مفهوم الإنتاج

د. محمد عمر الحاجي

مفهوم الإنتاج..

د. محمد عمر الحاجي

لغةً: هو ما يتولّد عن غيره، ولذا يُقال: نتج القوم، إذا وضعت إبلهم، وأنتجت الناقة، وضعت من غير أن يليها أحد. ـ في اصطلاح الاقتصاديين: هناك بعض الاختلافات في التعريفات، وذلك بين الاقتصاديين الوضعيين وبين الاقتصاديين الإسلاميين، فالوضعيون قالوا: الإنتاج هو تلك العملية المركبة التي تستنفد جهداً بشرياً وتستهلك موارد وطاقة في إطار زمني معيّن، قَصْدَ خلقِ منافع اجتماعية، سواءً أكانت هذه المنافع ماديةً أم معنويةً. بينما قال الاقتصاديون الإسلاميون: الإنتاج هو بذل الجهد في إعداد المنفعة المشروعة، أو زيادتها، لإشباع حاجات الإنسان في حدود ما أباح الله سبحانه وتعالى. عناصر الإنتاج: تختلف عناصر الإنتاج من الاقتصاد التقليدي عن عناصر الإنتاج في النظام الاقتصادي الإسلامي، ففي النظام الاقتصادي والسياسي ـ التقليدي ـ تكون عناصر الإنتاج ما يلي: أ ـ الطبيعية: وتشمل الأراضي الزراعية والغابات، والمعادن الموجودة في باطن الأرض، وشواطئ الأنهار والبحار والبحيرات. ب ـ رأس المال: وهو المال الناتج عن عملية إنتاجية سابقة، والذي يُستخدم في خلق سلع عديدة، ويضم رأس المال: المواد الأولية والنصف مصنوعة، والمباني والمصانع والآلات، والسلع المخزونة. ج ـ العمل: وهو الجهد الإداري الذي يبذله الإنسان مستهدفاً إنتاج السلع والخدمات، وبناءً على ذلك يُستبعد من دائرة الإنتاج الجهود التي يبذلها الإنسان مستهدفاً أغراضاً أخرى غير الإنتاج الاقتصادي، كالقيام بالنشاط الرياضي. د ـ التنظيم: يعتبر من عمل المنظم الذي يقوم على أمر المشروع في الاقتصاد الرأسمالي، فهو الذي يقوم بتجميع عناصر الإنتاج السّالفة (الطبيعية ـ رأس المال ـ العمل) والتأليف بينها بالنسب التي يقتضيها الإنتاج، وذلك بهدف الحصول على إنتاجٍ معيّن يسمح له بتحقيق الربح. وهكذا، فالمهام الرئيسية التي يقوم بها المنظم هي: تعيين نوع الإنتاج وكميته، وتحديد الأسواق التي سيتم بها بيع المنتج، والتعاقد مع أصحاب عناصر الإنتاج وتحديد الأجور. أما في الاقتصاد الإسلامي فعناصر الإنتاج هي: أ ـ الطبيعية: وتشمل الأرض، والمواد الأولية كالفحم والبترول وغيرهما، والمياه الطبيعية كمياه البحار والأنهار والبحيرات، والقوى الطبيعية كقوة الرياح وكقوة الشلالات، إضافة إلى ما تحويه البحار والأنهار من ثروات طبيعية كاللآلئ والمرجان ونحو ذلك. ب ـ العمل المنظّم، ويعرّف العمل بأنه: الجهد الإداري الذي يبذله الإنسان في سبيل خلق منفعة اقتصادية، ماديةٍ أو معنوية، لكن الإسلام يشترط أن يكون مجهوداً مشروعاً، ويدخل فيه الأعمال اليدوية، والأعمال الفكرية، والأعمال التي تكون خليطاً بينهما. وبالتالي فالإسلام لا يعتبر العمل في حدّ ذاته منتجاً لمنفعةٍ اقتصادية إلا إذا اقترن بعنصر آخر وهو التنظيم، ولذلك اشترط أن يكون هناك حسن توزيع العمل على الكفء، وحسن تقسيم العمل إلى عمليات إنتاجية متلاحقة، أما مجالات العمل في الإسلام فواسع جداً، المهم أن يكون الهدف من ذلك تقديم النفع للفرد والجماعة، مصداق ذلك قوله: «أطيب الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيعٍ مبرور» ففي المجالات الزراعية: يعتبر الإسلام العمل فيها مؤدياً إلى تنمية المال، مصداق لك قول المصطفى : «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلةٌ، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل». والعمل في مجالات الصناعة يعتبر وسيلة للإنتاج والتنمية، وقد جاء الحث على العمل في الصناعة ضمن عدة سور، منها سورة الحديد، حيث حدثنا القرآن على منافع الحديد، ومنها الصناعات الحربية والصناعات السلمية، قال الله تعالى في ذلك: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديدٌ ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز) سورة الحديد /25/. وكذلك، في مجالات العمل في التجارة، بحيث حضّت الشريعة الإسلامية على البيوع بأنواعه، وحرمت التعامل بالربا، مصداق ذلك قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) سورة البقرة: /275/ وحدثنا القرآن الكريم عن أن قريشاً كان لها رحلتان تجاريتان، قال الله تعالى في ذلك: (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف* فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) سورة قريش /1 ـ 4/ ج ـ رأس المال: في الاقتصاد الوضعي هناك رأس المال المنتج: وهو الذي يستخدم في إنتاج ثروة جديدة، وهناك رأس المال الكاسب: وهو الذي يغلّ لصاحبه)خلاً من غير أن يستخدم في الإنتاج. أما في المفهوم الإسلامي: فهناك رأس المال التجاري: وهو مجموع الأموال الاقتصادية التي تُستخدم قصد المبادلات، سواء أكانت هذه الأموال عينية كالسلع، أم كانت نقدية كالنقود السائلة، وهناك رأس المال الإنتاجي: والذي ينقسم بدوره إلى قسمين: رأس مال نقدي ويعني مجموع المبالغ النقدية التي تستخدم في تحويل العملية الإنتاجية، ورأس مال عيني ويعني مجموع الأموال المادية التي تستخدم في العملية الإنتاجية، فتؤدي إلى زيادة إنتاجية العمل. الحثّ والتشجيع على الإنتاج: اعتبرت الشريعة الإسلامية السَّعي في سبيل تأمين الرزق ـ للنفس والأهل وما إلى هنالك ـ ضرباً من ضروب الجهاد في سبيل الله تعالى، مثله مثل الذي يبذل الغالي والنفيس في سبيل الله، فيقاتل ويجاهد في سبيل أن تكون كلمة الله هي العليا، وهذا باب واسعٌ وعظيم من أبواب الحضّ والتشجيع على الإنتاج مصداق ذلك قوله تعالى: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدّر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضاً حسناً وما تقدموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) سورة المزمل: /20/ وبالتالي، فأي عملٍ إنتاجيّ، سواءً أكان عملاً زراعياً أو تجارياً أو صناعياً أو فكرياً، بحيث يعود بالنّفع على العباد والبلاد بالخير والسعادة واليُمن، معنى ذلك أن كل ما يُبذل في سبيله يعادل ما يبذله المجاهد في سبيل الله، لذلك فلا تقلّ حسنات العامل عن حسنات المجاهد، مصداق ذلك قول المصطفى صلى الله عليه وسلم ): «إن من الذنوب ذنوباً لا تكفرّها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العُمرة، تُكفّرها الهموم في طلب المعيشة». كما أن الشريعة الإسلامية قد اعتبرت العمل ضرباً من ضروب العبادة، مصداق ذلك ما أخرجه البغوي أن النبي قال: «إن أطيب ما أكلتم ما كسبتم»، وما أخرجه الإمام مسلم أن النبي قال: «لأن يحمل الرجل حبلاً فيتحطب به، ثم يجيء فيضعه في السوق فيبيعه ثم يستغني فينفقه على نفسه خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه، أو منعوه». وهذا ما جعل عمر رضي الله عنه يوصي الناس أن يتعلّموا مهنةً ما، مبرراً ذلك بقوله: فإنه يوشك أن يحتاج أحدكم إلى مهنة، وإن كان من الأغنياء! بل كان رضي الله عنه يقيّم الإنسان على مدى عمله ومهنته، فإذا لم يكن له مهنة ولا حرفة كان ينظر إليه نظرةً خاصة، مصداق ذلك ما رواه محمد بن عاصم، قال: بلغني أن عمر رضي الله عنه كان إذا رأى فتىً أعجبه حاله سأل عنه: هل له من حرفة؟ فإن قيل: لا، سقط من عينيه!! وكان رضي الله عنه إذا مرّ في الأسواق فرأى رجلاً جالساً في زوايا الشارع، أو أمام بيته، عنّفه وأخذ بيده وقال له: إن الله يكره الرجل الفارغ لا عَمَلَ في الدنيا ولا عمل في الآخرة!! وكان رضي الله عنه إذا رأى رجلاً جالساً في المسجد، يرفع أكفّه يدعو الله أن يرزقه، كان يضربه بالدّرة ويقول له: لا يقعدنّ أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني؛ فقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة!! وكان رضي الله عنه إذا مُدح أحدٌ في مجلسه، سأل: هل له من عمل؟ فإذا قيل: نعم، قال: إنه يستحقّ المدح، وإن قالوا: لا، قال: ليس ذاك! ويدخل في ذلك أن الشريعة الإسلامية شنّت حرباً لا هوادة فيها على كل من يتقاعس عن العمل، ويركن إلى مدّ يده إلى الناس يتسوّل، مصداق ذلك ما رواه الإمام أحمد في المسند أن النبي قال: «من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر»، وما رواه الترمذي في السنن أن النبي قال: «من سأل الناس وله ما يُغنيه، جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوم»، والبديل الإسلامي لذلك أن يسعى الإنسان على نفسه ليعفّها ويكفيها، وأن يسعى على أولاده ليكفيهم، وأن يسعى على والديه الكبيرين ليسدّ حاجاتهما و ….، مصداق ذلك ما رواه البخاري في الصحيح أن النبي قال: «اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستغن يُغنه الله، ومن يستعفف يُعفّه الله». ولم تقتصر الشريعة على أعمالٍٍ معينة، إنما اعتبرت كل عملٍ يدرّ للناس نفعاً فهو عمل مبرور يُثاب عليه فاعله، مثال ذلك الحضّ على العمل الزراعي واعتباره إحدى وسائل التنمية الاقتصادية، مصداق ذلك ما رواه البخاري وغيره أن النبي قال: «من كانت له أرضٌ فليزرعها». وأيضاً الحضّ على البحث عن الرزق في داخل الأرض، مصداق ذلك ما رواه الطبراني أن النبي قال: «اطلبوا الرزق في خبايا الأرض» وأيضاً اعتبار كل ما يُنتج زراعياً بركة وفيه صدقة، مصداق ذلك ما رواه البخاري وغيره أن النبي قال: «ما من مسلمٍ يزرع زرعاً أو يغرس غرساً، فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلا كان له به صدقة». أما الحضّ على الأعمال الصناعية، فالشريعة اعتبرت الصناعة إحدى أهم وسائل التنمية الاقتصادية، وبالتالي فهي التي تبني قوة الأمة والمجتمع، مصداق ذلك قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) سورة الأنفال: /60/ وقد حدثنا القرآن عن (ذي القرنين) وكيف قام بإنتاجٍ صناعي، حيث استطاع خلط معدنين مختلفين، وبنى سداً متيناً، وفي حكايته دليلٌ واضحٌ على الحضّ والتشجيع على الأمور الإنتاجية الصناعية، قال الله تعالى في ذلك: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سد قال ما مكني فيه ربي خيرٌ فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله ناراً قال آتوني أفرغ عليه قطراً فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً قال هذا رحمة من ربي فإذا حاء وعد ربي جعله دكّاء وكان وعد ربي حقاً) سورة الكهف /94 ـ 98/. ومثلها مدح القرآن الكريم للعمل الصناعي الذي كان يقوم به نبيّ الله داود وابنه سليمان عليهما السلام ومن معهما، وذاك باستخدام الحديد وغيره، قال الله تعالى في ذلك: (ولقد آتينا داود منا فضلاً يا جبال أوّبي معه والطير وألنّا له الحديد أن اعمل سابغات وقدّر في السّرد واعملوا صالحاً إني بما تعملون بصير ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفانٍ كالجواب وقدورٍ راسياتٍ اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور ) سورة سبأ:/10 ـ 13/ والنبي عليه الصلاة والسلام دلّنا على أن جميع أنبياء الله ورسله عليهم السلام كانوا عاملين، بحيث لم تشفع لهم الدعوة وتبليغ الرسالة أن يقعدوا ويتفرّغوا، إنما لقد مارسوا كل أنواع الصناعة، مصداق ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه أن النبي صلي الله عليه وسلم ( قال: «كان آدم حرّاثاً، وكان نوح نجاراً، وكان داود زرّاداً، وكان إدريس خيّاطاً، وكان موسى راعياً». ومثلهما الحث والتشجيع على كل ماله علاقة بأمور التجارة، بحيث تعتبر الشريعة الإسلامية التجارة عموداً من أعمدة بناء الهيكل الحضاري للأمة، وسبيلاً لتقدّمها وازدهارها، مصداق ذلك قوله تعالى وهو يحضّ على التجارة المشروعة: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم( سورة النساء/ 29/ ومثله قول المصطفى ( وهو يحبّذ ويشجّع على التجارة: «تسعة أعشار الرزق في التجارة، والعُشر في المواشي» ومثله حضّه على البيوع والأمور التجارية، مصداق ذلك ما رواه الإمام أحمد في المسند أن النبي قال: «أطيب الكسب عملُ الرجل بيده، وكل بيعٍ مبرور»، ومثله ما أخرجه البخاري في الصحيح أن النبي قال: «البيّعان بالخيار ما لم يتفّرقا، فإن صدقا وبيّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذّبا مُحقت بركة بيعهما». أضف إلى ذلك، فإن الشريعة الإسلامية قدّمت التسهيلات اللازمة للانفتاح على كل سبل الإنتاج، وحرّمت كل السّبل التي تؤدّي إلى الكسب غير المشروع، كالاحتكار والقَمار والغشّ ونحو ذلك. أما أهم السُبل التي أتبعها الإسلام للحث على الإنتاج، فهي: انتزاع الأرض ممن يعطلّها أو يجّمد إنتاجها ثم إعطائها لمن يريد تنميتها وإحياءها، وكذلك عدم إعطاء الحق لأحد بأن يحجز المصادر الطبيعية، معتبرةً ذلك ملكه، كالبترول ونحو ذلك، وكذلك تحريم الربا والاحتكار والاكتناز، وكذلك مسألة توزيع الميراث، ووضع مبادئ للضمان الاجتماعي، وكذلك محاربة الظواهر السّلبية في المجتمع، ومنها منع التسوّل.