مرتكزات الاقتصاد الإسلامي - التوزيع - الاستثمار - النظام المالي

عمر عبيد حسنة

مرتكزات الاقتصاد الإسلامي - التوزيع - الاستثمار - النظام المالي..

عمر عبيد حسنة
الحمد لله الذي أنزل القرآن تبياناً لكل شيء ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، الذي ناط الله به مهمة البيان، بقوله: (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم )) (النحل : 44 ) ، فكانت سيرته وسنته هما البيان النبوي العملي ، والصورة التطبيقية المعصومة لتنزيل الآيات على واقع الناس، واقترنت السّنة بالقرآن وسيلة للبيان ومصدراً للأحكام ، وبعد ،

فهذا كتاب الأمّة الرابع والعشرون (في الاقتصاد الإسلامي : المرتكزات ـ التوزيع ـ الاستثمار ـ النظام المالي ) للدكتور رفعت السيد العوضي ، في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات برئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية في دولة قطر ، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري ، والتحصين الثقافي ، وإعادة بناء الشخصية المسلمة بعد أن افتقدت كثيراً من منهجيتها وفاعليتها ووسطيتها التي تؤهلها للشهادة على النّاس والقيادة لهم ، وإلحاق الرحمة بهم بتقويم سلوكهم بشرع الله ، وانتشالهم من التورط الاقتصادي والتحكم الثقافي الذي لا تزال مؤسساته التي تعبر عنه تعمل عملها في الحياة الإسلامية ، الأمر الذي أدّى إلى شيوع المناخ الثقافي الذي يمثل فكر الاستعمار وتشكيل الإنسان المسلم وفق الأنماط الاستعمارية حتى تجري عليه سنّة التقليد كما تجري على كل كائن فقد صلته بفكره الأصيل ، فلا يعود يرى حل مشكلاته ومعالجة قضاياه إلاّ من خلال القوالب والمناهج والمقاييس التي اكتسبها من التبعية الثقافية والمناخ الاستعماري، وإذا امتلك الخيار فإنما يقتصر خياره على ساحة الحلول المطروحة من الخارج الإسلامي ، مع شيء من التلفيق ، لكنه يبقى عاجزاً عن التفكير في ارتياد طريق آخر هو الطريق الإسلامي المتميز بعد أن طال على العقل المسلم الأمد في التقليد والتوقف عن الاجتهاد والعطاء ، فاقتصر على النظر والاجتهاد والفتوى على تسويغ وتبرير بعض أشكال وأعمال مؤسسات الاقتصاد الربوي ، مستخدماً فقه الحيل ، أو مبيحا الربا تحت عنوان : الضرورة ـ فالضرورات تبيح المحظورات ـ مسويا المصلحة بالضرورة ، متناسياً أن الضرورة حالة مؤقتة استثنائية ، تعرض للفرد والأمة، وليست هي الأصل المستمر ، وأن الضرورة تقدر بقدرها .

وتكاد هذه الصورة ، تشكل الحالة الغالبة لعامة المسلمين ، حتى الماضي القريب ، لكن لا بد لنا أن نسجّل هنا صورة الوجه الآخر للقضية ، وهي أن كثيراً من المسلمين أيضاً رأى في مؤسسات الاقتصاد الربوي طريق هلاك نفسي وانمحاق اقتصادي ، وأفزعه ما ورد من تهديد ووعيد لآكلي الربا وموكليه ـ ولم يقتصر ذلك التهديد على الآكل والموكل ، بل امتد إلى المشاركين والمساعدين من الكتبة والشهود ـ إلى جانب ما يرى من الانهيارات الاقتصادية التي تتسبب عن الربا ، فآثر الانسحاب من الساحة وتقليص نشاطه ومعاملاته الاقتصادية إلى الحد الأدنى المسموح به شرعاً ، لأنه عاجز عن إيجاد البدائل .

هذا الانسحاب ، وإن كان يشكل مواقف فردية تعتصم بالتقوى ، وتنأى بنفسها عن مواطن الشبه ـ والموقف الفردي قد يكون ضرورياً لأنه يدق ناقوس الخطر ، ويشكل صوت النذير الذي يحذر من الانغماس في مؤسسات الاقتصاد الربوي ويستفز العقل المسلم ، ويؤرقه للتفكير في إيجاد البديل الإسلامي ـ لكنه ، على كل حال ، لا يعتبر حلاًّ للمشكلة ، أو يمنح القدرة على مواجهتها ، وكيفية التعامل معها ، حيث لا خيار من النزول إلى الساحة ، وعدم الاعتداد بالمواقف الفردية الصارمة التي لا يمكن بأي حال أن ترفع الجماهير كلها إلى مستواها ، وإذا أمكن الارتقاء بحس الجماهير المسلمة وتوثبها الروحي إلى مستوى المقاطعة للاقتصاد الربوي لفترة ، فإنما يعني ذلك إيقافاً للمشكلة وليس حلاًّ لها.

