من:                                   Ms.Salma Alfara [salma.alfara1@gmail.com]

تاريخ الإرسال:                     29 تشرين الأول, 2008 01:01 ص

إلى:                                   kantakjigroup@googlegroups.com

الموضوع:                          المصارف الإسلامية أسبق تعاملاً من البنوك التقليدية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المصارف الإسلامية أسبق تعاملاً من البنوك التقليدية


د. توفيق الطيب البشير


شاع في كثير من كتابات المؤرخين في القرن الميلادي العشرين وما سبقه أن نشأة النظام المصرفي بدأت في أوروبا وبالتحديد في إيطاليا في أواخر القرن السادس عشر ومشارف القرن السابع عشر الميلادي. وقد أرجع بعضهم هذه البداية إلى بنك البندقية (1587م ) وبنك أمستردام (1609م ). ومن أعاد الظاهرة إلى تاريخ بعيد، اعتبر أن الصينيين قد سبقوا في اكتشاف بعض مظاهر العمل المصرفي في أوائل القرن التاسع الميلادي. ومن أعادها إلى تاريخ قريب، اعتبر أن البـداية الحقيقية للنظام المصرفي بدأت بظهور بنك انجلترا عام 1694م.

ومما يؤسف له أننا لم نجد وصفاً محايداَ مركزاً في كتب التاريخ الحديثة يعيد إلى الأذهان مبادرات المسلمين في صدر الإسلام من معاملات يمكن ردها بالمفهوم المعاصر إلى ما يشبه النشاط المصرفي في ثوب متقدم بكثير عن تلك البدايات التي ألفها الناس عند صاغة أوروبا وربما كان سابقاً لأوانه بوقت طويل.

ونحن لا نريد هنا أن نغالط هؤلاء المؤرخين فيما أثبتوه من خلفيات تاريخية إن كانوا يقصدون بذلك النشأة المؤسسية العصرية للمصارف، فربما يشير هذا إلى بعض الحقيقة في كتاباتهم ويرجح ظهور المصارف الإسلامية خلال الأربعين سنة الماضية فقط . أما إذا كان المقصود بهذه النشأة هو مجموعة الأعمال المصرفية التي تؤديها المصارف، فإننا بالطبع لن نوافقهم في ذلك استناداً إلى ما أوردته كتب التاريخ الإسلامي عن نماذج مصرفية لنشاطات كثيرة قام بها المسلمون وتعاملوا بها منذ صدر الإسلام الأول، وكانت بدايات ناجحة لا نزال نطبقها في معاملاتنا المصرفية اليومية من تجميع الودائع وتحويل الأموال وتمويل التجارة وتبادل العملات، ولم تختلف الفكرة في شيء إلاَّ في تطوير الوسائل المستخدمة فحسب.

ويكفي في هذا الصدد أن نشير إلى معاملات الزبير بن العوام، رضي الله عنه، الذي كان يأخذ من قوم بمكة المكرمة دراهم, ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق, فيأخذونها منه. وجاء في بعض الكتب أن الزبير كان له دكان بالفسطاط وآخر بالشام وثالث بالكوفة ورابع بالبصرة وخامس بالمدينة المنورة. وكانت كل هذه الدكاكين تؤدي أعمالاً مصرفية بالمفهوم الحديث، بمعنى أن هذه الدكاكين كانت تقوم بما يقوم به المراسلون الآن من وكالة لتحويل الأموال ومقاصة فيما بينها وحسابات مفتوحة يتم فيها تسجيل القيود الدائنة والمدينة، وإلاَّ فكيف يستقيم عقلاً أن تقوم هذه الدكاكين بمثل هذا الدور دون أن ترتبط بشبكة اتصال وعمليات تسوية وإضافة وخصم بشكل من الأشكال وصورة من الصور؟ هذا فضلاً عما ثبت عن هذا الصحابي الجليل المبشَّر بالجنة، رضي الله عنه وأرضاه، في صحيح البخاري من أنه كان يأخذ أموال الصحابة على سبيل القرض لا الوديعة فيستثمرها ويضمنها، وكان مجموع ثروته يزيد عن خمسين مليون درهم.

كما أننا أيضاً نود الإشارة إلى ما كان يقوم به الصحابي عبدالله ابن عمر من مصارفات متكررة بين الدينار والدرهم حين يبيع الإبل فيبيع بالدينار ويأخذ الدرهم، وذلك في الحديث الشريف الذي أورده الحاكم في مستدركه عن سعيد بن جبير عن بن عمر، رضي الله عنهما، قال ثم كنت أبيع الإبل بالنقيع فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير فوقع في نفسي من ذلك فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة أو قال حين خرج من بيت حفصة فقلت يا رسول الله رويدك أسألك أني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير فقال لا بأس أن تأخذهما بسعر يومهما ما لم تفترقا وبينكما شيء.

