(الدور التنموي المأمول للمصارف الإسلامية)

أ. عبد الباسط الشيبي

ورقة الأستاذ عبد الباسط الشيبي مدير عام بنك قطر الدولي الإسلامي
المقدمة أمام المؤتمر الثاني للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية
في سورية خلال الفترة من 12-13 آذار 2007

بعنوان
(الدور التنموي المأمول للمصارف الإسلامية)

 
بداية اغتنم مشاركتي في فعاليات الدورة الثانية لاعمال مؤتمر المصارف الاسلامية لاعبر للمعنيين بالشأنين المالي والنقدي في الشقيقة سورية عن إعجابي وتقديري بما تحقق على خلفية القرارات الجريئة التي اتخذوها خلال السنوات القليلة الماضية والتي كان من أحد نتائجها الطيبة ان الصيرفة الاسلامية باتت حقيقة واقعة في هذا البلد الذي نكن له في مختلف البلدان العربية والاسلامية مودة ومحبة كبيرة بالنظر الى مايمثله من قيم مادية ومعنوية وفكرية وثقافية ودينية منذ اختراع الأبجدية على يد ابنائه الأوغاريتيين منذ آلاف السنين وحتى اليوم.
 
أيها الإخوة والأخوات :لن يكون كلامنا من قبيل التنظير إذا ماقلنا بأن حاضر وواقع الصيرفة الإسلامية مليء بقصص النجاح والإبداع وهو بناء على ذلك لاشك سيكون مستقبلا أكثر ازدهارا وتوسعا سواء من ناحية المنتجات أو من ناحية حجم الأصول والخدمات التي تدار عبر الجهاز المصرفي الاسلامي الذي اخذ أبعادا حيوية تعدت الإقليمي إلى الدولي وباتت المعاملات المالية الإسلامية تدار عبر شبكة ضخمة من المصارف تمتد عبر القارات الخمس.
 
إن وجود اكثرمن 265 بنكا إسلاميا حول العالم فضلا عن اكثر من 300 بنكا تقليديا يقدمون الخدمات المصرفية الإسلامية يؤشر الى المرتبة الرفيعة التي وصلتها الصيرفة الإسلامية والتي تنمو باضطراد وبنسب تتجاوز ضعف نسبة نمو البنوك التقليدية.
 
وفي هذا الصدد لعله من الملائم أن نشير في هذا المقام إلى نتائج دراسة مستقلة قدمت مؤخرا خلال مؤتمر عالمي للمصارف الإسلامية عقد في البحرين بينت بإن البنوك الإسلامية تنمو بنسبة 20 بالمئة سنويا في حين تنمو البنوك التقليدية بنسبة لاتزيد عن 10 في المئة سنويا وهو أمر يمكن رده إلى نجاح المصارف الإسلامية في إقناع شريحة واسعة من العملاء على مستوى العالم بأهمية المنتجات التي تقدمها وبمواكبتها للعصر إضافة الى موثوقيتها وموائمتها لمقاصد الشريعة الإسلامية التي يشكل معتنقوها نحو مليار ونصف المليار إنسان.
 
ان البنوك الإسلامية ورغم الفترة الزمنية التي لاتعتبر طويلة نسبيا في انطلاقتها استطاعت أن تحقق قفزات كبيرة بحيث فرضت نفسها في التداولات المالية العالمية ولكنها في نفس الوقت بقيت ضمن نطاق المفاهيم التي تحرص على إعمار الأرض وتنمية المجتمع وفق مقتضى الشريعة الإسلامية التي ترى بأن رؤوس الأموال (يتاجر بها لافيها) كما إننا نجد في أصل الشريعة الإسلامية- القرآن الكريم -ما تستند اليه المصارف الإسلامية في تنمية وإعمار الأرض في قوله تعالي " هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " سورة الملك آية 14.
 
إن انحياز المصارف الإسلامية إلى مبدأ البناء والنماء يتجلى في أبهى تجلياته من خلال اعتمادها بشكل رئيسي مبدأ الإنتاجية في المعاملات مع العملاء وليس الإقراض فقط كمبدأ حيث باتت المصارف الإسلامية معروفة باستثماراتها الطيبة في مختلف المشاريع والمقاصد الأمر مكنها وفق مبادئ الاقتصاد الإسلامي من حل إشكالية المال وتردده بين الخيرية والفتنة والابتلاء.
 
