بالأسس المصرفية هو أن بعض البيروقراطيين الذين قضوا حياتهم في خدمة المصارف التقليدية ووصلوا فيها إلى أعلى المناصب بعض هؤلاء بسبب طول ممارستهم للعمل المصرفي التقليدي يعتقد خطأ ويظن أن الفائدة قد أصبحت مبدأ من المبادئ الأساسية في النظام المصرفي، وأنها لذلك واجبة وحتمية بحكم المبادئ المصرفية السليمة.

وإنني لا أذيع سرًا إذا قلت لكم أن مناقشات حامية وحادة في بعض الأحيان قد دارت في إجتماعات لجان الخبراء حول هذه المبادئ المصرفية السليمة التقليدية وحول إمكانية الإستغناء عنها وكان هناك خبراء يصرّون على القول بأنه لا يمكن الإستغناء عن هذه المبادئ التقليدية المصرفية.

من أجل ذلك تقرر بشكل حاسم وقاطع إستبعاد أية إشارة إلى المبادئ المصرفية السليمة خشية أن يظن البعض أن المقصود بها هو المبادئ التقليدية، ومن بينها التعامل بالفائدة في بعض الأحيان.

ومما يدل على قوة هذا الإتجاه إلى إستبعاد الفائدة وإستبعاد كل عبارة يمكن أن تقتح باب التعامل بها أمام هذا البنك أنه قد عُقِد لمناقشة الإتفاقية وإقرارها إجتماعان للجنة التحضيرية (حضر فيها وفود عن جميع الدول المؤسسة وعددها سبع وعشرون دولة) ومؤتمران لوزراء مالية الدول الإسلامية (حضر الأول منها مندوبون عن جميع الدول الأعضاء في المؤتمر الإسلامي في ذلك الوقت أي عام 1972 م وحضر الثاني مندوبون عن جميع الدول الموقعة على إتفاقية التأسيس). ولا تجد في محاضر جلسات تلك الإجتماعات والمؤتمرات أي صوت يشكك في أن مبدأ عدم التعامل بالفائدة هو الأساس الذي أقيم عليه البنك ووُضع نظامه من أجله.

أكثر من ذلك فإن إستبعاد كل إشارة إلى الأصول المصرفية التقليدية قد تقرر بصورة صريحة وقاطعة إثر تدخّلٍ مؤثر وحاسم من جانب أحد المندوبين إذ أنه قد وقع في يده بطريق الخطأ نسخة أشير فيها إلى الأصول المصرفية السليمة فألقى خطابا مطولا قدّم فيه حُججًا قوية على أن ما يسمى بالأصول المصرفية السليمة يجب إستبعاده من نصوص الإتفاقية حتى لا يتخذ ذلك حجة من جانب بعض أنصار مبدأ التعامل بالفائدة ليستدرجوا إدارة البنك نحو التعامل بها في بعض الأحيان بزعم أن ذلك توجبه الأصول المصرفية السليمة وبين ذلك المندوب وهو محافظ البنك المركزي لأكبر دولة إسلامية في ذلك الوقت أن عبارة الأصول المصرفية السليمة إنما يقصد بها البعض أصول النظام المصرفي التقليدي الحالي الذي يتعارض مع مبادئ الإسلام التي أنشئ هذا البنك على أساسها.

وبديهي أن الرد الذي أراح ذلك المندوب وأقنعه هو أن النسخة التي قدمت له بطريق الخطأ تخالف النسخة التي أقرتها لجنة الصياغة وأن النص يشير إلى المبادئ الإقتصادية لا المبادئ المصرقية.

إنني حرصت على الإفاضة في عرض هذا الموضوع، لأن هذا البنك بحكم ظروف إنشائه مضطرّ إلى الإستعانة بموظفين خبراء سبق لهم العمل في البنوك التقليدية وهؤلاء في معظمهم قد ينسون أن هذا البنك مختلف عن البنوك التقليدية التي عملوا فيها، وأن نظام عمله بالتالي لا يطبق عليه ما يسمونه بالمبادئ المصرفية التقليدية ولو وصفوها هم أو وصفها خبراء النظام المصرفي المعاصر بأنها هي المبادئ المصرفية ((السليمة)).

لقد قصدت أن أذكرهم بأن هذا البنك الإسلامي متميز عن البنوك التقليدية ودراستنا للخصائص المميزة له تبين بوضوح أنه يقوم على أصول إسلامية مختلفة عما سمعوا به أو مارسوه فعلا من أصول مصرفية تقليدية.

7. رابعا تطبيق عملي لمبدأ التضامن الإسلامي على أساس وحدة الأمة الإسلامية:

إن إنشاء البنك الإسلامي يعتبر في نظرنا نقطة تحوّل في تاريخ الفكر الإقتصادي والإجتماعي، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ الحضارة الانسانية المعاصرة، لأنه كما قدمنا بداية عملية ورسمية لدخول الفكر الإسلامي ميادين التطبيق العملي في النظام المصرفي والنظم الإقتصادية المعاصرة.

ومع ذلك فإن إنشاء هذا البنك ليس مجرد تجربة ذات طابع فكري أو أهمية علمية أو غاية نظرية. إنه قبل كل شيء في نظر الدول والحكومات التي أنشأته خطوة خطيرة في طريق تطبيق مبدأ التضامن الإسلامي.

