متى يجوز تحديد الاسعار؟..

د. محمد فاروق النبهان

متى يجوز تحديد الاسعار؟.. 

د. محمد فاروق النبهان

التسعير هو أن تتدخل الدولة في فرض الأسعار وفي تحديد مقدار الربح، والأصل في المعاملات في التشريع الاسلامي أن تكون حرة، أي لا يجوز للدولة أن تتدخل في إرادة المتعاقدين، وهذا هو رأي الجمهور الذي استدل عليه بما رواه أنس، قال: غلا السعر على عهد رسول الله (ص)، فقالوا: يا رسول الله لو سعرت لنا، فقال: (إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله عزوجل ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال)، وروى أبو هريرة أن رجلاً جاء إلى النبي (ص)، فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل ادعو، ثم جاءه رجل، فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة).
واستدل مَن قال بعدم جواز التسعير بما روي عن عمر بن الخطاب أنه مرّ بحاطب بن بلتعة بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما، فسعر له مدين لكل درهم، فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيباً، وهم يعتبرون سعرك، فإما أن ترفع السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر حاسب نفسه ثم أتى حاطباً في داره، فقال: إن الذي قلت لك ليس بمعرفة مني ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع.
وكان حاطب يبيع بسعر أقل من ثمن المثل، وكانت هناك قافلة قادمة إلى المدينة تحمل نفس السلع التي كان يبيعها حاطب، فخشي عمر أن يلحق الضرر بالقافلة لأنهم قد جلبوا السلع ليربحوا بها، فإذا باعها حاطب بأقل من سعر المثل فمعنى ذلك أنه سينافسهم وسيضطرهم للبيع بأقل من السعر الذي يجلب عليهم الربح، وهذا إضرار بهم، ولذلك أمره عمر أن يبيع بثمن المثل، ثم رجع عن كلامه، وطلب منه أن يبيع كيف شاء.
هذه الأدلة تدلنا على أنه لا يجوز لولي الأمر أن يتدخل في تحديد الأسعار، ويجب عليه أن يتركها حرة يحددها قانون العرض والطلب الذي يسير عليه التجار، كما أن هذه الروايات تؤيد مقتضى القياس الذي يقول بأن الأصل في المفاوضات هو الرضى تحقيقاً لقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) النساء/ 29.
إلا أننا نلاحظ على الجانب الآخر أن التسعير في بعض الأحيان واجب، وذلك عندما تستدعيه الضرورة العامة وحماية مصالح الجماعة، لأن التجار كثيراً ما يتلاعبون بالأسعار فيحتكرون السلع الموجودة في الأسواق لدى بعضهم، ثم يفرضون سعراً معيناً لا يبيعون بأقل منه، وعندئذ يضطر الناس إلى الشراء بهذا السعر الذي قد يكون أكثر بكثير من ثمن المثل. وهذا لا شك احتكار واستغلال، وإن قواعد الشريعة وأحكامها العامة تبيح للدولة في مثل هذه الحالة أن تتدخل لتمنع هذا الاستغلال، ولتحمي مصالح الجماعة أمام استغلال تلك الطبقة من التجار.
ولذلك ذهب مالك إلى جواز التسعير لدفع الضرر عن الناس، ولا يجبر الناس على البيع، ولكن يمنعهم من البيع بغير السعر المحدد، قال ابن القيم: (وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترون به، فيجعل لهم من الربح ما يشبه، وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقد السوق أبداً، فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم، فمن خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق، وهذا قول مالك في رواية أشهب وإليه ذهب ابن حبيب وقال به ابن المسيب).
ويقول الدكتور فتحي الدريني في رسالته عن نظرية التعسف في استعمال الحق في الشريعة الاسلامية: (على أن في التسعير رعاية لحقين: دفع الضرر عن الناس بمنع تعدي الأسعار تعدياً فاحشاً، ورعاية حق الفرد، وهو إعطاؤه ثمن المثل وبذلك يدفع تحكم التجار تحقيقاً للعدالة وللمصلحة العامة).
ويقول أيضاً: (ولا شك أن دفع التحكم عدل ومصلحة، وهي أظهر إذا كانت عامة، فإذا كان لا يتحقق ذلك إلا بالتسعير، صير إليه لأن إقامة العدل واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبذلك ترك العمل بظاهر الحديث مع إنه صريح لا لبس فيه، لأنه معلل على رأي طائفة من التابعين كسعيد بن المصيب، وربيعة بن عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، الذين أفتوا بالجواز).
ومما لا شك فيه أن التسعير واجب إذا اقتضته مصلحة الجماعة، لأن التسعير المنهي عنه هو تدخل الدولة حيث لا حاجة لتدخلها، أي عندما يبيع التجار بضائعهم بثمن المثل، وعندئذ يعتبر تدخل الدولة لا فائدة منه، أما إذا كان التجار جشعين ومستغلين، وهددوا بهذا الجشع مصلحة الأمة فعندئذ يختلف الحكم، وهذا ما عبّر عنه ابن القيم بقوله: (التسعير منه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على بيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم، فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعارضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز بل واجب).
ويقول ابن القيم أيضاً: (ومن أقبح الظلم.. أن يلزم الناس إلا ببيع الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون، فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب، فهذا من البغي في الأرض والفساد والظلم الذي يحبس به قطر السماء، وهؤلاء يجب التسعير عليهم، ألا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشتروا إلا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء.. فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته إلزامهم بالعدل ومنعهم من الظلم).
وهكذا يتبين لنا أنه يجوز للدولة الاسلامية، بل يجب عليها أن تتدخل في الشؤون الاقتصادية فتمنع الاحتكار، وتبيع الأموال المحتكرة بثمن المثل رغماً عن أصحابها، وتقوم بتحديد الأسعار إذا أساء التجار في معاملاتهم للناس، دفعاً للأضرار التي تلحق المجتمع من جراء ترك الأسعار مطلقة بدون تحديد، لأن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الأفراد، وإن النصوص التي تمنع التسعير معللة بألا تؤدي حرية الأسعار إلى الإضرار بالناس، فإذا أدت تلك الحرية إلى الإضرار فعندئذ لا خلاف بين العلماء في ضرورة التسعير.