إن المصارف الإسلامية التي تدور أرقام أعمالها وفق بعض الإحصائيات التي صدرت العام الماضي بين(600-750) مليار دولار ومن المتوقع ان يصل الرقم الى تريليون دولار خلال ثلاث سنوات ومن خلال مسيرتها وأعمالها التي تتميز بمعايير إفصاح وشفافية عاليتين مدعمة بهيئات رقابة شرعية أثبتت بما لا يقبل مجالا للشك أنها مصارف تسعى إلى الابتعاد عن النمط الاستهلاكي في معاملاتها لذا فهي لا ترغب بان تكون مجرد أداة لتسهيل الاستيراد وتحويل المجتمعات الإسلامية إلى مجرد وجهة لسلع كمالية او مستوردة من الأولى أن يتم تمويل إنتاجها في البلدان الإسلامية وذلك عبر تشجيع الصناعات الوطنية والمقاصد الإنمائية الأخرى.
 
إنني اعتقد بأن دخول المصارف الإسلامية إلى السوق المصرفية السورية سيكون له فوائد كبيرة على صعيد الاقتصاد الكلي لديكم إذ انه من نافل القول بأن هذه المصارف وبحسب مبادئها وتوجهاتها ستسعى بكل جهد ممكن إلى تمويل الكثير من القطاعات الحيوية في الاقتصاد السوري بحيث تكون كل سعلة وكل خدمة تقدم بمساعدة هذه المصارف تحمل قيمة مضافة سورية خالصة وهو ماترحبون به بالتأكيد باعتباره يضفي قوة إضافية إلى اقتصاديات سورية كما يساهم في خلق فرص عمل تستوعب الأيدي العاملة السورية التي أثبتت كفاءتها في ميادين كثيرة.
 
إيها الاخوة والأخوات :إن دعم الصناعة السورية يمكن إن يكون ميدانا مهما من ميادين عمل المصارف الإسلامية خصوصا وان المجال يبدو واسعا وكبيرا أمام هذه الصناعة لان تنمو وتتطور في وقت قياسي ولعله من المناسب التذكير بان قيام قطاع صناعي متطور في أي بلد مرهون إلى حد بعيد بالتسهيلات المصرفية المتوافرة وقدرة المصارف العاملة فيه على تكييف تعاملاتها مع خصائص اقتصاد هذا البلد بدون أن تفقد هذه المصارف خصائصها وضماناتها التي تعتبر عاملا حيويا لاستمرار نشاطاتها وفعالياتها.
 
وفي هذا المجال سيكون ربما من المجدي اللجوء إلى خيار الصكوك الإسلامية من اجل تحقيق هذه الغاية التنموية المهمة وفي هذا الصدد يمكن الاستعانة بتجربة السوق الخليجية التي تؤشر الى ان سوق الصكوك الإسلامية فيها تحقق نموا سريعا وغير مسبوق والدليل نجاح عمليات الاكتتاب في عدد من عمليات المصارف الإسلامية خلال السنتين الماضيتين بشكل منقطع النظير إلى درجة أن هناك بعض عمليات الاكتتاب استقطبت 3 أضعاف قيمة الاكتتاب المطلوبة وقد كان من المثير للاهتمام أن الطلب على هذه الصكوك لم يكن فقط من قبل الجهات الإسلامية بل إن مؤسسات وجهات كثيرة شاركت بكثافة في عمليات الاكتتاب تلك الأمر الذي يؤشر على الموثوقية و نسبة المخاطر القليلة التي تتميز به عمليات اصدار الصكوك الإسلامية.
 
وبناء على ذلك لعله من الملح ان يتم التفكير في الاقتصاد السوري بهذه الصيغة التي ولاشك ستحقق نتائج لاتقل عما حققته في دول مثل البحرين التي أصدرت منذ اكثر من عام تقريبا صكوك إيجار إسلامية بقيمة 1.3 مليار دولار كما أصدرت قطر صكوكا إسلامية بقيمة 700 مليون دولار أما على مستوى دول الخليج عموما فقد وصلت قيمة الصكوك الإسلامية إلى أكثر من أربعة مليارات دولار وذلك وفقا لتقرير صادر عن شركة (تاورز أند هاملينز الدولية).
 
إن تنوع البرامج التي تقدمها البنوك الإسلامية يشكل بيئة مثالية للمستثمرين الراغبين بالإنخراط بشكل بناء وايجابي في نشاطات استثمارية مجدية في سورية خصوصا وأن هذه البنوك قد تجهد لتأسيس محافظ استثمارية محلية متنوعة ويمكن بهذا الصدد التذكير بتجارب العديد من البنوك الإسلامية التي ابتكرت الكثير من المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية والتي مكنت المستثمرين من الحصول على عوائد مجزية.
 