إن التضامن الإسلامي في نظر دولنا وحكوماتنا يعنى سيرها نحو التقارب والتعاون في جميع المجالات (بما في ذلك مجال التعاون الإقتصادي والإجتماعي)، وذلك على أساس وحدة الأمة الإسلامية القائمة على وحدة العقيدة والشريعة والثقافة.

لقد بدأت الحكومات الإسلامية سياسة التضامن الإسلامي بعقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول بمدينة الرباط عام 1969 وقد أعلن هذا المؤتمر إتفاق ملوك الدول ورؤسائها على إنشاء منظمة دولية جديدة هي "المؤتمر الإسلامي". وكان من بين الأهداف التي أنشئ من أجلها هذا المؤتمر حسبما وردت في قرارته ((دعم التعاون بين الدول الأعضاء في المجالات الإقتصادية والإجتماعية وغيرها من ميادين النشاطات الأخرى)).

لقد أشارت مقدمة الإتفاقية إلى هذا القرار واعتبرت إنشاء البنك أول خطوة عملية لتطبيقه، ثم أضافت إلى ذلك أنه يعبر تعبيرًا عملياً عن وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها.

إن واقع العالم الإسلامي اليوم يقاسي من التناقض بين وحدة الأمة وتعدّد الدول وإختلافها. وفكرة التضامن الإسلامي معناها إتجاه الدول والحكومات ذاتها إلى العمل على إزالة هذا التناقض عن طريق إيجاد تعاون وتقارب وتضامن بينها في جميع المجالات، وفي مقدمتها المجال الإجتماعي والإقتصادي كما أشارت لذلك قرارات مؤتمر القمة الإسلامي الأول. وإذا كان هذا التعاون يجمع دولاً عديدة تمثل أمة واحدة، فإن الأساس السليم والقوي لإقامة صرْحه يجب أن يستمد من الأصول التي استمدت منها وحدة الأمة القائمة فعلاً. إن تعدد الدول الإسلامية طالما هو باق، فمعنى ذلك أن وحدة الأمة ليست وحدة سياسية. وإنما هي وحدة عقيدةٍ وشريعة وثقافة وفكر ومصالح مشتركة. هذه العقيدة والشريعة والثقافة والمصالح المشتركة هي أساس وحدة قائمة فعلا هي وحدة الأمة وعليها يمكن أن يقام صرح التعاون الإقتصادي والإجتماعي الذي جعله المؤتمر الإسلامي هدفا له...وإذا تدعم هذا التعاون واكتملت صورته توفرت للأمة الإسلامية وحدة إقتصادية تماثل وحدتها العقيدية والفكرية والثقافية وأصبح المجتمع الإسلامي قوة إقتصادية كبرى تعطيه وزنا عالميا في المجال الدولي في عصرنا الحاضر الذي يعتبر الإقتصاد أكبر سلاح في مجال التنافس والصراع بين الدول وأصبحت هذه الوحدة الإقتصادية أساسا متينا وقويا للتعاون السياسي بين الدول الأعضاء في المؤتمر، كما هو الشأن في بناء الوحدة الأوربية على أساس الوحدة الإقتصادية ممثلة في السوق الأوربية المشتركة. وفاعلية هذه الوحدة الإقتصادية تعالج آثار إختلاف الأوضاع السياسية الناتجة عن تعدد الدول وتعدد الحكومات.

فإذا كانت الدول والحكومات قد إختارت طريق التعاون والتضامن في المجال الإقتصادي والإجتماعي بين الدول الإسلامية، وكان هذا التعاون يقتضي إقامة هيئات ومؤسسات لتكون تعبيرًا عملياً عن تضامنها، فإن فكرة إنشاء هذا البنك كانت في نظرها أكبر خطوة عملية في هذا السبيل. وأهمية هذه الخطوة جاءت من أن الدول التي إقترحت إنشاء البنك قد إشترطت أن يكون نظامه وسير أعماله مستندا إلى العقيدة والشريعة الإسلامية التي وحدت هذه الأمة وأمدتها بمقوماتها الثقافية والفكرية والإجتماعية. وبذلك تصبح هذه المقومات العقيدية والشرعية والثقافية والإجتماعية هي المنبع الخصب الذي يمد هذه المؤسسة بالمبادئ التي تمكنها من النموّ والتطوّر والفاعلية في مجتمع إلتحمت بأصوله ومدت جذورها في أعماق قِيَمه المعنوية والروحية والفكرية.

وعندما أقر مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية إقتراح تلك الدول، ثم عاد المؤتمر الأول لوزراء مالية الدول الإسلامية فسجل إقراره الإجماعي لتلك الفكرة في وثيقة تاريخية سميت ((إعلان العزم على إنشاء البنك الإسلامي))، كان هذا الإعلان مؤكدا لفكرة إنشاء البنك على أصول مستمدة من مبادئ الإسلام وأحكام شريعته الخالدة فأصبح الطابع الإسلامي هو الذي يميز هذا البنك عن غيره من البنوك التقليدية الموجودة في جميع أنحاء العالم وأصبح هذا البنك الإسلامي للتنمية أول بنك دولي يحمل هذا الطابع ووضع له ميثاقه في صورة إتفاقية دولية وقّعت عليها حتى الآن ثمان وعشرون دولة، وما زال عدد الدول المشتركة فيه يزداد، ونأمل أن تنضم إليه جيمع الدول المشتركة في المؤتمر الإسلامي التي بلغ عددها حتى الآن اثنتين وأربعين دولة.

ومما يعطي لهذه الإتفاقية أهمية خاصة ويعطي للبنك أهمية أكبر، هو أنه بمقتضى نصوص ميثاقه أصبح محور سياسة التعاون المالي والإقتصادي والإجتماعي بين الدول الأعضاء فيه. ذلك أن مجلس محافظي البنك يضم وزراء مالية الدول المشتركة فيه أو نوّابهم. وهذا المجلس هو المسيطر على البنك والموجّه له والمشرف على جميع نشاطاته، وقد نصت المادة التاسعة والعشرون من الإتفاقية على أنه ((تتركز كل سلطان البنك في مجلس المحافظين)).

إن مجلس المحافظين الذي يضمّ وزراءَ مالية الدول الأعضاء هو في حقيقته مؤتمر دائم لهؤلاء الوزراء. إنه مؤتمر دوري ومتجدد لوزراء مالية الدول الإسلامية، ويمكن إعتباره مجلسا إقتصاديا وإجتماعيا للدول الإسلامية، وبذلك يكون أول هيئة دولية متخصصة في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي ولذلك نصت المادة الثلاثون من الإتفاقية على أنه يعقد في دورة عادية مرة في كل سنة، وفضلا عن ذلك فإنه يمكن أن يعقد أي عدد آخر من الإجتماعات كلما دعت الحاجة لذلك. ويجب على مجلس المديرين أن يدعوه للإجتماع إذا طلب ذلك ثلث الدول الأعضاء في البنك.

معنى ذلك أن البنك بأجهزة المختلفة، وعلى رأسها مجلس وزراء مالية الدول الإسلامية الذي تسميه الإتفاقية ((مجلس المحافظين))، هو المحور الأول الذي يقوم عليه صرح التعاون الإقتصادي والإجتماعي الإسلامي ولذلك إعتبرته الإتفاقية التعبير العملي عن تضامن الدول الإسلامية في المجالات الإقتصادية والإجتماعية.

ومما يصوره طموح الدول الإسلامية وأبعاد آمالها الواسعة في سرعة إقامة صرح التعاون الإقتصادي فيما بينها، هو ما تضمّنـته تلك الإتفاقية من وضع حجر الأساس لسياسة نقدية مشتركة تتّجه نحوها الدول الإسلامية عن طريق إيجاد وحدة نقدية تسميها الإتفاقية ((الدينار الإسلامي)).

لقد نصت الفقرة (3) من المادة الرابعة من إتفاقية تأسيس البنك على أن ((تسمى الوحدة الحسابية للبنك الدينار الإسلامي...)). هذه العبارة بذاتها تدل على طموح الدول الإسلامية وتطلعاتها البعيدة نحو مساهمتها في إصلاح نظام النقد العالمي عن طريق إيجاد وحدة نقدية تمثل هذه المجموعة الإقتصادية والمالية التي يعترف العالم كله بقوتها وأهميتها في المجال المالي والإقتصادي العالمي.

بعد أن قررت الإتفاقية مبدأ وجود الدينار الإسلامي، قررت إعتباره الوحدة الحسابية للبنك. وأعطت لهذه الوحدة الحسابية دورا خطيرا في تحديد رأس مال البنك وفي معاملاته:

(أ‌) ففيما يخص تحديد رأس المال نصت الفقرة (ب) من المادة الرابعة على أن الدينار الإسلامي هو الوحدة التي تستخدم في تحديد رأس المال المصرح به ورأس المال المكتتتب فيه مبدئيّا وفي تحديد قيمة كل سهم من أسهم رأس المال.

(ب‌) وفيما يخص عمليات البنك نصت المادة السادسة والعشرون على أن تتم القروض على أساس الدينار الإسلامي إلا إذا رأى البنك غير ذلك في حالات خاصة.

وهذا النص له أهمية خطيرة في العمل، ذلك أن عقد القروض على أساس الدينار هو أكبر ضمانة للبنك ليحمى نفسه من النتائج التي تترتب على تغير قيمة العملات سواء كانت عملات الدول الأعضاء أو عملات الدول الأجنبية التي يتم بها التعامل عادة بإعتبارها ((عملات حرة قابلة للتحويل)). وتظهر أهمية هذه الضمانة من أن الإتفاقية ذاتها هي التي تحدد محتوى الدينار الإسلامي هذا المحتوى لا يمكن أن تستقل بتحديده دولة ولا عدة دول من الدول الأعضاء أو الدول الأجنبية.

وهنا نصل إلى النقطة الثانية الرئيسية الخاصة بتحديد محتوى الدينار الإسلامي، وهي أخطر المسائل المتعلقة بموضوع الإصلاح النقدي والتطورات العالمية بشأنه. وقد عرضت على لجان الخبراء عدة آراء بخصوص تحديد الدينار الإسلامي فاختارت التحديد الذي نصت عليه الفقرة ((أ)) من المادة الرابعة وهو أنه ((يعادل وحدة من حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي)) وقد رُوعي في هذا الإختيار الإعتبارات الآتية:

1. إن جميع الدول الأعضاء مشتركة في صندوق النقد الدولي. وبذلك فإن هذا التحديد لا يمكن أن يعترض عليه أحد أثناء مناقشة مشروع الإتفاقية وبذلك يضمن إقرار الإتفاقية بالإجماع وتـتفادى المناقشات المطولة التي قد يترتب عليها تأخير إنشاء البنك أو تعطيل الإتفاقية.

2. إن هذا التحديد مؤقت، ويمكن لمجلس المحافظين أن يعيد درس هذا الموضوع ويختار محتوى خاصًّا بالدينار الإسلامي يجعله مميزا ومستقلا عن الوحدة الحسابية للبنك الدولي.

ولقد كان هناك إقتراح بالنص في هذه الفقرة على أن هذا التحديد مؤقت إلى أن يتولى مجلس المحافظين تحديد محتوى مستقل للدينار الإسلامي...ولكن لجنة الخبراء رأت أن هذا النص لا فائدة له، لأنه تحصيل حاصل ذلك أن لمجلس المحافظين الحق في تعديل هذا النص وغيره من نصوص الإتفاقية بمقتضى المادة 62 منها. خصوصًا وأن هذا النص بالذات (أي الفقرة 1/أ من المادة الرابعة) مثله مثل معظم نصوص الإتفاقية التى يكفي لتعديلها موافقة ثلثي مجموع أعضاء مجلس المحافظين الذين يمثلون ما لا تقل عن ثلاثة أرباع مجموع أصوات الأعضاء طبقا للفقرة (1) من المادة 62 بخلاف المسائل المحددة المنصوص عليها في الفقرة (2) من تلك المادة التي يلزم لتعديلها إجماع أعضاء المجلس.

لذلك إنتهت الإتفاقية بالإكتفاء بتحديد مؤقت للدينار الإسلامي تاركة لمجلس المحافظين إختيار تحديد مستقل مناسب للدينار الإسلامي على ضوء سياسة الدول الأعضاء، وعلى ضوء الحلول التي تعرض لإصلاح نظام النقد الدولي.

ولكن مهمة مجلس المحافظين في هذا الموضوع مهمة سياسية، يجب أن تسبقها حركة علمية ودراسات متعددة في هذا الصدد. ولا شك أن الحكومات المختلفة هي المسؤول الأول عن هذه الدراسات، بواسطة أجهزتها الرسمية في وزارة المالية والبنوك المركزية. ولكن الهيئات العلمية لا يجوز أن تهمل دورها في هذا الموضوع. بل يجب أن تقوم بدور رائد للمساهمة في التقدم المنشود نحو إستقلال الدينار الإسلامي. وإنني أعتقد أن من حق المؤتمر[2] أن يعني عناية خاصة بهذا الموضوع، وأقترح أن يوصى جامعة الملك عبد العزيز بأن تتولى بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية عقد ندوة علمية يشترك فيها خبراء ماليون وإقتصاديون وقانونيون لدراسة موضوع الدينار الإسلامي وإعداد برنامج بالخطوات العملية اللازمة لتحديده تحديدًا ذاتيًّا مستقلاً عن الوحدة الحسابية للبنك الدولي.

8. خامسا التضامن في المعاملات بدلا من الفائدة:

إن إستبعاد التعامل بالفائدة أساسه أن الإسلام حرّم الربا. وقد عرّفنا الربا بأنه حصول الدائن على زيادة في رأس ماله مقابل الأجل. وعلة تحريم الربا أنه يفتح باب الظلم والإستغلال، فهو ظلم لأن العقد يضمن لأحد المتعاقدين (وهو الدائن) زيادة في رأس ماله دون تحمل أية خسارة، فهو يحصل على رأس ماله في جميع الأحوال، ويحصل فوق ذلك على الفائدة زيادة على أصل الدَين. ويستطيع الدائن أن يحصل على زيادة أكبر كلما كان الطرف الآخر (وهو المدين) ضعيفا فهو يستفيد ويزداد فائدته من ضعف المتعامل معه. وإذا فرضنا أن في المجتمع طبقتين إحداهما تمثل الدائنين والأخرى تمثل المدينين، فإن الطبقة الأولى وهي أصحاب وؤوس الأموال تزداد دخولها كلما ضعفت الطبقة الأخرى أمامها وبذلك يكون في المجتمع طائفة تستفيد من ضعف طائفة أخرى، لأنها تستغلّ هذا الضعف برفع سعر الفائدة. وهذا هو ما يمسى بالإستغلال الرأسمالي، والظلم الرأسمالي الذي جعل العالم كله يبحث عن بديل لهذا النظام ومع ذلك فما زال سيسطر في كثير من أقاليم العالم.

وما يسمى بالقروض الإستثمارية أو الودائع فإنها لا تخرج عن هذه القاعدة لأن المسيطرين على رؤوس الأموال هم الذين يستغلّون أموال المدّخرين في صورة قروض إستثمارية بفائدة يحددونها بحيث يحتكرون الأرباح، وكذلك يستغلّون أموال المودعين ويحصلون من إستغلالها على ربح ولكنهم لا يعطونهم من هذا الربح إلا جزءا محددا بحدود الفائدة. والمودعون أو حاملو السندات يقنعون بهذه الفائدة المحدودة لعجزهم عن إستثمار أموالهم. وكلما زاد عجزهم عن الإستثمار كلما إستفاد المستثمرون الرأسماليون. وبالنسبة للودائع الجارية فالأصل في عقد الوديعة أنه لا يجيز للمودوع لديه التصرف في الودائع بإستغلالها والحصول على ربح منها دون أن يستفيد المودعون أصحاب الأموال من هذا الإستغلال وإذا اشترطوا فائدة فإنها تكون تافهة بالنسبة للربح الذي يحتكره المودع لديهم وهم الرأسماليون المسيطرون على النظام المصرفي والمالي سواء في المجال المحلي أو المجال العالمي. بواسطة البنوك العالمية الكبرى التي تتحكّم في البنوك الصغيرة كما تتحكّم في المدخرين والمودعين والمقترضين على السواء، بل تتحكم في الدول ذاتها عن طريق القروض الربوية.

إن التعامل بالفائدة يؤدي حتمًا إلى خلق طبقة تملك رؤوس الأموال وتعيش وتـثرى من إستغلالها وتـتحكّم في الطوائف الأخرى، وتعمل على إضعافها وتسعى لذلك لأنه كلما زاد ضعف المودعين أو المدخرين أو المقترضين فإنهم يحصلون منهم على شروط أفضل تزيد في رؤوس أموالهم، وبذلك يتضخّم هذا العملاق الرأسمالي ويتحكم في المجتمع كله ويسيطر عليه، وتزداد سيطرته كلما زاد ظلمه للمتعاملين معه بالفوائد، سواء كانت هذه الفوائد في عقد قرض أو وديعة إستثمارية أو وديعة جارية، لأن أصحاب رؤوس الأموال هم الذين يتحكّمون فيها في جميع الأحوال.

وعندما ينقسم المجتمع إلى طائفة تستغلّ وطائفة أخرى، فإن هذا يفتح باب الصراع الطبقي الناتج عن التناقض بين مصالح الطوائف الموجودة في المجتمع فالطائفة الظالمة المستغلة تسعى للسيطرة على السلطة وتسخير الدولة لحماية مصالحها التى تتضخم يوما بعد يوما والطائفة المظلومة المستغلة تقاوم هذه السيطرة بالعنف إذا لم تجد وسيلة أخرى لحماية نفسها من الإستغلال الرأسمالية، وهذا هو صراع الطبقات الذي تخلقه الرأسمالية وتستغلّه الماركسية.

والمبادئ الإسلامية لا تعنى فقط بحماية الأفراد، بل هي تعنى قبل كل شيء بحماية المجتمع من هذا الإنقسام الطبقي وذلك بإقتلاع الأسباب التي تؤدي إلى خلق طبقة إستغلالية ظالمة وطبقة مظلومة مستغلة فقيرة. وأهم هذه الأسباب هو نظام التعامل بالفائدة. لذلك حرّم الإسلام الربا.

إن مساوئ نظام الفائدة أصبحت معروفة ومعترفا بها منذ أجيال وأجيال. وكثير من الإقتصاديين ينسب لها جميع العيوب التي ظهرت في الإقتصاد الرأسمالي، ولكن المشكلة التي وقفوا أمامها هي مشكلة إيجاد البديل عن الفائدة في المعاملات المصرفية والتجارية والمالية.

ولقد كان البعض يأمل أن تكون الحركة التعاونية كافية لإستئصال مساوئ النظام الرأسمالي، وأولها التعامل بالفائدة وما يتصل بها. وأنشئت عدة أنواع من البنوك التعاونية تحمل إسم البنوك الشعبية، أو البنوك المهنية أو بنوك المزارعين أو بنوك النقابات أو بنوك الإدخار، ولكنها جميعا لم تستطع أن تتخلص من التعامل بالفائدة، لأنها لم تكن تهتم إلا بمصالح الطوائف التي تمثلها أو التي تشترك فيها، ولم يكن لديها أي إستعداد للخروج من إطار النظام المصرفي التقليدي في معاملاتها مع غير المشتركين فيها. كما أنها لم تكن تنتمي إلى نظام إقتصادي منفصل عن النظام الرأسمالي ولا إلى نظام مصرفي يختلف عن النظام المصرفي التقليدي، بل بدأت وسارت على أساس أنها جزء من النظام المصرفي الإقتصادي التقليدي القائم في البلاد التي أنشئت بها وكانت النتيجة أن إندمجت في هذا النظام التقليدي المستقر المتحكم ولم تستطع أن تغيره، بل هو الذي غيرها وأخضعها لمبادئه التي يسمونها ((الأصول المصرفية السليمة))!

وقد تطلع بعض الناس إلى الإشتراكية لتنشئ نظاما مصرفيا خاليا من الفائدة التي إعتبرها الإشتراكيون من مخلفات النظام الرأسمالي ومستلزماته وقد نجحت الإشتراكية في إبادة الطبقة الرأسمالية، والقضاء على سيطرتها. ولكنها أقامت بدلا منها سيطرة الدولة والحزب. واصبح النظام المصرفي خاضعا للدولة والحزب بدلا من الرأسماليين وأكثر من ذلك فإنه عاد إلى إستخدام الفائدة في كثير من الأحيان وأصبحت الدولة هي التي تتحكم في المدخرين بواسطة إحتكارها للمصارف وتحكمها في سعر الفائدة.

إما الإسلام فإنه أقام تشريعه ونظامه الإجتماعي والإقتصادي على أساس تحريم الظلم، وحرم الربا لأنه نوع من الظلم، ولا يقبل أن يحل محل هذا الظلم الرأسمالي ظلما حزبيا أو إستبداديا أو من نوع آخر، بل فرض على المسلمين كافةً أن يجتهدوا لكي يقيموا تعاملهم على أساس عادل يحرم الإستغلال والظلم.

وقد إجتهد واضعو هذه الإتفاقية، مستفيدين بالحركة الفكرية الناهضة في جميع أنحاء العالم الإسلامي ورسموا لنا في هذه الوثيقة البدائل التي تقيم التعامل على أساس المشاركة والتضامن بين الطرفين. وأساس هذا الإجتهاد أن كل معاملة تكون شرعية وعادلة إذا كانت تقوم على أساس أن الغرم بالغنم وأن من يحصل على زيادة في حالة الربح يجب أن يتحمل نصيبه في الخسارة إن وجدت.

إن الشريعة تفرق بين القرض وبين غيره من العقود فالمقرض إذا أراد أن يضمن لنفسه رأس ماله دائما في جميع الأحوال دون نقص فإنه لا يجوز له أن يطلب زيادة عنه في صورة فائدة تزيد على رأس المال.

أما إذا كان التعامل في صورة عقد آخر يضمن لأحد المتعاقدين زيادة في حالة الربح فلا بد أن يتحمل نقصا في حالة الخسارة ضمانا للتوازن والعدل بين الطرفين حتى يكون المتعاقدان شريكين في حالة الزيادة والنقص. وتكون العلاقة بينهما علاقة تضامنية لا علاقة إستغلالية. بهذا التضامن تصبح مصالح الطرفين متّجهة في إتجاه واحد، هو نجاح الإستثمار وزيادة الإنتاج وهنا تتحقق مصلحة عامة تتجاوز مصالح المتعاقدين، هي مصلحة المجتمع كله إذ يتّجه الجميع نحو هدف واحد هو زيادة الإنتاج. ويزيد دخل الجميع كلما زاد الإنتاج وينقص دخل الجميع كلما نقص الإنتاج وهذا هو الإنسجام الإجتماعي نتيجة هذا التضامن والتوافق في المعاملات القائمة على أساس المشاركة.

وعلى ذلك فإن أهم مميزات هذه الإتفاقية أنها تضع لمعاملات البنك صِيَغا قانونية تخالف الصيغ التي تستعملها البنوك التقليدية. وهذه أهم خصائص هذا البنك التي نود الإشارة إليها.

ولبيان ذلك فإن معاملات البنك الإسلامي للتنمية تنقسم إلى قسمين، يجب التفرقة بينهما:

القسم الأول: هي المعاملات الإستثمارية. وكلها تقوم على المشاركة، والمشاركة تضم المشاركة في رأس المال (وما يتبعها من مشاركة في الربح والخسارة والإدارة والإشراف على المشروع) وطرق التمويل الأخرى غير المشاركة في رأس المال. وقد ذكرنا منها المشاركة في التمويل (دون مشاركة في الملكية ولا في الإدارة ولا في الإشراف) نظير المشاركة في العائد (الذي يحتمل الزيادة أو النقص عن رأس المال الذي قدمه البنك) بنسبة معينة يتفق عليها دون إشتراط إسترداد رأس المال كاملاً.

القسم الثاني: هي القروض بدون فائدة أما القرض بفائدة فمستبعد نهائيا من معاملات البنك.

ويلاحظ أن البنوك التقليدية لا تعرف هذا النوع من القرض بدون فائدة أو القرض الحسن. كما يلاحظ أن القرض بفائدة الذي تتعامل به البنوك التقليدية لا تعرفه البنك الإسلامي للتنمية.

وعلى ذلك فإن كلمة "القرض" في نظام البنك الإسلامي تشير إلى عقد لا تعرفه البنوك الأخرى، كما أن كلمة القرض في نظم البنوك التقليدية تشير إلى عقد لا وجود له في نظام البنك الإسلامي. ويترتب على ذلك نتيجة هامة، هي أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يقتبس البنك القواعد الخاصة بالقروض من نظم البنوك الأخرى ولا تقاليدها ولا لوائحها ولا عقودها، بل على البنك أن ينشئ القواعد التي تناسب القرض الحسن أو القرض بدون فائدة.

ولكي يكون إجتهاد البناء في هذا المجال على أساس قانوني سليم فإن الأساس يجب أن يكون مختلفا في الحالين: فكرة التضامن والتوازن في المعاملات الإستثمارية، وفكرة المساعدة والتبرّع في القروض. وهما فكرتان متميزتان وتدلان مرة أخرى على أن الإقتصاد الإسلامي هو إقتصاد إجتماعي وأن البنك الإسلامي هو بنك إجتماعي وليس مؤسسة مالية بالمعنى الإقتصادي وحده، لأن المعروف في النظام المصرفي التقليدي أن معاملات البنوك لا تقوم على التبرّع بل على الفائدة.

إن تعريف عقد القرض في الشريعة الإسلامية واضح صريح، وهو أنه من عقود التبرّع لا من عقود المعاوضة لأن الغرض منه مساعدة المقترض، وإن كان المقرض يستردّ رأس ماله فإنه يمنح المقترض حق إستعماله فترة القرض، وهذا هو وجه التبرّع.

وإذا كان هذا التبرّع قد ورد ذكره ضمن وظائف البنك في المادة الثانية فليس معنى ذلك أنه عمل من أعمال الإستثمار، بل معناه أن التضامن الإسلامي لا يقتصر على التضامن في ميدان الإقتصاد والإستثمار، بل يمتد إلى الميدان الإجتماعي الذي يعني مساعدة الدولة العضوّ في البنك على إنجاز مشروع ضروري من مشروعات البنيان الإجتماعي والإقتصادي كما ينص البند الثالث، ولكن عندما يقرر البنك منح قرض لإحدى الدول فإنه يجب أن يعلم أنه يمارس عملا من أعمال التبرّع والمساعدة وأن يراعي الظروف التي تسمح له بذلك.

لقد كان ذلك واضحًا عند إعداد إتفاقية تأسيس البنك ولذلك فإنه قد ثارت مناقشات طويلة في اللجنة التحضيرية بصدد صياغة البند الرابع من المادة السادسة عشرة الخاصة بقواعد التمويل.

تنص هذه المادة على أمرين:

1. ضرورة مراعاة أهيمية الإستثمار على أساس المشاركة.

2. ضرورة محافظة البنك على تناسب ملائم بين الإستثمارات عن طريق المشاركة وبين القروض التي يقدمها للدول الأعضاء.

فالقاعدة الأولى تذكر البنك بأهمية المشاركة، لأنها المورد الوحيد له للحصول على دخل بطريق الإستثمار على أساس المشاركة بأي صورة من الصور التي أشرنا إليها (المشاركة في رأس المال أو التمويل بالمشاركة في العائد). وعلى ذلك فعلى البنك أن يهتم بالإستثمارات للحصول على دخل يكفل له نفقاته ويضمن له رأس ماله وربحًا يكون منه إحتياطياته وينفق منه على أوجه الإنفاق الأخرى كالصناديق الخاصة والمعونة الفنية والجاليات والأقليات الإسلامية في الدول الأجنبية...الخ.

أما القاعدة الثانية فتوجب عليه مراعاة التناسب الملائم بين الإستثمارات وبين القروض، وقد إقترح البعض تحديد نسبة معينة للقروض لا تتجاوزها سواء بالنسبة لمجموع عمليات البنك أوبالنسبة لعملياته مع كل دولة. ولكن إختلاف الآراء وطول المناقشة جعل اللجنة تفضل ترك الأمر في تحديد النسبة لمجلس المحافظين أو على الأقل مجلس المديرين التنفيذيين تحت إشراف مجلس المحافظين.

معنى ذلك أنه يحسن أن يسارع مجلس المحافظين أو مجلس المديرين إلى وضع قاعدة يحدد بها نسبة القروض التي يقدمها البنك. وعليه أن يحدد هذه النسبة من ناحيتين.

أولا: بالنسبة لمجموع معاملات البنك.

ثانيا: بالنسبة لمعاملاته مع كل دولة على حِدة.

وإلى أن تحديد هذه النسبة بمعرفة أحد المجلسين فإن إدارة البنك يمكنها أن تضع لنفسها هذه الحدود حسب إجتهادها مع مراعاة مبدأين:

أولا: أن الأولوية للإستثمارات. فمن الطبيعي أن أول مهمة يواجهها البنك هي إستثمار رأس ماله في مشروعات منتجة يساهم بها في التنمية الإقتصادية والإجتماعية للدول الأعضاء.

الثاني: أن نسبة الإستثمار يجب أن تزيد على نسبة القروض سواء في معاملته مع كل دولة على حدة أو في مجموع معاملاته.

هذه الصيغ القانونية لمعاملات البنك سواء في ميدان الإستثمار أو في ميدان القرض بدون فائدة ليست مقصورة على هذا البنك، وإنما هي الصياغ التي توصلت إليها أبحاث الخبراء القانونيين والإقتصاديين في البنوك الإسلامية بجميع أنواعها. وهذه هي أمثلتها:

1- بنوك الإدّخار المحلية في مصر.

وهي أول نماذج البنوك الإسلامية في العصر الحديث وقد أنشئت في عام 1963.

2- البنك الإجتماعي المصري وقد أنشئ عام 1970.

3- بنك دبي الإسلامي، وهو نموذج للبنوك التجارية الخاصة، أنشئ في عام 1975 وافتتح في شهر رمضان الماضي 1395 هـ.

وقد وجد نموذج آخر أنشئ في باكستان قبل ذلك بمدة طويلة، ولكننا لم نحصل على معلومات كافية عن نظم معاملاته.

4- بنك التنمية الإسلامي وهو أول نموذج لبنك دولي إسلامي والذي درسنا إتفاقية تأسيسه في هذا البحث.

جميع هذه البنوك قامت على أساس تحريم الفائدة ونظام المشاركة في الإستثمار والقرض بدون فائدة في المجالات الإجتماعية.


خاتمة:

عندما تكلمنا عن التضامن كأساس للمعاملات في الإسلام فإنه يجب أن يكون مفهوما أن له ناحية إقتصادية ومالية، وناحية إجتماعية. وإذا كانت إستثمارات البنك الإسلامي للتنمية تقوم أساسا على فكرة التضامن المالي والإقتصادي بين المتعاقدين في عقد المشاركة فإن القروض التي يقدمها للدول الأعضاء بدون فائدة على وجه التبرع لمساعدتها في بعض مشروعات البنيان الإقتصادي والإجتماعي تقوم على فكرة التضامن الإجتماعي بين شعوب إسلامية هي أعضاء في أسرة واحدة هي ((الأمة الإسلامية)).

فالتضامن الذي تقوم عليه معاملات البنك الإسلامي هو تضامن شامل، لأنه مبني كما قدمنا على وحدة الأمة. وقد أرادت الدول التي أنشأت هذه البنك أن تكون وحدة الأمة إقتصادية وإجتماعية كما هي وحدة في العقيدة والشريعة والثقافية وهذا هو سر الصلة الوثيقة بين نظام هذا البنك ومبادئ الإسلامي وأصوله الشاملة لجميع نواحي حياة الفرد وحياة المجتمع.

هذا التضامن الشامل الإقتصادي والإجتماعي هو الذي يمكن أن يكون أساس تنمية حقيقية ذاتية في مجتمعاتنا الأصيلة، لأنه يدفعها للعمل المشترك في ميدان التنمية على أساس مقوماتها الأصيلة وإمكانياتها الذاتية أن الإمكانيات الذاتية للأمم والشعوب هي أساس التنمية الجديدة في جميع المجتمعات الناهضة في العالم الثالث ذلك أن القروض أو المساعدات الخارجية لا يمكن أن تغني عن إعتماد الشعوب على إمكانياتها الذاتية، وهذه الإمكانيات الذاتية لا يمكن الإستفادة منها إلا في مجتمع متضامن لا تمزقه الصراعات الطبقية ولا الإستغلال الرأسمالي. إن التنمية الذاتية تحتاج إلى مؤسسات للتنمية تقوم على مبدأ المشاركة بين صاحب المال والعاملين في ميادين الإنتاج، لأن هذه المشاركة توجه جهودهم المشتركة نحو عملية الإنتاج على أساس تضامن شامل مبني على إقتناع كل منهم بأنه لا يمكن أن يستفيد إلا إذا نجحت المشروعات الإنتاجية التي يساهم فيها بجهده أو ماله _ إن المجتمع الذي يعمل أفراده جميعًا على هذا الأساس هو مجتمع متضامن سليم لا بد أن ينجح في تنمية إنتاجه وإقتصاده. ونعتقد أن البنك الإسلامي للتنمية كما تصوره إتفاقية تأسيسه هو أحسن نموذج للمؤسسات المالية والمصرفية التضامنية وإنه صورة مبتكرة دقيقة مفصّلة لنوع جديد من المصارف المتميزة عن البنوك التقليدية، بخصائص جوهرية إستعرضناها في هذا البحث. وإذا نجح هذا المصرف في مهمته، فإن نجاحه سيكون أكبر عامل على نجاح فكرة البنوك الإسلامية، وستكون إتفاقية تأسيسه هي حجر الزاوية في بناء صرح شامخ لنظام مصرفي إسلامي مستقل ومتميز عن النظم المصرفية التقليدية ويكون الإسلام قد قدمها للعالم كأحسن هدية يحتاج إليها في هذا العصر الذي تشعر فيه جميع الأمم بضرورة مراجعة النظم الإقتصادية والمالية والنقدية التي أدّت إلى ما يواجهه العالم كله من مشاكل مالية ونقدية تهدد مستقبله وإستقراره وأمنه.

وفي نظري أن نجاح هذا البنك يتوقّف على إقتناع العاملين به والمشرفين عليه بفلسفته التي تعطيه خصائص مميزة له عن النظم المصرفية التقليدية السائدة حاليا إن كل محاولة لإدماجه في النظم المصرفي التقليدي تؤدي إلى تشويه ملامح صورته ومسخ شخصيته المستقلة وإذا فقد هذا المصرف شخصيته فقد أصالته وفقدَ الأساس الذي بني عليه، وفقد المبرر لوجوده وقضى على مستقبله وعلى الآمال التي علقها المسلمون جميعا على هذه التجربة الرائدة الرائعة الفريدة التي نتمنى لها النجاح والنموّ والإنتصار على التحديات التي تواجهها.

إننا واثقون إن شاء الله من نجاح هذا البنك بفضل جهود القائمين به والعاملين فيه وبفضل ما تلقاه هذه التجربة من تأييد شامل قوي من جميع الشعوب الإسلامية والجماهير المؤمنة التي تعتبر نجاحه نجاحا لشخصيتها وعقيدتها وأصالتها، ونجاحا للمبادئ الإسلامية التي تزودها بمقوماتها وقيمها الروحية والأخلاقية ومثلها العليا والتي أعلنت للعالم كله أنها دخلت اليوم ميدان العمل المصرفي والمالي والإقتصادي. إن العالم كله يرقب نتائج هذه التجربة، إنه ينظر إلينا جميعا ليقوم كل منا بواجبه في تمهيد الطريق لنجاحها وإزالة الصعوبات من طريقها ومعاونة القائمين عليها على الصمود في وجه جميع التحديات...



[1]أستاذ بكلية الحقوق بجامعة القاهرة.

[2]المؤتمر العلمي الأول للإقتصاد الإسلامي الذي قدم إليه هذا البحث.

  Printer Friendly      Email this Article

More Articles :-
  أشكال الاستثمار في البنك الإسلامي
    - By مخاوى مضوى مخاوى - 13 Mar 2006
  الخدمات المصرفية في ضوء أحكام الشريعة الإ
    - By محمود عارف وهبه - 03 May 2005
  البنوك الإسلامية وأثرها في تطوير الإقتصا
    - By د.أحمد النجار - 03 May 2005
  بيع المرابحة
    - By مولانا/ أحمد على عبد ا - 13 Mar 2006
 
© 2005 FinanceInIslam.com
Advertising | Contact | Feedback