وقد تكون مشكلة كثير ممن وقعوا في أسر الرؤى الاقتصادية غير الإسلامية ، بسبب من تحكم مناخهاً ، أو الدراسة في جامعاتها ، وفقر في المعرفة الإسلامية ، أنهم عاجزون عن الإدراك ، ومن ثمّ التسليم بأن هناك نهجاً اقتصادياً غير الذي درسوه . لذلك ، نجدهم يستغربون ويستنكرون ويجفلون ، وقد يسخرون ، عندما يلقى على مسامعهم بأن هناك نهجاً اقتصادياً إسلامياً متميزاً مرشحاً لإنقاذ الإنسان من ورطاته وأزماته المتلاحقة ، وأن منطلقاته وأهدافه وفلسفته بشكل عام موجودة بالكتاب والسنّة وقد ترجمت إلى برامج وأشكال وأوعية وسعت حركة المجتمع الاقتصادية في عصر الاجتهاد والتألق الإسلامي ، وأن المشكلة اليوم في العقل الذي توقف عن تصنيع تلك المواد الخام ، وتحويل المبادئ والقيم الاقتصادية إلى برامج وأوعية تسع حركة المجتمع المسلم على هدي تلك القيم والمبادئ ، وجنح إلى التقليد والمحاكاة ، سواء كان التقليد داخلياً ، وذلك باستدعاء تلك الأشكال والأوعية والحلول التي وضعت لمشكلات عصر معني ، له سوقه ومنتجاته وهياكله الاقتصادية والمالية وشركاته ، ومحاولة تطبيقها على هذا العصر بكل مداخلاته الاقتصادية المعقدة ؛ أو كان التقليد خارجياً ، وذلك باستدعاء البديل الأسهل: مناهج اقتصادية تحمل خصائص وصفات مجتمعات لها عقيدتها وظروفها ، وتجربتها ، ومشكلاتها ، وعمرها الثقافي والحضاري ، ولها منطلقاتها وأهدافها بعيداً عن قيم أمتنا ومعادلاتها النفسية والاجتماعية ، لذلك ، بقيت عاجزة عن النهوض والتحديث ، كما عجزت الأشكال القديمة عن تقديم الحل المطلوب ، ودفعت بالكثير إلى التفكير باستيراد البديل من الخارج ، كما أسلفنا .

وقد يكون من المفيد أن نذكر بنظرة الإسلام ، المتميزة إلى المال والاقتصاد ، وإن كان الكتاب الذي نقدمه في سلسلة (كتاب الأمة ) غطّى بعضاً منها .

لعل هذا التميز يستفز العقل المسلم ، ويشكل هاجساً وقلقاً له ليتابع رحلة البحث والاجتهاد والإنضاج لإبراز معالم الاقتصاد الإسلامي ، ويتقدم خطوة أكثر في فتح بعض القنوات ، وإيجاد الوسائل والأوعية الشرعية لحركة المجتمع الاقتصادية ، فتنحسر أكثر فأكثر مؤسسات الاقتصاد الربوي التي تؤرق الضمير المسلم ، وتكرس معاصينا الاقتصادية .

فمن الأمور التي تكاد تكون مسلَّمة عند المسلم الذي يمتلك الحد الأدنى من المعرفة الإسلامية ـ وهو ما يجب أن يعلم من الدين بالضرورة ـ أن النظام الاقتصادي ، أو سياسة المال في الإسلام ، جزء لا يتجزأ من عقيدته ، وأنه ينطلق منها ، ويرتبط بها، وأن الحركة الاقتصادية ، ابتداءً من نّية الإنسان ( تشكيل الفكرة والعزم على الفعل ) أو كسبه العملي ، وممارساته المختلفة ، خاضعة لفكرة الثواب والعقاب، إلى جانب التحذير من بعض المخاطر الاقتصادية التي تقود إليها الممارسات المحظورة شرعا. ولعل هذا يُشكل مفترق طريق ابتداءً بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاديات الأخرى التي لا تعترف بالجانب القيمي للعملية الاقتصادية، ولا تقيم له وزناً. فالحركة الاقتصادية، والكسب المالي ، إذا لم يضبط بقيم أخلاقية ، كسباً وإنفاقاً ، ينتهي بصاحبه إلى الطغيان ، والأثرة، والدمار الاجتماعي.

والمال في الإسلام وسيلة لتحقيق رسالة، وليس هدفاً قائماً بذاته ، والله تعالى يقول:

((وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك )) (القصص : 77 ) فإذا تجردت الحركة الاقتصادية عن ضابطها الخلقي ، وهدفها ، وانقلبت الوسيلة إلى غاية ، انتهى الأمر بالإنسان إلى أزمات نفسية ، واجتماعية ، واقتصادية تجعل المعيشة ضنكاً ، وتحوله إلى عبد للمال ، وخادم له بدل أن يكون المال في خدمة الإنسان .

والمال في نظر الإسلام ، له وظيفة اجتماعية، والتصرف به كسباً وإنفاقاً ، مرهون بتحقيق تلك الوظيفة للفرد والأمة على حدّ سواء وأي تصرف اقتصادي أو امتناع عن تصرف يلحق الضرر بالجماعة ، محظور شرعاً ، ويحتاج صاحبه إلى وصاية وحجر ، قال تعالى: (( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما )) (النساء: 5 ) .

ولعل من أهم المنطلقات الأساسية في نظرة الإسلام إلى المال والحركة الاقتصادية التي تميز المنهج الاقتصادي الإسلامي عن غيره ، وتجعله متفرداً ، هي: الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى هو المالك الحقيقي للمال ، لقوله تعالى: ((ولله ما في السموات وما في الأرض )) (النساء: 126 ) ، ((ولله ملك السّموات والأرض )) (آل عمران : 189 ).

وأن ملكية الإنسان للمال ملكية وكالة واستخلاف ، قال تعالى: (( وأنفقوا ممّا جعلكُم مستخلفين فيه )) (الحديد: 7 ) .

وهذا الاعتقاد ، الذي هو جزء من عقيدة المسلم ينتج عنه ـ حكما ـ أن تصرف الإنسان الاقتصادي ـ كسباً وإنتاجاً وإنفاقا ً ـ محكوم بإرادة المالك الأصلي وهو الله ، وهذا يعني بشكل أوضح أن الإنسان لا يمتلك حرية التصرف من كل ضابط، في كسب وإنفاق المال ، وإنما هناك ضوابط شرعية وضعها المالك الأصلي تحكم ممارساته جمعياً ، الأمر الذي يترتب عليه قيود للكسب، وقيود للإنفاق ، أو بمعنى آخر : هناك وسائل كسب شرعية ، ووسائل كسب محظورة وغير شرعية لا يحق للمسلم ممارستها كالربا، والميسر ، والاحتكار ، والغبن والغش، وكل العقود التي تتضمن الغرر والخداع .

وإن كانت هذه الضوابط بطبيعتها ، أقرب للأحكام ، أو فقه المعاملات ، منها إلى تفسير ودراسة الظواهر اقتصادياً ،إلاّ أنه تشكل بوصلة الحركة الاقتصادية التي سوف تضل العملية الاقتصادية بدونها .

ويجئ إقرار الإسلام لمبدأ التملك الفردي بشروطه الشرعية ، استجابة لدواعي الفطرة وحافزاً لزيادة الإنتاج ، في الوقت نفسه لم يجز وقوع التملك على المرافق ذات النفع العام، بل جعل ملكيتها جماعية ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الناس شركاء في ثلاثة: الكلأ ، والماء ، والنار )) ورأى كثير من الفقهاء أن المرافق العامة ليست حصراً في هذه الثلاث ، وإنما قاسوا عليها كل ما يقع في حكمها ، ولم يجيزوا ملكيتها لأحد مهما كانت صفته . وأن المرافق الثلاثة الواردة في الحديث إنما جاءت على سبيل المثال والأنموذج، ولم تأت على سبيل الحصر، لذلك يمتد الحكم إلى ما كل ما يشابها .

ولابد من التأكيد هنا أن ما ورد في الكتاب والسنّة حول المسألة الاقتصادية بشكل عام ، أو ما يمكن أن نسميه نظرة الإسلام إلى المال ، إنما هو قيم وسياسيات ومبادئ عامة لضبط السيرة الاقتصادية ، ورسم اتجاهها وحمايتها من الانحراف ، أكثر من كونها برامج تفصيلية وأوعية لحركة الأمة الاقتصادية ، وأن العقل المسلم هو الذي يجتهد في ضوء هذه القيم والسياسيات العامة في إيجاد البرامج والأوعية الشرعية للمسألة الاقتصادية في كل زمان ومكان 00 والادعاء اليوم بوجود البرامج ، أمل يعوزه الدليل الواقعي ، إلاّ بعض ما ورد في الميراث وأنصبة الزكاة . إلخ....

ولابد أن نعترف: أن كثيراً من العلوم الإنسانية ومنها علم الاقتصاد ، قد توقفت في حياة الأمة على المستوى العام ، إلاّ من بعض محاولات، وملاحظات لم يكتب لها أن تشكل مجرى إسلامياً في حمأة الاقتصاد الربوي ، وأنه لابد لنا اليوم من النزول إلى الساحة لاستئناف المسيرة الاقتصادية الإسلامية، ومجاوزة عقدة الخوف من الخطأ التي يتولد عنها استسهال عملية التقليد والمحاكاة سواء كانت داخلية أم خارجية .

وهنا ، قد يكون بالإمكان الإفادة من الكسب البشري للأمم الأخرى وما أنجزته في مجال التقنية الاقتصادية وآلات الفهم والتفسير في كل الجوانب التي ليس لها علاقة بالجانب القيمي ، مع الحذر الشديد أن كثيراً من هذه التقنيات ليست محايدة ، بل هي إفراز لحضارة وثقافة ، وإنسان ، وظروف، وشروط قد تختلف جزئياً أو كلياً عن ظروفنا، وأن إصرارنا على تمييز الاقتصاد الإسلامي من غيره، تأكيد لهذا الحذر ، وإبراز للأهداف والقيم التي تحكمه من دون سائر الأنماط الاقتصادية الأخرى ، ذلك أن تلك الأنماط قد تكون أتقنت الوسيلة الحكمة والهدف .

ولا شك أن العقدين الآخرين قد شهدا نتيجة للتحدي والاستفزاز، وكأمر مواز للصحوة الإسلامية محاولات جيدة وجادة في تحديد وإبراز معالم المنهج وملامح الاقتصاد الإسلامي، وأسست معاهد ، ومراكز ، وأقسام في الجامعات متخصصة في مجال الاقتصاد الإسلامي، يأتي على رأسها مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية بجدة ، والمعهد العالمي للاقتصاد الإسلامي في جامعة إسلام أباد ـ باكستان ـ ومركز الدراسات والبحوث في الاقتصاد الإسلامي ـ إكس ، فرنسا ـ ومركز التدريب والبحوث الإحصائية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد الإسلامية في أنقرة ، إلى جانب الجهود الفردية الفذة التي تشارك في هذا المجال .

ولم يقتصر الأمر على مستوى التنظير ، بل جاءت تجربة المصارف الإسلامية كأوعية تنفيذية ومراكز تدريب ميدانية ، ومختبرات عملية لحركة الاقتصاد الإسلامي تغني التنظير، وذلك باختباره ميدانياً ، وتتقدم بالمشكلات والمعوقات التي تعترض المسيرة والتي تقتضي حلولاً واقعية ذات أولوية في الدراسة .

فالمصارف الإسلامية في هذا ، يمكن أن تعتبر المراكز التطبيقية للدراسات النظرية .

من هنا نقول: إن تجربة المصارف الإسلامية تمثل إحدى الخطوات العملية في محاولة لترجمة المبادئ إلى برامج ، وإيجاد الأوعية الشرعية لنشاط المسلم الاقتصادي بعيداً عن المؤسسات الربوية التي تتحكم بتصرفاته ، وتنغص عليه حياته . ولا شك أن هذه التجربة التي برزت على أكثر من موقع على خارطة العالم الإسلامي، والتي جاءت ثمرة لحركة الوعي الإسلامي سوف تواجه بكثير من التحديات الداخلية والخارجية على حدّ سواء ، وسوف تُكال لها التهم كيلاً ، وتُكبّر أخطاؤها وقد يكون في بعض هذه التهم حق ، لكن لا شك أن فيها الكثير من التجني، وقد تكون الأخطاء من طبيعة الريادة التي تسدد الطريق ، وتغني التجربة ، وتصلب عودها ، وتقوّم مسارها .

كما أن التجربة سوف تحاصر من المؤسسات الربوية على أكثر من مستوىً ، وبأكثر من وسيلة لإسقاطها ، وإعادة التحكم من جديد ، والاستئثار بالنظام المصرفي للعالم الإسلامي ، وقد تدخل الساحة مؤسسات مصرفية تجارية ، ترفع شعارات إسلامية في محاولة لاقتناص شعور المسلمين وانحيازهم إلى المصارف الإسلامية التي خلصتهم من المعاملات الربوية المحرمة ، وتحاول إفساد التجربة من الداخل، ونزع الثقة بها ، إضافة إلى أن الكثير من العثرات يمكن أن تأتي من المسلمين أنفسهم، وقد يكونون مسلمين مخلصين لكنهم غير متخصصين ، يظنون أن مباشرة العمليات المصرفية وتقديم الحلول والأوعية الشرعية لحركة المصارف يمكن أن تغني فيها العاطفة الطيبة ، ولا بد من الاعتراف ـ وعلى أكثر من مستوىً ، سواء كان ذلك في مجال الإعلام ، أو الاقتصاد والأعمال المصرفية وغيرها ـ أننا لا نزال نفتقد أصحاب التخصص الذي يمتلكون أهلية التحمل والأداء معاً ، فتفرض علينا الحاجة الاستعانة باختصاصين لا يتحققون بالقدر المطلوب من التصور والمعرفة الإسلامية ، فتجيء تصرفاتهم وممارساتهم ،

والحلول التي يقدمونا أو يقترحونها صورة طبق الأصل عن ممارسات المؤسسات الربوية التي ما أنشئت المصارف الإسلامية إلا للتخلص من رباها .

لذا يكننا القول بأن قيام المؤسسات المصرفية الإسلامية، والمؤسسات الإعلامية الإسلامية وغيرها ، كشف لنا الكثير من جوانب التقصير والتخلف في أكثر من ميدان ، وكأننا بالعقل المسلم المعاصر لم يبصر إلا ميداناً واحداً للحركة ، وطريقاً خاصاً في الدعوة، ووسيلة محدودة في العمل الإسلامي ، أما بقية الميادين فتكاد تكون خالية تماماً (1 ) .

وعلى الرغم من ذلك كله ، نستطيع أن نقول: بأن ما كتب حتى الآن هو عبارة عن توجهات وملحوظات ووجهات نظر لا يزال يعوزها كثير من التحديد والدراسة ، والتمحيص ، والحوار حتى تتبلور وتتحدد معالم المنهج، ويزول التداخل الذي لا يزال قائماً بين ما يخص علم المالية وعلم الاقتصاد ، والمذهب الاقتصادي ، وفقه المعاملات الشرعية إلخ ....
تتمثل في غرس المسؤولية الجماعية عن استثمار المال . وينتج هذا ، الاستقرار في التوجيه والتخطيط ، وبالتالي الاستقرار في إدارة الاقتصاد القومي .

ثانيا: يتأسس التصور الإسلامي لتوجيه وتخطيط الاستثمار ثانيا على تحديد مسؤولية ولي الأمر عن الاستثمار بهدف التنمية ويمثل ذلك البعد الثاني في هذا التصور. ولقد عرضت الأدلة التي اعتمدت عليها في تأسيس هذا البعد .

وأعيد التذكير بهذه الأدلة مرة أخرى في مجال عرض التصور الإسلامي العام لتوجيه وتخطيط الاستثمار ، كما أضيف ما أراه يتصل بموضوعنا من أدلة جديدة.

في الحديث الذي أوردته عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، (( من ولاه الله من أمر المسلمين .. )) إلى آخر الحديث ، نجد في هذا الحديث توجيه من الرسول صلى الله عليه وسلم يشير إلى مسؤولية ولي الأمر عن التنمية الاقتصادية . وما أريد أن أشير إليه بصفة خاصة ، هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم يربط مسؤولية ولي الأمر عن التنمية بيوم القيامة ، ويدل هذا من جديد على ما سبق أن عرضته ، من اعتبار دور العقيدة الإسلامية في المنهج الإسلامي للاستثمار ، وأريد أن أضيف إلى هذا الدليل الأدلة الآتية :

يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله : (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته )) . ويروى أيضا عن الرسول صلى الله عليه وسلم : (( سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته ، من علم علماً ، أو كرى نهراً أو حفر بئراً ، أو غرس نخلاً ، أو بنى مسجداً، أو درس مصحفاً ، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته )) . ويروى أيضا عن الرسول صلى الله علي وسلم : (( ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل من طير أو إنسان إلا كان له به صدقة )) . هذه هي الأدلة الجديدة التي أضيفها إلى الأدلة التي عرضتها قبل ذلك وأنا بصدد إثبات توجيه أو تخطيط الاستثمار .

إذا أخذنا هذه الأدلة ، نستنتج منها أن الإسلام يجعل ولي الأمر مسؤولاً عن توجيه الاستثمار لخدمة هدف التنمية الاقتصادية ، كأحد الأهداف المقصودة من الاستثمار. بل إن إمعان النظر في هذه الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم يكشف عن أن توجيه صلى الله عليه وسلم بشأن التنمية ، قد شمل كل ما يسميه الاقتصاديون بالهيكل الأساسية للتنمية ، ويعني هذا المصطلح اقتصادياً أن هناك أساسيات ضرورية لبدء وانطلاق التنمية الاقتصادية ، ومنها :إعداد شبكة الطرق اللازمة ، وشبكة الري اللازمة ، أو الموانيء ، وأيضا تدريب الحد الأدنى من الأيدي العاملة التي تعتبر كأساس لبدء التنمية. وأشير إلى أنني ألمح في حديث الرسول صلى الله علي وسلم الذي ذكرته: ((سبع يجري للعبد أجرهن )) إلى آخر الحديث، ألمح في هذا الحديث دليلاً على تجهيز وتوفير ما يسمى بالهياكل الأساسية للتنمية التي سبقت الإشارة إليها يقول الاقتصاديون أيضا : إن التنمية الاقتصادية تعتمد على دعامتين :

المتاح من عوامل الإنتاج ، والتقدم التكنولوجي . وإذا أمعنا النظر في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم المشار إليه نجد أنه قد شمل هاتين الدعامتين ، ذلك أنه يشير إلى تنمية عوامل الإنتاج ، بالإضافة إلى العلم التكنولوجيا .

تكشف دراسة التاريخ الإسلامي ، أن تطبيقات الخلفاء الراشدين قد التزمت بالتوجيه النبوي الكريم بشأن التنمية الاقتصادية . ولقد سبق أن عرضت قول عمر، رضي الله عنه : (( أن الله استخلفنا على عباده )) إلى آخر ما ذكرته . وأضيف في هذا الصدد قولاً آخر لعمر هو: (( لو أن شاة عثرت على شاطيء الفرات لسئل عنها عمر يوم القيامة )) (1 ) . كما عرضت أيضا قول الإمام علي كرم وجهه : (( وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج )) . تمثل توجيهات عمر وعلي رضي الله عنهما بشأن التنمية الاقتصادية نماذج وسياسات للتنمية الاقتصادية ، بنيت على الأسس الإسلامية التي علمها لهما الإسلام .

يمثل أيضل ما نقلته عن الإمام الماوردي من أن مسؤولية الحاكم عمارة البلدان باعتماد مصالحها وتهذيب سبلها ومسالكها ، يمثل هذا القول الحلقة الثالثة في الأدلة التي اعتمدت عليها لإثبات توجيه وتخطيط الاستثمار إسلاميًّا ، ذلك أن هذا القول يمثل التقنين الفقهي من الفقيه الماودري للأحكام الإسلامية التي تتعلق بالتنمية الاقتصادية .

ماذا يعني اقتصاديّاً ما عرضته في هذا البعد الثاني، هو البعد الذي يتعلق بتوجيه أو تخطيط الاستثمار لتحقيق هدف التنمية الاقتصادية ؟ يتضح المعنى الاقتصادي لهذا البعد بالمقارنة بما نعرفه من دراستنا للاقتصاد الوضعي .

وسوف أختار فكرتين أعرض في ضوئهما المعنى الاقتصادي الذي أبحث عنه ، تتعلق الفكرة الأولى بأنواع التخطيط ، و هل يمكن استنتاج شيء من الأدلة التي عرضتها في هذا الصدد بالنسبة للاقتصاد الإسلامي ؟ ، وتتعلق الفكرة الثانية بدور الدولة ، وهل يكون دورها في الإسلام هو كما يصوره النظام الفردي أم لها دور اقتصادي متميز ؟

أبحث أولا الفكرة الأولى وهي أنواع التخطيط . كنت أشرت في بداية بحثي لهذا الضابط ، توجيه أو تخطيط الاستثمار في المنهج الإسلامي ، إلى أنواع التخطيط ، وما ذكرته هناك عن هذا الموضوع كان على سبيل المثال ، وليس على سبيل الحصر ، وتبين أن الاقتصاديين يميزون بين أنواع عديدة من التخطيط ، والسؤال الآن هو : أين الاقتصاد الإسلامي من ذلك ؟

بناءً على ما عرضته من أدلة إسلامية ، أعتقد أن هذه الأدلة تثبت وتقرر نوعاً من تدخل الدولة ، وهذا التدخل هو أهم من أن يكون توجيها أو تخطيطاً ، بمعنى أن هذا التدخل قد يقف عند المرحلة التي نسميها في الاقتصاد بالتوجيه ، وهي المرحلة التي تتدخل فيها الدولة في إدارة الاقتصاد القومي ، ليس بطريقة مباشرة إنما بطريقة غير مباشرة مثال ذلك : عندما يرى صانعوا القرار الاقتصادي أن هناك تضخماً ، أي ارتفاعاً في الأسعار ، فإنهم يحاولون علاج ذلك بأدوات السياسية النقدية ، أو بأدوات السياسية المالية ، وهي أدوات معروفة لدراسي الاقتصاد ، من أمثلة أدوات السياسة النقدية إنقاص العرض النقدي، ومن أمثلة أدوات السياسة المالية إنقاص الإنفاق العام ، ويأمل صانعوا السياسة بواسطة استخدام مثل هذه الأدوات كبح التضخم وخفض الأسعار.

هذا نوع من أنواع التدخل ، ويمكن أن يمثل نوعاً من التوجيه أو التخطيط وقد يكون التدخل الإسلامي ، الذي تقر بناء على الأدلة التي عرضتها ، في مرحلة أكثر تدخلاً من المرحلة التوجيهية التي أشرت إليها ، بمعنى أن التدخل قد يكون مباشراً وبخطة محددة مفصلة . مثال ذلك أن تكون الأمة الإسلامية في تخلف اقتصادي ، وليس هناك وسيلة لإخراجها من هذا التخلف إلا بخطة اقتصادية ، وهنا يكون تدخل الدولة أو إدارة الاقتصاد القومي وفق خطة موضوعة يمكن أن تعتمد وتقر بناء على الأدلة التي عرضتها ، ونحن في هذا لا نجهد الدليل الإسلامي ، إننا نتساءل : ماذا يعني قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته )) ، (( الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته )) ؟

إذا كان هناك مسلمون متخلفون اقتصادياً ، أليست مسؤولية الإمام هنا هي أن يضع خطة اقتصادية لتنمية اقتصادهم ، أية مسؤولية أخرى يمكن أن تعادل هذه المسؤولية ؟ ونتساءل أيضاً ماذا يعني قول عمر رضي الله عنه : لو أن شاة عثرت على نهر الفرات لسئل عنها؟ إذ كان عمر سوف يسأله الله عن الشاة إذا عثرت ، ألا نعتقد أن الله سيسأل الحاكم عن ملايين من المسلمين تموت جوعاً بسبب التخلف الاقتصادي ؟ ، وإذا كان سيسأل ، وسوف يسأل الإمام حتما وقطعاً فلا بد أن نعطيه الوسيلة لأن يدرأ مسؤوليته، والوسيلة هنا هي أن يدير الاقتصاد بواسطة الدولة : إدارة غير مباشرة ، أي استخدام التوجيه بأدوات السياسات الاقتصادية المعروفة ، أو إدارة مباشرة ، أي استخدام التخطيط المباشر بأي نوع من أنواع التخطيط .