وفي مجال الاستثمارات المتوافقة مع الشريعة الاسلامية نشيرالى ان إطلاق مؤشرات (داو جونز الإسلامية )منذ عام 1999 من البحرين لتكون أول مؤشر معياري للاستثمارات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية كان له اثر بالغ في نمو هذه الاستثمارات وازدهارها حيث يوجد اليوم مالايقل عن 60 مؤشرا تقوم بقياس الأداء الاستثماري لشركات عالمية تعمل في الأنشطة الطيبة مثل قطاعات الطاقة والصناعات الدوائية وتقنية المعلومات والزراعة بعيدا عن استثمارات في مجالات ضارة بالانسان ومعيار استخلافه في الارض الذي تؤكد عليها الشريعة الاسلامية.
 
وبالنسبة للصكوك الاسلامية فان هذه المؤشرات تشمل مؤشر (داوجونز - سيتي غروب) للصكوك الإسلامية الذي تم إطلاقه العام الماضي لمتابعة أداء الصكوك الإسلامية الصادرة عن البنوك والشركات والمؤسسات المالية والتي يتم إدراجها في المؤشر بهدف تفعيل فرص الاستثمار المتوافق مع الشريعة الإسلاميةفي كافة انحاء العالم.
 
ان المصارف الإسلامية وكما أظهرت مسيرتها في عشرات البلدان التي تعمل فيها هي أداة ضرورية وفعالة إذا ما أحسن استغلالها في ميدان تنفيذ الكثير من البرامج والخطط الإقتصادية الحكومية فهي لاتطمح لان تكون خارج السياق المنطقي لحراك الأقتصاديات الوطنية التي تعمل فيها بل إنها تسعى إلى أن تكون أداة تمويلية مجدية وجديرة في مجال الخطط التنموية ومشاريع البناء الاقتصادي الكبرى او المتوسطة او حتى الصغرى وهنا لابأس من التذكير بان المصارف الاسلامية تتصدى على سبيل المثال لا الحصر الى الكثير من المطارح التمويلية مثل التمويل العقاري بما فيه التمويل السكني والإيجار والإيجار التمليكي والتعهدات بالإضافة إلى الإحتياجات المناسبة للقطاع الخاص مثل تمويل المشاريع والتمويل المؤقت وخدمات تجارة العملات والأسهم والسندات والمؤشرات وهو مايؤدي بالنتيجة الى خلق بيئة مثالية للعمل تساعد خطط الحكومة على النجاح وتحقيق الأهداف المامولة منها بيسر وسهولة.
 
ولامناص ايضا هنا من الإشارة الى مشاركة عشرات المصارف الإسلامية في تمويل مشاريع حكومية أو خاصة عملاقة في كثير من دول العالم العربي والإسلامي وهو ما جعل من هذه المصارف أحد المقومات الأساسية في النهضة الاقتصادية في البلدان التي نشطت فيها واخذت فيها دورها الفعال الذي تستحقه وقد يكون ذكر البحرين والكويت وقطر أمرا عادلا عندما يتم التطرق الى مثل هذا الأمر.
 
ولكن من أكثر مايمكن ان تسهم البنوك الاسلامية في ايجاد حلول تمويلية له هو المشاريع الصغيرة والمتوسطة وهو الامر الذي لابد وان يكون له انعكاسا كبيرا على القاعدة الاقتصادية للبلد المعني بالنظر الى انه يتوجه الى شريحة عريضة من الناس وبالتالي يسهم من جانب في خفض معدلات البطالة ومن ناحية ثانية في زيادة معدلات النمو الاجمالي للناتج القومي عبر اشراك اكبر قدر ممكن من الأيدي العاملة في دائرة الإنتاج ونحن بحسب خبرتنا نعتقد بان المصارف الإسلامية هي الأقدر على ايجاد حلول عملية لهذه الناحية من التنمية بالنظر الى ادوات عملها وضوابطها واحكامها الشرعية.
 
واضافة الى القبول الشعبي وفي اوساط الناس فان صيغ التمويل الاسلامية تتجه في جانب رئيسي من اعمالها الى دعم تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة الحرفية والمهنية والصناعات الصغيرة عبر منتجات مصرفية ملائمة تساعدها على النهوض والتعافي وهو ما سيكون له اثر بعيد المدى سواء من النواحي الاقتصادية او الاجتماعية بما يعكس الهدف النبيل الذي تحققه المصارف الإسلامية عبر ادواتها التي اثبتت نجاعة وتفوقا دفع بمنافسيها الى اخذها بعين الاعتبار اعتمادها بدون اي تردد.
 
إنني انطلاقا من خبرتي في مجال الصيرفة الإسلامية اعتقد بان مجالات عمل المصارف الاسلامية في السوق السورية ستكون مجالات عريضة في حال توافر ادارة واعية بالعمل المصرفي الاسلامي وبالمخاطر وستقدم هذه المصارف اضافة أساسية للعمل المصرفي في سوريا الذي نامل له مزيدا من التقدم والنجاح ولسوريا الشقيقة اضطراد التقدم والازدهار..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركات