منهج الإسلام فى التنمية الاقتصادية

د. محمد شوقى الفنجرى

منهج الإسلام فى التنمية الاقتصادية..

الدكتور محمد شوقى الفنجرى
عضو مجمع البحوث الإسلامية

إذا اردنا أن نلخص الإسلام أو أن نعبر عنه عقائديا لقلنا انه (دين التوحيد)، واذا أردنا أن نعبر عنه سياسيا لقلنا انه (دين الشورى والديمقراطية) لقوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} وقوله تعالى: {وشاورهم فى الأمر}.

وإذا أردنا أن نعبر عنه اجتماعيا لقلنا انه (دين الرحمة والمحبة) لقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لن تؤمنوا حتى تحابوا).

فإننا نستطع ان نعبر عنه اقتصاديا بقولنا أنه (دين التنمية والتعمير) لقوله تعالى: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) أى كلفكم بعمارتها ،وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة [أى شتله زراعية] فاستطاع الا تقوم حتى يغرسها ،فليغرسها فله بذلك أجر).

لقد جاء الإسلام منذ أربعة عشر قرنا كرسالة سماوية عالمية خاتمة ،فلم يأت الإسلام شأن الديانة اليهودية رسالة خاصة لفئة معينة ،ولا شأن الديانة المسيحية لمجرد الهداية الروحية شعارها (اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله).

وإنما جاء الإسلام كخاتم الأديان السماوية تنظيما شاملا لكافة البشر ولمختلف نواحى حياتهم العقائدية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ..الخ. ومن هنا كان الإسلام دينا ودنيا ،أو ما اصطلح عليه بأنه عقيدة وشريعة.

والباحث الإسلامى أو الشرعى فى أى مجال من هذه المجالات سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية ..الخ ،ليس كشأن أى باحث آخر وضعى حرا فى بحثه ،بل هو مقيد بنصوص القرآن والسنة ،وأن يتوصل إلى حلوله الاقتصادية أو السياسية الإسلامية بالطرق الشرعية المقررة من قياس واستصحاب واستصلاح واستحسان ..الخ.

وعليه فان مهمة الباحث فى الاقتصاد الاسلامى ،ليست عملية إنشاء المذهب الاقتصادى فى الإسلام ، وليست هى عملية ابتداع النظريات أو النظم الاقتصادية الإسلامية ،وإنما هى عملية الكشف عن المذهب الاقتصادى الاسلامى ،وهى عملية استظهار الحلول الاقتصادية الإسلامية فيما يعرض للمجتمع من مشكلات اقتصادية .فهو باحث كاشف لا من شئ.

وهذا يعود بنا إلى التأكيد بأنه يتعين فى الباحث فى الاقتصاد الاسلامى أن يكون جامعا بين الدراستين (الاقتصادية الفنية الدقيقة) و(الإسلامية الفقهية المتعمقة) وعلى رأسها أصول الفقه الاسلامى والتمييز بين النصوص الشرعية.

ولا تغنى إحدى هاتين الدراستين عن الأخرى. وكلنا يعرف ان الإسلام ممثلا فى نصوص القرآن والسنة، جاء بأحكام كثيرة وتفصيلية فى مجالات العقيدة والأخلاق، وهى المجالات التى لا تتأثر ولا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة.

اما فى المجالات السياسية والاقتصادية والتنظيمية ،فلم يأت الإسلام إلا بنصوص محدودة وعامة ،ومن هنا كانت بدورها صالحة لكل زمان ومكان ، بغض النظر عن درجة التطور السياسى أوالاقتصادى أو الحضارى للمجتمع، وبغض النظر عن أشكال أو أدوات الإنتاج السائدة.

وأنه من خلال النصوص الإسلامية فى مجال المعاملات نستنبط منها على المستوى النظرى مختلف النظريات الإسلامية سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية ،وعلى المستوى التطبيقى مختلف الأنظمة الإسلامية والتى تختلف باختلاف الزمان والمكان دون أن تتجاوز النصوص الشرعية.

وهو ما عبر عنه فقهاء الشريعة بأنه (خلاف تنوع لا خلاف تضاد) أو قولهم بأنه (خلاف زمان ومكان لا حجة وبرهان).

الإسلام والتنمية

ولعل من أهم ما جاء به الإسلام فى المجال الاقتصادى مبدأ أو أصل (التنمية الإقتصادية الشاملة) بقوله تعالى: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} أى كلفكم بعمارتها ، وجعل الإسلام هذا التعمير أو التنمية هو سبيل سعادة الإنسان فى الدنيا والآخرة بقوله تعالى: {ومن كان فى هذه أعمى فهو الآخرة أعمى وأضل سبيلا}.

وانه سبحانه وتعالى جعل الإنسان خليفة الله فى أرضه بقوله: {إنى جاعل فى الأرض خليفة}،وأنه تعالى سخر له ما فى السموات والأرض يستثمرهما وينميها وينعم بخيراتها ويسبح بحمده بقوله تعالى: {وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه}.

وقوله تعالى: {فاذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}.

بل لقد بلغ حرص الإسلام على التنمية وتعمير الدنيا ان قال الرسول عليه الصلاة والسلام {إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة أى شتلة زراعة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها ، فليغرسها فله بذلك أجر}.

والواقع أن التنمية الاقتصادية ،هى من أهم الأصول وأولى المبادئ التى جاء بها الإسلام فى المجال الاقتصادى. ذلك أن الإسلام ومنذ من أربعة عشر قرنا ،وضع المشكلة الاقتصادية ، وهى مشكلة الفقر والتخلف ،منذ البدء وقبل أن تتطور الأحداث وتفرض المشكلة نفسها ، وذلك حيث يجب أن توضع فى الأساس والمقدمة.

بل إن الإسلام حين طالب الناس بالعبادة وذكر الله تعالى ،علله فى القرآن الكريم بقوله تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}، وان سيدنا موسى عليه السلام حين دعا الله {رب اشرح لى صدرى ويسر لى امرى} قرنه بقوله تعالى: {كى نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا}.

اكثر من ذلك فقد اعتبر الإسلام مجرد ترك أحد أفراد المجتمع ضائعا أو جائعا هو تكذيب للدين بقوله تعالى: {أرأيت الذى يكذب بالدين ،فذلك الذى يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين}.

ومن هنا فقد ساوى الإسلام بين التخلف والكفر، ولم يستعذ الرسول صلى الله عليه وسلم من شئ بقدر استعاذته من الفقر فيقول عليه السلام: (كاد الفقر أن يكون كفرا) ويقول: (اللهم أنى أعوذ بك من الكفر والفقر) فلما سأله أحدهم أيعدلان قال نعم.

ومن هنا أيضا ساوى الإسلام بين التنمية والسعى فى الأرض وبين الجهاد فى سبيل الله بقوله تعالى: {وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون فضلا الله، وآخرون يقاتلون فى سبيل الله}.

وجعل الإسلام طلب المال الحلال وتنميته فريضة وجهادا بقوله عليه السلام: (طلب الكسب فريضة على كل مسلم) وقوله: (من فقه الرجل أن يصلح معيشته)، وكان عليه الصلاة والسلام يناجى ربه بقوله (اللهم أصلح لى دنياى التى فيها معاشى).

ولقد كان لسيدنا على بن ابى طالب رضى الله عنه تعبير دقيق عن الفقر والتخلف اذ وصفه بأنه (الموت الأكبر)، كما ان للسلف مأثورا دقيق التعبير هو قولهم (إذا ذهب الفقر بمعنى التخلف إلى بلد قال له الكفر خذنى معك).

نقلا عن موقع اللواء الإسلامي