وإجمالاً ، أعتقد أن تدخل الدولة ، الذي يقرره الإسلام بشأن الاستثمار ، هو تدخل يتسع بحيث يشمل أي نوع يحقق مصلحة المسلمين فإذا كان يكفي مجرد توجيه الاقتصاد القومي بطريقة غير مباشرة ، يكتفي الإسلام بهذا القدر من التدخل . أما إذا كان العلاج الاقتصادي، يستلزم نوعاً من التدخل أبعد من النوع السابق ، فإن الإسلام يقر مثل هذا النوع . ويمكن أن يأخذ هذا النوع أي شكل من أشكال التخطيط : مركزي أولا مركزي ، وظيفي أو هيكلي ، إلى آخر ما نعرفه من أنواع التخطيط .

أنتقل الآن إلى بحث الفكرة الثانية ، وهي تتعلق بدور الدولة الاقتصادية في المنهج الإسلامي . ولأجل أن يتضح ما أقصده بهذا المصطلح ، أعرض لبعض ما يتعلق بهذا الموضوع في المناهج الاقتصادية الوضعية .

يتحدد دور الدولة كما يعرضه فلاسفة المذهب الفردي ، في أنها تقوم بوظائف ثلاث رئيسة، وهي : الدفاع ، والأمن ، والقضاء . ولا يتصور أو لا يسمح هؤلاء الفلاسفة بأن يكون للدولة دور اقتصادي . ولهذا تسمى الدولة عندهم بالدولة الحارسة ، وفي مقابل المذاهب الفردية ، نجد المذاهب الجماعية ، وهي تقر تدخل الدولة بكل صور التدخل .

أين يمكن أن نجد الموقف الإسلامي بخصوص هذا الموضوع ؟ مما سبق من الأدلة نستنتج أن فكرة الدولة الحارسة هي فكرة مستبعدة كلية من المنهج الإسلامي. إن ولي الأمر في التصور الإسلامي منوط به مسؤوليات متعددة ، ومنها مسؤوليات اقتصادية . لنعيد النظر من جديد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( من ولاه الله شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم ، وخلتهم ، وفقرهم ، احتجب الله دون حاجته ، وخلته ، وفقره ، يوم القيامة )) . إن نوع المسؤولية التي يشير إليها هذا الحديث هي مسؤولية اقتصادية . بل إنها تقع في نطاق ما يسميه الاقتصاديون باقتصاديات التنمية ، ويجعل الرسول صلى الله عليه وسلم ولي الأمر مسؤولاً عن وضع خطة اقتصادية للتنمية وللقضاء على التخلف . وهكذا لا تكون الدولة في المجتمع الإسلامي دولة حارسة ، وإنما هي دولة عليها مسؤوليات اقتصادية . وكذلك ما يشير إليه قول عمر رضي الله عنه : لو أن شاة عثرت على شاطئ نهر الفرات لسئلت عنها ، ، وأن المسؤولية التي يلزم عمر نفسه بها ، باعتباره حاكماً للمسلمين ، هي مسؤولية اقتصادية . وأيضا رأي الإمام الماوردي : إن من مسؤولية الحاكم عمارة البلدان ، باعتماد مصالحها ، وتهذيب سبلها ومسالكها ، وما يقرره المارودري هنا كأحد مسؤوليات الحاكم الإسلامي يتعلق بالمسؤوليات الاقتصادية .

وهكذا فإن الدولة في المنهج الإسلامي ليست دولة حارسة ، وإنما هي دولة عليها مسؤوليات اقتصادية ومن هذه المسؤوليات توجيه أو تخطيط الاستثمار ، وسوف تتحدد حدود تدخل الدولة في هذا الأمر بما تحدده مصلحة المسلمين : إذا كان الأمر يعالج بواسطة التدخل غير المباشر ، فإن هذا يكفي إسلامياً ، أما إذا كان العلاج لا يكون إلا بالتدخل المباشر ، فإن هذا يستلزم إسلامياً .

ثالثا: يتأسس التصور الإسلامي لتوجيه أو تخطيط الاستثمار على توجيه التنمية بهدف إعادة توزيع الدخل . ويمثل هذا ، البعد الثالث في المنهج الإسلامي، لتوجيه أو تخطيط الاستثمار .

لقد اعتمدت في عرض هذا البعد الثالث على كثير من الأدلة الإسلامية .

وسوف أحاول أن أستعيد بعضها ، وأنا في مجال استنتاج التصور الإسلامي العام، لتوجيه وتخطيط الاستثمار عرضت أولا أدلة عن أنواع من الأموال التي دخلت فيما يمكن أن نسميه بالمصطلح الحديث ملكية الدولة ، وهي تشمل أرض الحمى البقيع ، وأراض العراق، على سبيل المثال ، وقد لفت نظري تعليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمنع توزيع أراضي العراق على الفاتحين :

إذا وزعتها الآن فماذا يبقى لمن يجيء بعدنا ؟ ، أستنتج من هذا التعليل أن عمر استخدام الملكية العامة لعمل نوع من إعادة توزيع الثروات والدخول ، هذا النوع لم يعرف ، ولم يطبق في جميع النظم الاقتصادية الوضعية ، وهو ما أسميه إعادة التوزيع بين الأجيال . لقد استخدم عمر رضي الله عنه ما دخل في الملكية العامة لضمان دخل للأجيال ، التي تأتي بعده ، وإذا لم يكن هذا إعادة توزع للثروات والدخول ، فماذا يكون إذن ؟ إذا أردنا أن نفهم جيداً عظمة هذا المنهج الإسلامي ، فلنقابله بما يحدث لنا الآن . إن الجيل الذي سبقنا بسنوات تعد على أصابع اليد الواحدة ، وأتيحت له فرض الامتلاك بسبب مشروع ، هذا الجيل يطحن كل الأجيال التي تلته في الدرجة الأولى وبوسائل اقتصادية . إنه لو طبق المنهج الإسلامي في إعادة توزيع الثروات بين الأجيال لما حدث ما يحدث الآن.

عرضت بعد ذلك أدلة أخرى عن أموال دخلت فيما نسميه بالمصطلح الحديث ملكية الدولة، أو الملكية العامة وتمثل هذا في فيىء بني النضير ، وفي أموال الحمى . وقد لفت نظري الأمر الذي أصدره عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعامله على الحمى ، إذ قال له:

(( اضمم جناحيك على المسلمين ، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة ، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف )) ، ويعني عمر بذلك أن تستثمر الأموال العامة ، بحيث تعطى الأولوية لعائد استثمارها لأصحاب الدخل الأقل : (( رب الصريمة ورب الغنيمة )) ، وهذا ما نسميه في المصطلحات الاقتصادية المعاصرة بإعادة توزيع الثروات والدخول .

إن ما فعله عمر رضي الله عنه ، هو توجيه وتخطيط للاستثمار ، بحيث يعمل على إعادة توزيع الثروات والدخول لصالح الفئات الأقل دخلاً . ويعني ما عرضته عن هذا البعد الثالث من وجهة النظر الاقتصادية ، أن توجيه أو تخطيط الاستثمار في المنهج الإسلامي يستهدف إعادة توزيع الثروات والدخول .

يعرف الذين يدرسون الاقتصاد الوضعي، أن هناك عدد من النماذج التخطيطية قد صاحب الاهتمام بالتنمية الاقتصادية الاهتمام بهذه النماذج .

وتميزت النماذج التخطيطية ، التي قدمت في المرحلة الأولى، وهي المرحلة التي تغطي الأربعينات والخمسينات وبضع سنين من الستينات ، تميزت النماذج بأنها اعتبرت متغير الإنتاج وحده ، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بمتغير الدخل القومي ، أو متوسط دخل الفرد .

وقد كشفت الدراسة التطبيقية عن أن التنمية الاقتصادية قد صحبتها آثار توزيعية

تدميرية (1 ) . وقد قيل : إن من أسباب هذه النتائج سيطرة مثل النماذج السابقة ، والتي اعتبرت المتغير الإنتاجي، وأهملت المتغير التوزيعي .

وفي السبعينات ، قدمت نماذج تخطيطية جديدة ، وقد اعتبرت مع المتغير الإنتاجي المتغير التوزيعي . ويستهدف بهذه النماذج علاج الآثار التوزيعية السيئة ، التي صاحبت أو ترتبت على النماذج الأولى .

لنرجع إلى المنهج الإسلامي لتوجيه أو تخطيط الاستثمار ، ولنستكشف المعنى الاقتصادي للبعد الثلث الذي قدمته . إن المعنى الاقتصادي الذي يستنتج من هذا البعد هو أن توجيه أو تخطيط الاستثمار، يجب أن يستهدف بجانب التنمية إحداث إعادة توزيع لصالح أصحاب الدخل الأقل . أو بتعبير عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (( رب الغنيمة ورب الصريمة )) . ولا أريد أن أقول : إن الاقتصاد الإسلامي بهذا يماثل آخر الاتجاهات في النماذج التخطيطية ، حيث إن ذلك لا ينبغي أن يكون المنهج في دراسة وعرض الاقتصاد الإسلامي ، إذ ينبغي عرضه كاقتصاد متميز وله ذاتيته المستقلة.
ولعل الكتاب الذي نقدمه في سلسلة ((كتاب الأمة )) للأخ الدكتور رفعت العوضي، أحد المهتمين بهذا الأمر ، يشكل مساهمة طيبة في هذا الموضوع، وخطوة إلى الأمام على الطريق الطويل الذي يقتضي دراسات وندوات وحوارات حتى يتضح منهجه ، ويستقيم على سوقه ، والله من وراء القصد ....