وفي هذا الحديث الشريف دلالات بالغة الأهمية في فهم ما كان يدور أيام الصحابة، عليهم رضوان الله، من أعمال لا تكاد تنفك من أعمال المصارف اليوم. فمن ذلك مثلاً بيع وشراء العملات التي هي من صميم عمل البنوك اليوم، وحتى في وجود مراكز للصرافة في بعض دول العالم فإن هذا النشاط من الأنشطة الحيوية التقليدية للمصارف. ثم انظر ما قاله النبي المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في نهاية الحديث الشريف حينما جوَّز لابن عمر هذا النوع من التعامل قائلاً لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ولم يقل بسعرها أو بسعر عامها، مما يدل على أن العرب كانت تتبادل العملات وكانت لديها «بورصة» تتحدد فيها الأسعار بصفة يومية. وليس مهماً أن نركز على شكل تلك البورصة وليس مهماً أن تكون مكاناً أو جهة كما هو الحال اليوم، ولكن المهم هو وجود الظاهرة في ممارسات العرب قبل عدة قرون من ظهورها في أوروبا وبلاد الغرب. كما أن العبرة ليست في كثرة العملات ولكن العبرة في طبيعة التعامل لأن كثرة العملات تشير إلى فرق في المقدار وليس النوع .
أما إذا طاب الحديث عن الأوراق التجارية فالحديث ذو شجون، فقد عُرف عن العرب منذ صدر الإسلام سبقهم في كثير من المعاملات المالية. وقد عرفت في الحضارة الإسلامية أعمال مصرفية لم تظهر في الفكر الغربي، المؤسس للنهضة المصرفية الحديثة، إلا في أواخر القرن السادس عشر الميلادي حيث البداية الحقيقية للمصارف التقليدية. ومن ذلك أن العرب عرفوا الأوراق التجارية وتعاملوا بها قبل وقت طويل من إكتشافها في الغرب في القرون الأخيرة . ومن الجائز أن تكون كلمة شك «
Check» الانجليزية مأخوذة في الأصل من كلمة «صك» التي استخدمها العرب منذ عهود بعيدة جداً للدلالة على مثل هذا النوع من الأوراق.

يقول البروفيسور حسن صادق؛ مع اتساع التجارة وازدهارها، عبر المسافات البعيدة الممتدة على طول العالم الإسلامي في القرون الوسطى، عرف المسلمون وسائل تسهل العمل التجاري والضمان في أرجاء العالم الإسلامي المتباعدة، فقد شاع استعمال الأوراق التجارية مثل السفتجة والسند والصك والرقعة.

وفي الواقع أن أول شيك في التاريخ تم سحبه لم يكن على يد صائغ في لندن عام 1795م، كما يردد ذلك بعض المؤلفين من أســاتذة القانون التجاري، وإنما كان أول شيك قد جرى سحبه حقيقة على يد صراف بغداد في القرن الرابع الهجري وأن الذي سحبه هو سيف الدولة الحمداني، أمير حلب، في قصة طريفة رواها أحمد أمين في كتابه ظهر الإسلام.

وخلاصة الأمر، فإن عدم ظهور المصارف الإسلامية مع بداية عهد الإسلام، لا يعني أن العرب آنذاك ما عرفوا أعمالاً مصرفية بالمعنى الحديث، ولكن من المؤكد أنه ما كانت هناك حاجة ماسة لقيام مؤسسات مالية متخصصة، تسهم في الاقتصاد والحياة الاجتماعية بالقدر التي نحتاج إليها نحن اليوم. وإننا بهذه الأحداث نؤكد سبق المصارف الإسلامية للمصارف التقليدية في كثير من المخرجات المصرفية وإن كنا نعترف بسبقهم الآن في آليات التطوير وهندسة العمليات وقدرتهم الحالية على الابتكار والتجديد بسبب تقاعس المسلمين وتباطئهم وتفوق الغرب عليهم في كثير من الأمور المادية.

المصدر: مجلة عالم الاقتصاد العدد 201
--
مدربة المحاسبة / سلمى الفرا

مركز الدكتور سامر قنطقجي لتطوير الأعمال
www.kantakji.com