ضوابط في المنهج الإسلامي لاستثمار الملكية واستخدامها

رفعت السيد العوضي

ضوابط في المنهج الإسلامي لاستثمار الملكية واستخدامها
الدكتور رفعت السيد العوضي


تمهيد:

1- أخصص هذا الفصل لإجراء مناقشة ، حول موضوع الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي، وهذا هو المستهدف بهذا الفصل ، ولكن كما يبدو من العنوان: أن المدخل الذي أخذته للدخول إلى هذا الموضوع هو من خلال ضوابطه ، كما أنني ربطته بالملكية واستخدامها ، وهذا يحتاج إلى توضيح .

مناقشة الاستثمار فيها عناصر كثيرة ، وقد اخترت أن أناقش بعضها ، باعتبارها ضوابط يضبط بها الإسلام الاستثمار ، بقصد ترشيده . ومن بين ما أقصده بذلك هو الإشارة إلى أن الاستثمار في إطار الاقتصاد الإسلامي ليس له بعدٌ واحد هو الربح للقائم به ، وإنما الأمر في الإسلام أعمق من هذا وأعقد ، فليس الأمر هو أن شخصاً معه رأسمال يأخذ قراراً بتشغيله لأن له ربحاً ، وإنما الأمر في الإسلام كما قلت أعمق وأعقد ، إن الإسلام أخضع ذلك لتشريعات تضبط القائم بهذا العمل (المستثمر ) في سلوكه في ماله ، ومع نفسه ، ومع المجتمع الذي يعيش فيه ، بل تضبط القائم بذلك في إطار العقيدة .

ثم إنه من خلال العنوان ، ربطت الاستثمار بالملكية واستخداماتها ، ذلك أنه وكما هو معروف إسلامياً أن أمر الاستثمار هو تفريع على الملكية ، وليس قراراً منفصلاً بذاته ، كما يتعامل معه الاقتصاد الوضعي ، ولهذا فقد أعملت ما هو مقرر إسلامياً ، فربطت الاستثمار بالملكية .

ثم إنه وكما ظهر في العنوان ، فإن أمر استثمار الملكية في الإسلام هو من قبيل الاستخدامات الواقعة عليها ، وهذا ما جعلت العنوان يبرزه ، وليس العنوان فحسب، وإنما المناقشة التي جاءت في هذا الفصل كله أفادت أن الاستثمار هو أمر في إطار استخدام الملكية ، ودلالة هذا أن قرار الاستثمار ليس منفصلاً من بقية استخدامات الملكية ، أي ليس قراراً منفصلاً بذاته .

2- موضوع الاستثمار مربوطاً إلى الملكية وإلى استخداماتها الأخرى ، فيه فقه واسع . وللفقهاء مصطلحاتهم التي استخدموها في هذا الصدد ، ومن هذه المصطلحات : الملكية والثروة والمال ، وباعتبار أننا نعالج هذا الموضوع اقتصادياً فإن للاقتصاد أيضاً مصطلحاته وفيها رأس المال مثلاً ، وهذه المصطلحات بنوعيها الفقهية والاقتصادية استخدمت في هذا الفصل ، فلم أهمل المصطلحات الفقهية ، إعمالاً لما قلته في الفصل الأول ، من الربط بين علم الفقه، وعلم الاقتصاد الإسلامي ، ولم أهمل المصطلحات الاقتصادية ، حتى تجيء دراستنا في إطار المساهمة في علم الاقتصاد الإسلامي .

3- فقه هذا الموضوع الذي بني عليه الاستنتاج الاقتصادي الذي جاء بهذا الفصل يحتاج إلى توضيح ، ذلك أننى لم أعمد إلى تجميع كل فقه هذا الموضوع أولا، ثم الانتقال منه إلى التحليل الاقتصادي ، وإنما اخترت منهجاً لعل فيه ملاءمة ، إن فقه هذا الموضوع جاء في بعض الإشارات التي ذكرتها في الفصل الأول ، وكثير منه جاء في الفصل الثاني ، ولذلك لم أحاول تكرار ما ذكرته هناك ، أما ما ذكرته من فقه الموضوع في هذا الفصل الثالث ، فجاء في صورة بعض الأدلة التي رأيت فيها ربطاً قوياً مع عناصر في اقتصاد هذا الموضوع .

وهذا ما يظهره تتبع المناقشة في هذا الفصل ، ولم أكتف بكل ذلك ، وإنما أحلت خلال المناقشة إلى بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بموضوعنا ، والمعروفة في هذا الصدد .

4- يبقى في التمهيد لموضوع هذا الفصل أن أوضح المقصود بكلمة ضوابط التي جاءت بالعنوان .

تعني ضوابط استثمار الملكية واستخداماتها : القواعد والالتزامات التي ينظم بها الإسلام سلوك من بيده المال في المجتمع ، بمعنى أنه إذ كان الإسلام قد أعطى للأفراد حق تملك المال ملكية خاصة ، كما أعطى لهم حق استثمار هذا المال في الأنشطة الاقتصادية التي يختارونها ، إنه إذا كان قد أعطى لهم هذه الحقوق ، فإنه أخضع ذلك لمجموعة من القيود والقواعد ، وهذا هو ما أقصده بالضوابط ، وإذن تكون الضوابط بالمعنى ، الذي أقصده المبادئ والقواعد ، التي يجب أن يعمل مالك المال أي متخذ قرار الاستثمار ، واستخدام المال ، على أن يحققها ويكون الإخلال بهذه القواعد إخلالاً بالمنهج الإسلامي في استخدام المال واستثماره .

وفكرة وجود ضوابط ومعايير ، هي فكرة لا يمكن أن يستغني عنها أي منهج ، وإذا كنا نتكلم عن منهج إسلامي في مجال الاقتصاد ، فإنه من الطبيعي أن يكون لهذا المنهج ضوابطه ومعاييره ، في كل مفردات الاقتصاد ، ومنها الملكية من حيث تشغيلها والتصرف فيها ، وتكون مهمتنا أن نكتشف هذه الضوابط والمعايير.

في ضوء ذلك أعرض بعض هذه الضوابط وهي :

أولا: اعتبار العقيدة الإسلامية .

ثانيا: علاج وضبط الصراع الاجتماعي .

ثالثا: تحقيق التنمية .

رابعاً: توجيه أو تخطيط الاستثمار .

ويمكن أن نصنف هذه الضوابط الأربعة إلى مجموعتين تتضمن المجموعة الأولى الضابطين الأولين، وهما: اعتبار العقيدة الإسلامية ، وعلاج وضبط الصراع الاجتماعي، ونسمي هذه المجموعة بالضوابط العقائدية أو المعنوية ، أما المجموعة الثانية فإنها تشمل الضابطين الأخيرين وهما: تحقيق التنمية، وتوجيه أو تخطيط الاستثمار، ونسميها الضوابط الاقتصادية.

الضوابط المعنوية

المبحث الأول

( اعتبار العقيدة)

أعني باعتبار العقيدة الإسلامية في مجال تشغيل الملكية ، والتصرف فيها، أن هذا النشاط الاقتصادي يجب أن يمارس كجزء من العقيدة الإسلامية ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر، يجب أن يكون القائم به متحققاً فيه وصف المسلم اعتقاداً وسلوكاً .

قد يكون عرض الموضوع في هذا الإطار مثيراً للتساؤل ، ذلك أنه قد يكون هناك من يرى أن أمر الاقتصاد يخضع أو ينظم بضوابط ومعايير تترجم في صيغ رياضية ، غالباً كما تتوقف كفاءة الاستثمار ـ مثلاً ـ على مقدرة وكفاءة المستثمر على التنبؤ بالأحداث التي سوف تحكم وتقع في سوق الاستثمار خاصة ، وفي السوق بصفة عامة ، لكني أعتقد أن مثل هذا مردود عليه ، حتى في النطاق الاقتصادي ، ويكون بيان ذلك على النحو التالي:

1- النظام الرأسمالي الذي تأخذ به كثير من دول عالمنا المعاصر كإطار يحكم نظمها ، وأنشطتها الاقتصادية ، هذا النظام قد وجد بيئة ملائمة له في أوروبا، وذلك بعد أن تغيرت مجموعة القيم والمبادئ ، التي كانت تحكم تفكير وسلوك الإنسان الأوروبي ، وذلك بأخذه بالفلسفة الفردية كإطار فلسفي يحكم تفكيره ، ويأخذه بمعيار المصلحة الخاصة كحافز يوجه سلوكه ونشاطه الاقتصادي ، وتعامل الأوروبي مع ذلك على أنه عقيدته . إذن يقبل اقتصادياً أن يكون السلوك الاقتصادي هو تطبيق وتفريع للعقيدة ، أي مجموعة القيم والمبادئ التي تحكم سلوك الأفراد .

2- كتفريع لهذا التحليل العام ، نجد أن مدارس الاختيار التكنولوجي على سبيل المثال ، تصنف إلى ثلاث ، ما يهمنا منها المدرسة الثالثة ، وهى المدرسة التي يبنى فيها التحليل على أساس أن التكنولوجيا الملائمة لن تتدفق إلى أية دولة محل البحث إلا إذا حدث تغيير جوهري في هذه الدولة ، بحيث يشمل هذا التغيير المعتقدات ، التي تحكم تفكير وسلوك الناس (1 ) ويعني هذا أنه إذا كانت عملية الاختيار التكنولوجي الملائم ترتبط بمعتقدات الأفراد ، فإن السلوك الاقتصادي يكون كذلك هو أيضا .

3- في السنوات الأخيرة بدأت تواجه مجموعة البلاد النامية مشاكل حادة سواء في المجالات الاقتصادية ، أو غيرها من المجالات وحاول بعض الاقتصاديون بحث أسباب هذه المشاكل ، وكان مما قيل: إن الإطار الفلسفي والفكري الذي يحكم أفراد هذه المجتمعات من بين هذه الأسباب ، ويعنون بالإطار الفلسفي والفكري: مجموعة القيم والمبادئ التي تحكم أسلوب تفكير الناس ، وهذا يعني أنهم يتكلمون عن العقيدة .

4- إذا انتقلنا إلى من يسمون بالاشتراكيين ، اقتصاديين أو غير اقتصاديين ، نكتشف أنهم يبنون كل تحليلهم للمشاكل الاقتصادية أو غيرها كتفريع لمذاهبهم، وكتطبيق لذلك. كما نجد أن بعض البلاد النامية، وبعض البلاد الإسلامية التي تصنف ضمن هذه المجموعة من البلاد ، قد فسرت المشاكل التي تواجهها بسبب أنها لم تأخذ بالجرعة الكافية من التعاليم الاشتراكية ، أو لم تأخذ بالاشتراكية ككل ، ونحن نعرف أن المذهب الاشتراكي يطرحه أنصاره على أساس مذهب شمولي ، له رؤياه الاقتصادية والاجتماعية وغيرها ، وكنتيجة لذلك فإن ربط الاشتراكيين مشاكل البلاد النامية ، وإيجاد حلول لها بالاشتراكية ، هو إدخال لفكرة العقيدة في مجال النشاط الاقتصادي .

وهكذا ننتهي إلى أن التساؤل الذي يثار بدهشة من بعضهم حين نتكلم نحن الذين نهتم أو نشتغل بالاقتصاد الإسلامي بضرورة الارتباط بالعقيدة كجزء من المنهج الاقتصادي هو تساؤل غير صحيح ، إذ أن موضوع العقيدة مثار اقتصادياً تحت أي اسم ، وتحت أي عنوان ، وفي أي مذهب .

وقد تكون هنا كلمة من الضروري توجيهها إلى بعض الذين يهتمون بالاقتصاد الإسلامي ذلك أنهم قد يرون أننا سوف نتقدم بدراسة الاقتصاد الإسلامي بقدر ما نربطه بالاعتبارات المادية ، وفي المقابل ، أرى شخصياً ومع آخرين أن التقدم الحقيقي في دراسة الاقتصاد الإسلامي يجيء من ربطه بالقيم والمبادئ الإسلامية ، أي بالعقيدة الإسلامية ، والاحتفاظ له بصبغته الحقيقية ، وعدم مسخه بوضعه في قوالب الاقتصاد الوضعي .

بعد هذا التوضيح الذي كان ضروريًّا لبيان الربط بين القيم والمبادئ ، أي بين العقيدة ، وبين النشاط الاقتصادي وفق تحليل الاقتصاديين ، أنتقل إلى عرض الأدلة التي أستند إليها في أن الإسلام ينظر إلى النشاط المتعلق باستخدام الملكية والتصرف فيها ، على أنه ممارسة للعقيدة ، وكذا ينظر الإسلام إلى المستثمر على أنه يلزم أن يكون مسلماً اعتقاداً وسلوكاً .

أ - نأخذ أولا آيات تحريم الربا من أدلة تحريم الربا قول الله تعالى: ( يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فكلم رءوسُ أموالكم لا تظلِمون ولا تُظلمُون. وإن كان ذو عُسرةٍ فنظرة إلى ميسرةٍ وأن تصدّقوا خيرُ لّكم إن كنتم تعلمون ، واتقوا يوماً تُرجعُونَ فيه إلى الله ثمّ توفّى كل نفسٍ مّا كسبت وهُم لا يظلمون ) ( البقرة : 278-281 ) .

إذا نظرنا إلى هذه الآيات التي تحرم الربا نكتشف أن الله يوجه الخطاب إلى الذين آمنوا واتقوا الله ، ويعني هذا أنه إذ كان تحريم الربا هو أحد التشريعات الإسلامية بشأن المال فإن الإسلام يوجه بداية الخطاب فيه إلى الذين آمنوا واتقوا الله ، أي أن الأمر كله التزام عقائدي وسلوك عقائدي أيضا، ونوجه النظر أيضا إلى الآية الاخيرة من الآيات السابقة وفيها نجد : ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ) إلخ.. ويعني هذا أيضا أن الأمر في:

( الاستثمار ) ليس مقدار العائد المادي وحده، وإنما الأمر مرتبط بالعقيدة وبالسلوك الذي سوف يحاسب عليه المؤمن يوم القيامة.

ويتأكد الربط بين العقيدة وتشغيل الملكية واستخداماتها إذا عرفنا معنى المتقي ، وهو الذي يتحقق في صاحبه وصف التقوى ، الذي تكرر في الآية محل الذكر أكثر من مرة ، إن معنى المتقي كما يفسره القرآن هو :

(آلم ذلك الكتب لا ريب فيه هدىً للمتقين . الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقنهم يوقنون . أولئك على هدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون ) (( البقرة : 1 ـ 5 )).

هذه الآيات تحدد أن المتقي هو الذي يؤمن بالغيب ويقيم الصلاة ، وينفق في سبيل الله ، ويؤمن بالرسل، ويؤمن بالآخرة ، إلى آخر الأوصاف التي وصف بها وهذه الأوصاف كلها تتعلق بالعقيدة . والشيء نفسه ، أي ربط تحريم الربا بالعقيدة، نجده في اية أخرى من آيات تحريم الربا ، وهي :

( يا أيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفةً واتقوا الله لعلكم تفلحون . واتقوا النار التي أعدّت للكفرين . وأطيعوا الله والرسول لعلكم تُرحمون ) (( آل عمران : 130- 132 ))

وهنا أيضا نجد أن تحريم الربا إسلامياً يوجه في الخطاب إلى المؤمنين الذين اتقوا والذين يعملون ليوم القيامة ، أي تحريم الربا مربوط بأمور كلها تتعلق بالعقيدة .

ب ـ تربط أيضا قصة الرجلين التي وردت في سورة الكهف بين العقيدة وبين موضوع المال ؛ استثماراً أو غيره ، تقول الآيات التي تحكى هذه القصة :

( واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً ، كلتا الجنتين ءاتت أُكُلها ولم تظلم منه شيئا وفجّرنا خلالهما نهراً ، وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً و أعز نفراً ، ودخل جنتهُ وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه أبداً ، ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رُّددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلبا قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثمّ سّواك رجلاً ، لكنّ هو الله ربى ولا أشرك بربى أحداً ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوّة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً فعسى ربى أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حُسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً أو يصبح مآؤها غوراً فلن تستطيع له طلباً وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها وهى خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم أشرك بربى أحداً ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً. هنالك الولاية لله الحق هو خير ثواباً وخير عُقباً ) ((الكهف: 32 ـ 44 )) .

إن هذه الآيات كلها تنظم استخدام المال على أنه جزء من العقيدة . إن الرجل الذي يقول لصاحبه : (( لكنا هو الله ربى ولا أشرك بربى أحداً )) : يشير إلى أن المال أو استخدامه لن يكون سبباً في اشراكه بالله . وآية الختام في هذه القصة : ((هنالك الولاية لله الحق هو خير ثواباً وخير عقبا ً)) ، هذه الآية تفوض الأمر وتنقل كل الولاية بما فيها ولاية المال لله الحق . وأخيرا أذكر الآيات الآتية :

( إنّا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون، فطاف عليها طائف من ربك وهم نآئمون ، فأصبحت كالصريم فتنادوا مصبحين ، أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ، فانطلقوا وهم يتخافتون ، أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حردٍ قدرين ، فلمّا رأوها قالوا إنّا لضالون ، بل نحن محرمون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قالوا سبحن ربنآ إنا كنا ظلمين فأقبل بعضهم على بعض يتلومون قالوا يويلنآ إنّا كنّا طغين عسى ربُنآ أن يبدلنا خيراً منها إنا إلى ربنا راغبون كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) (( القلم : 17 : 33 )) .

تشير هذه الآيات إلى قصة بستان ، حيث كان لرجل ينادي الفقراء وقت جني الثمر ، ويترك لهم ما في خطاف المنجل أو ألقته الريح ، فلما مات لم يرد أبناؤه أن يقتدوا به ، فحلفوا ليقطعن الثمرات وهم داخلون في الصباح (1 ) فلما فعلوا ذلك حل بهم العذاب بإهلاك الله بستانهم ، وهنا قالوا سبحان ربنا .

والنتيجة التي أنتهي إليها هي: أن الإسلام ينظر إلى استخدامات الملكية على أنها أمور مرتبطة بالعقيدة الإسلامية ، ولذلك يلزم أن يكون القائم بذلك متحققاً فيه وصف المسلم ، اعتقاداً وسوكاً ، وهكذا . يكون المنهج الإسلامي في هذا الأمر الاقتصادي مرتبطاً ومتفرعاً عن المنهج الإسلامي العام .

وهناك نتيجة أخرى تكون مرتبطة ومتفرعة عن النتيجة السابقة ، وهي أن ربط ذلك بالعقيدة يستلزم ربط جميع الضوابط ، وجميع الأهداف ، التي ينظم بها الإسلام رؤوس الأموال بالعقيدة . وتبنى على هذا نتيجتان: الأولى هي أنه إذا كنا نقول على سبيل المثال : أن هناك مسؤولية جماعية على مالك رأس المال باعتباره مستثمراً ، بحيث أنه في استثماره يجب أن يراعي مصلحة الجماعة؛ إذا كنا نقول هذا فإنه يعني أن هذا الهدف هو جزء من عقيدة المسلم الثانية تعني أنه إذا كانت كل الضوابط والأهداف التي ينظم بها الإسلام رؤوس الأموال هي تفريع للعقيدة ، فإنه يعني أن من الوسائل التي تستخدم للرقابة على هذا السلوك مراقبة الله الذي يراقب سلوك المسلم في العقيدة ككل .

وتبقى ملاحظة أخيرة في دراستنا لهذا الضابط الأول ـ وهو اعتبار العقيدة الإسلامية ـ هذه الملاحظة تتعلق بأن الارتباط بالعقيدة ليس قاصراً على ما ذكر فحسب ، وإنما الارتباط بالعقيدة يشمل كل أنواع الأعمال الاقتصادية التي يقوم بها الفرد .

من أدلة ذلك قوله الله تعالى :

( يعملون له ما يشآءُ من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقُدُور رّاسيتٍ اعملوا ءال داوُد شكراً وقليل من عبادي الشكور ) (( سبأ : 13 )) .

وفي آية أخرى يقول تعالى:

( وعلَّمنه صنعة لبوسٍ لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ) (( الأنبياء : 80 )) .

وآية أخرى أيضا مع المعنى الذي قلناه وهى :

( أتبنون بكل ريعٍ ءايةً تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبَّارين فاتقوا الله وأطيعون ) ( الشعراء : 128 ـ 131 ) .

المبحث الثاني

( ضبط وعلاج الصراع الاجتماعي )

أعني بالصراع الاجتماعي: هذه الظواهر التي تتصل بما يعرف بالصراع الطبقي، وهو صراع ينشأ في المجتمعات الحديثة من وجود من يملك في مقابل من لا يملك ، وهذا هو ما يقوله المفكرون المعاصرون ، وهذا هو السبب الأساسي للصراع الاجتماعي . وقد تكون هناك أسباب أخرى لهذا الصراع ، ولا تتصل بظاهرة الملكية ، ولكن مثل هذه الأسباب لا تدخل في بحثي ، ولذلك لن أتعرض لها .

كيف يعالج الإسلام ، بواسطة منهجه في تشغيل الملكية واستخدامها ، الصراع الاجتماعي ؟ وكيف يعمل على ضبط هذا الصراع ، بحيث لا يدمر المجتمع كما يشاهد الآن في عالمنا المعاصر ؟ بل وكما نشاهده في البلاد الإسلامية ، والتي لا تأخذ بالمنهج الإسلامي ككل ، ولا تأخذ بالمنهج الإسلامي في الاستثمار وتنظيم المال خاصة ؟ هذه الأسئلة وغيرها هي التي أحاول الإجابة عليها ، وذلك بهدف أن أحدد التصور الإسلامي ، لضبط وعلاج الصراع الاجتماعي في إطار موضوع دراستنا .

يعمل الإسلام على علاج وضبط الصراع الاجتماعي بوسائل متعددة ، وفي تقديري أن هذه الوسائل كلها تُجمع في مبدأ واحد هو: تقرير حقوق للجماعة الإسلامية على المال ، وبواسطة تقرير هذه الحقوق يهدف الإسلام إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التي بدورها تعمل على علاج وضبط الصراع الاجتماعي ؛ وهكذا يتحدد ويتشكل المنهج الإسلامي لعلاج وضبط الصراع الاجتماعي .

أعرض بعض الآدلة والأحكام الإسلامية التي أعتقد أنها تتعلق وتتصل بالمنهج الإسلامي لعلاج وضبط الصراع الاجتماعي ، ومن خلال ذلك أحاول أن أحدد الأهداف التي يستهدفها الإسلام ، وذلك لاستخدامها كوسيلة للعلاج وللضبط .

1- أعرض أولاً قصة قارون ، يقول الله تعالى عن قارون :

( إنّ قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وءاتينه من الكنوز مآ إنّ مفاتحهُ لتنوء بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إنّ الله لا يحب الفرحين. وابتغ فيمآ ءاتاك الله الدّار الأخرة ولا تنسَ نصيبك من الدُنيا وأحسن كمآ أحسنَ الله إليك ولا تبغِ الفساد في الأرض إنَّ الله لا يُحبُ المُفسدين قال إنَّما أُوتيتُهُ على علمٍ عندي أو لم يعلم أنَّ الله قد أهلك من قبله من القرونِ من هو أشدُّ منه قوةً وأكثرُ جمعاً ولايُسألُ عن ذُنُوبهم المجرمون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحيوة الدنيا يليت لنا مثل مآ أُوتي قرون إنه لذو حظٍ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن ءامن وعمل صلحاً ولا يلقاها إلا الصّابرُون فخسفنا به وبداره الأرض فما كان لهُ من فئةٍ ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين. وأصبح الذين تمنّوا مكانهُ بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عبادهِ ويقدرُ لولا أن مّنّ الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون تلك الدارُ الأخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبةُ للمتقين ) (( القصص : 76 ـ 83 )) .

تصور هذه الآيات قصة قارون كواحد من الأغنياء رزقه الله مالاً وفيراً ، ولكنه لم يراع حق الجماعة في هذا المال . ويمكن بالنظر إلى الآيات السابقة أن أعدد الجوانب التي لم يراع فيها قارون حق الجماعة على النحو التالي :

الجانب الأول : يتمثل في أن قارون استغل هذا المال ، أو اتخذه وسيلة للتعالي على أفراد جماعته التي يعيش فيها ويصور ذلك : (( لا تفرح )) ، (( فخرج على قومه في زينته ))، فقد دل هذا على أنه اتخذ هذا المال الذي منحه الله إياه وسيلة للتعالي ، وليس هذا أحد أوجه استغلال ، أو استخدام المال ، التي يمنح الله لها المال ، وقارون بهذا يسيء إلى الجماعة التي عايشها ، أي أنه لم يراع حقها فيما أعطاه الله .

الجانب الثاني : يتمثل في أن قارون لم يعن بماله ذوي الحاجة في مجتمعه ، ويصور ذلك:

( وابتغ فيمآ ءاتاك الله الدّار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كمآ أحسن الله إليك ).

الجانب الثالث: يتمثل في أن قارون استخدم المال الذي أعطاه الله له كوسيلة بغي وطغيان، تصور ذلك الآية : ( ولا تبغ الفساد في الأرض ) .

ونحن نعرف أن الله تعالى في قرآنه يصب حمماً من الوعيد على صاحب المال حين يطغى بماله: ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رّءاه استغنى ) ((العلق: 6ـ 7 )).

( وإذا أردنا أن نُّهلك قريةً أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها فحقَّ عليها القول فدمرناها تدميراً )

(( الإسراء : 16 )) .

وهكذا، يكون الطغيان بالمال وسيلة فورية للدمار والخراب ، وقد وقع في هذا قارون .

ومعنى آخر في هذه القصة يشير إليه قوله تعالى : ( لولا أن مَنَّ اللهُ علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون ) . والمعنى الذي تشير إليه هذه الآية : هو أن الإسلام يربي المسلم بواسطة ما يقصه عليه من قصص السابقين ، على أنَّ منَّ الله بالمال على أحد ليس هو المنُّ الحقيقي ، وإنما المنُّ الحقيقي هو الإيمان . ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في آية أخرى :

( بل الله يمنُّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ) ((الحجرات : 17 )) . وبإجمال ، فإن الوسائل التي استخدمها الإسلام لعلاج وضبط الصراع الاجتماعي والتي يمكن أن نستنتجها من التصور القرآني لقصة قارون ، هي :

أ - الوسيلة الأولى :هي أن الإسلام يربي المسلم على الإيمان بأن المعطي الحقيقي هو الله، وأنه ليس لأحد أن يقول إنما أوتيته على علم عندي ، ويكمل الإسلام هذا المعنى بتربيته على إن إعطاء الله المال ليس هو المنَّ الحقيقي وإنما المنُّ الحقيقي هو منّ الله على المسلم بالإيمان .

ب - الوسيلة الثانية التي تستنبط من هذه القصة تتكون من مجموعة من المعاني ، هذه المعاني هي : أن الإسلام ينمي في المسلم الذي يمتلك المال صفات معينة ، منها: ألا يتخذ ما أعطاه الله من المال وسيلة للطغيان ، والبغي في الأرض ، أو يكون وسيلة لإذلال الآخرين ، بفرحه بماله في مقابل أن الله لم يعطهم ، ومعروف أن مجرد وجود ظاهرة من يملك ، ومن لا يملك ، ليس هو السبب الحقيقي لوجود الصراع الطبقي أو الصراع الاجتماعي ، وإنما ينشأ هذا الصراع ويقوى من المعاني التي تنشأ في نفوس الفقراء ، وهم يرون أصحاب المال يفرحون ويفتخرون بأموالهم ، لذلك حين يقول الإسلام للمسلم من خلال قصة قارون : لا تفرح بما لك ولا تفتخر به ، فإنه يعالج الظواهر الحقيقية التي تولد ما تولد في نفوس الفقراء.

ج - الوسيلة الثالثة التي تستنبط من هذه القصة: إن المسلم الذي يربيه الإسلام وهو يقص عليه قصة قارون ويسمعه ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ) و(وأحسن كما أحسن الله إليك ) ، هذا المسلم يعلم أن عليه حقوقاً للآخرين . وإذن فمن خلال العطاء ، ومن خلال خلق الإحساس عند من لا يملك أن الله جعل له حقوقاً عند من يملك ، أي أنه شريك فيه ، يستخدم ويستهدف الإسلام من هذا كله مواجهة وعلاج الصراع الاجتماعي .

وإذا راجعنا الوسائل السابقة التي استخدمها الإسلام لعلاج وضبط الصراع الاجتماعي ، نجد أن بعض هذه الوسائل تكون وسائل معنوية ، بينما بعضها الآخر، وسائل مادية ، وهكذا يعالج الصراع الاجتماعي ، بالتوجه مباشرة إلى أسبابه الحقيقة.

توجد آيات أخرى كثيرة في القرآن يمكننا أن نستدل بها ، ونربطها بعلاج وضبط الإسلام للصراع الاجتماعي ، من خلال تقريره حقوقاً للجماعة الإسلامية على المال الخاص وعلى صاحبه ، ولن أتتبع كل ما يتعلق بذلك ، لأنه أكبر من نطاق هذا البحث ، وإنما أختار بعض الآيات التي سبق الاستدلال بها عند بحث اعتبار العقيدة في المنهج الإسلامي لتشغيل المال واستخداماته .

من هذه الآيات: سورة القلم ، قصة الجماعة التي أوردها القرآن لعلاج وضبط الصراع الاجتماعي . ذلك أنه كما سبق أن قلت : إن إحدى الوسائل التي يستخدمها الإسلام في هذا الصدد هي تقرير حقوق للذين لا يملكون في مال الذين يملكون، وقد أخلت الجماعة التي يقص علينا القرآن قصتها هنا بهذا ، وبالرغم من أنهم قد أحكموا ما دبروه للقيام بالحصاد في غيبة الفقراء ، حتى لا يأخذوا منهم الذي قرره الله لهم ، بالرغم من ذلك ، لم يكن تدبيرهم خافياً على الله الذي شرع هذا الحق ، ولذلك سبقتهم القدرة الإلهية إلى مالهم فأهلكته ، حتى إنهم وقفوا أمامه وهم مأخذون من شدة التدمير ، الذي أصابه ، وقالوا :

(( إنا لضالون )) ، ولا أبالغ أو أجهد النص إذا قلت : إن تدمير هذا المال الذي دبر أصحابه أن يمنعوا منه حق من لا يملك ، فيه إشارة إلى أن الصراع الاجتماعي يمكن أن ينتج مثل هذا التدمير ، ولكن ساعتها لن يكون الأمر تدمير المال وحده ، وإنما سوف يكون معه دمار المجتمع ، بما فيه من بشر ومال .

وآيات أخرى سبق الاستدلال بها في موضوع العقيدة ، وهي تحمل أيضاً ارشادات إسلامية بشأن علاج وضبط الصراع الاجتماعي ، هذه الآيات هي آيات سورة: الكهف : ( واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ) إلخ... يقص القرآن بهذه الآيات قصة أخرى على المسلمين ، ليعلمهم كيف لا يكون تقرير حق الملكية الخاصة ، وحق استثمارها لصالح صاحبها ، كيف لا يكون سببا في الصراع الاجتماعي . والآيات هنا صريحة في الربط بين ظاهرة الصراع الاجتماعي وظاهرة وجود من يملك ، ومن لا يملك ، ولكن يوجد في الآيات معنى دقيق جداً تلزم الإشارة إليه ، وهذا المعنى هو أن تحليل ظاهرة الصراع الاجتماعي وظاهرة وجود من يملك ، ومن لا يملك ، وفق التصور الإسلامي كما تشير إليه هذه الآيات ، هذا التحليل لا يقوم على أن مجرد وجود ظاهرة من يملك، ومن لا يملك ، هي السبب في وجود الظاهرة الأخرى وهي الصراع الاجتماعي ، وإنما ظاهرة الصراع الاجتماعي ترتبط وتتعلق وتدور مع ظاهرة أخرى ، وهي كيفية التصرف واستخدام المال، ويجعل الإسلام هنا التصرفات والاستخدامات المعنوية للمال تساوي التصرفات المادية . إن الرجل الذي تحكي الآيات قصته على أنه ظالم كان سوء تصرفه واستخدامه لماله من قبيل الإعمال المعنوية ، ذلك أنه قال لصاحبه: أنا أكثر منك مالاً ثم دخل جنته مغروراً ظالماً وهو يعتقد أن ماله لكثرته لن يفنى أبداً .

إن المنهج الإسلامي الذي يربط ظاهرة الصراع الاجتماعي بظاهرة سوء استخدام الملكية ، وليس بظاهرة وجود الملكية الخاصة ، هذا المنهج يتفرد به الإسلام ، ذلك أن كل الذين تعرضوا لتحليل ظاهرة الصراع الاجتماعي أو كما يسمونها ظاهرة الصراع الطبقي ، هؤلاء كلهم ربطوا بين هذه الظاهرة وبين ظاهرة الملكية الخاصة نفسها ، ولذلك كان علاجهم لها يتجه إلى المطالبة بإلغاء حق الملكية الخاصة كوسيلة ، للقضاء على الصراع الطبقي ، وهي المجتمعات التي تدعي الآن أنها تطبق الماركسية . هذه المجتمعات تعاني الآن من أعنف صور الصراع الاجتماعي ، أو بمصطلحهم الصراع الطبقي ، ذلك لأن تحليل فلاسفتهم كان تحليلاً خاطئاً وكان مغرضا، وكان تحليلاً يقوم على الحقد وحب الانتقام ، وليس تحليلاً يستهدف بناء مجتمعات ، وهكذا فإن الالتزام بالتحليل الإسلامي الذي يربط ظاهرة الصراع الاجتماعي ـ وليس الصراع الطبقي ـ بظاهرة سوء استخدام الملكية الخاصة ـ وليس بظاهرة الملكية الخاصة نفسها ـ هذا التحليل يستهدف بناء مجتمع ، وليس تخريب مجتمع قائم . وكنتيجة : إن العلاج الإسلامي للصراع الاجتماعي لا يستهدف إلغاء الملكية الخاصة، وإنما يعالج ذلك من خلال ترشيد الاستخدام والتصرف في الملكية الخاصة ، حتى ولو كانت هذه التصرفات من قبيل التصرفات المعنوية .

وأكرر أيضاً : إن ارتباط المنهج الإسلامي في هذا الصدد بالتصرفات المعنوية بجانب التصرفات المادية هو تحليل أيضاً غير مسبوق ، ولا يوجد له نظير إلى وقتنا هذا عند الفلاسفة كلهم ، الذين كتبوا وتعرضوا لهذا الموضوع .

إذا كانت المعاني التي تستنتج من قصة قارون تمثل البعد الأول في الضوابط التي تتعلق بعلاج وضبط الصراع الاجتماعي ، وهو العلاج الذي أعتقد أن الإسلام يعمل للوصول إليه من خلال تقرير حقوق للجماعة ، عند التصرف واستخدام المال ، فإن تحريم الربا يمثل البعد الثاني ، وأحاول أن أعرض: كيف يكون تحريم الربا أحد الأبعاد التي تمثل حق الجماعة عند أخذ قرار الاستثمار ، وبالتالي أحد أبعاد المنهج الإسلامي لعلاج الصراع الاجتماعي .

إن الربا يضمن دخلاً لصاحب رأس المال عندما يشارك مع عوامل الإنتاج الأخرى ، في أي نشاط اقتصادي . ويمكن هنا أن نميز بين طرفين : يمثل الطرف الأول صاحب المال، ولا يختلف اثنان على أن تحديد دخل محدد لصاحب رأس المال بصرف النظر عن النشاط الاقتصادي ، هذا التحديد يحابي ويميز ، ويكون لمصلحة هذا المالك، هذا هو الطرف الأول . أما الطرف الثاني فإنه يتمثل في ملاك عوامل الإنتاج الأخرى ، التي تشارك رأس المال في النشاط الاقتصادي المنتج ، وأيضا لا يختلف اثنان هنا على أن تحديد دخل محدد مقدماً لصاحب رأس المال يحابي ولا يكون لصالح ملاك خدمات العوامل الأخر، حتى وإن تحقق ربح يفيض عن النصيب الذي أخذه صاحب رأس المال ، لأننا بالفائدة التي حددناها لرأس المال ، قد أعطينا له نوع ضمان قبل بدء النشاط الاقتصادي بينما لم نوفر هذا لملاك خدمات العوامل الأخرى .

ويكون الموقف أكثر محاباة لصاحب رأس المال ، وأكثر تمييزاً له ، إذا حقق النشاط الاقتصادي الذي اشتركت فيه عوامل الإنتاج خسارة ، ولم يحقق أرباحا ، لأننا نكون بهذا قد ضمنا دخلاً لصاحب رأس المال على حساب ملاك عوامل الإنتاج الأخرى ، بمعنى أنهم يدفعون لصاحب رأس المال ، وهكذا إذا كنا ننظر إلى ضوابط الاستثمار من وجهة نظر صاحب رأس المال وحده ، فإن الفائدة تكون ضابطاً جيداً، أما إذا كنا ننظر إلى ضوابط الاستثمار من وجهة نظر جميع ملاك عوامل الإنتاج ، أي من وجهة نظر الجماعة ككل ، أي من زاوية علاج وضبط الصراع الاجتماعي ، فان الضابط الذي يعتبر ، يكون هو الذي يجعل ملاك العوامل يشاركون في الربح والخسارة معاً ، والمشاركة في الربح والخسارة هي التي يعبر عنها الفقهاء المسلمون بقاعدة الغنم بالغرم ، ويمكن أن نعبر عن هذا بمصطلحات أخرى ، كأن نقول : إن تحريم الفائدة ، وتشريع المشاركة في الربح والخسارة ، يحقق العدل والتوازن ، بين ملاك خدمات عوامل الإنتاج . وهكذا يكون تحريم الربا يمثل بعداً آخر لحق الجماعة عند أخذ قرار الاستثمار ، كأحد ضوابط الاستثمار ، أي أنه أحد الأدوات التي يستخدمها الإسلام لعلاج وضبط الصراع الاجتماعي .

قد يعترض علي أنني بهذا التحليل السابق أجهد التحليل الإسلامي ، بمعنى أن أحمله فوق طاقة ما يحتمل ، ذلك أن الصراع الاجتماعي في تحليل المفكرين المعاصرين ، وهم الذين يسمونه بالصراع الطبقي ارتبط بوجود ظاهرة من يملك في مقابل من لا يملك ، وتحريم الربا في الإسلام الذي قد يكون في البيوع ، أو في الاقتراض ، ليس مرتبطا بالضرورة بالتبادل والتعامل بين من يملك ، ومن لا يملك ، وإذن كيف أدخله في علاج الصراع الاجتماعي ؟ إنني أعتقد أن تحليل الصراع في المجتمع على أساس ربطه بظاهرة من يملك في مقابل من لا يملك ، هو تحليل من وجهة النظر الإسلامية مبالغ فيه ، في البساطة ، ذلك أن الصراع الاجتماعي في الفهم الإسلامي يرتبط بجانب ما سبق أن قدمته ، بتجاوز الحد ، ويمكن أن يترجم هذا المصطلح بمصطلحات أخرى ، مثل : عدم تحقيق العدل، أو الاخلال بالتوازن ، الذي يستهدفه الإسلام ، بين ملاك خدمات عوامل الإنتاج ، ويرشدنا إلى هذا الفهم ما ينقل إلينا من أنه في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، تخاصم اثنان بسبب أن أحدهما يمنع الآخرين من أن تمر المياه له . ولما ظهر لعمر تعنته أمر الذي يضار من ذلك بأن توصل المياه إلى أرضه ، وقال قولته : ( حتى ولو كان ذلك لأجرين الماء ولو على بطنك ) .

برغم أن هذه الحادثة كما قلت : تشير إلى الفهم الإسلامي للصراع الاجتماعي ، فإن النزاع هنا كان بين مالكين ، ولم يكن بين مالك وغير مالك ، وإذن إذا كنا نقول : إن تحريم الربا هو أحد الأدوات التي استخدمها الإسلام لعلاج وضبط الصراع الاجتماعي ، فإننا نمد بهذا الفهم الإسلامي للصراع من كونه يرتبط بظاهرة من يملك ومن لا يملك ، إلى كونه صراعاً يرتبط بظاهرة سوء الاستخدام، والتصرف في الملكية حتى ولو كانت بين مالكين .

يمثل تحريم الاحتكار بعداً ثالثاً في المنهج الإسلامي بشأن الملكية من حيث استخدامها ، كيف يكون ذلك ؟ يميز في الدراسات الاقتصادية بين أنواع عديدة من الاحتكار ، منها الاحتكار الكامل ، حيث يسيطر على السوق بائع واحد أو مشتر واحد ـ والاحتكار الثنائي ـ والمنافسة الاحتكارية ، إلى غير ذلك من التقسيمات المعروفة لأنواع الاحتكار ، والتي تمتلئ بها الكتب الاقتصادية .

وعندما تكون المنافسة هي التي تسيطر على السوق ، يشير التحليل الاقتصادي إلى أن المنشآت التي تعمل في مثل هذا السوق لا تحقق إلا ما يعرف اقتصادياً بالربح العادي ، وذلك لأن ميكانيكية الدخول والخروج إلى ومن هذا السوق تجعل الأرباح غير العادية تختفي من هذا النشاط أما عند ما تكون السوق خاضعة لأحد أشكال الاحتكار ، فإن الشركات التي تعمل في هذا النشاط تحقق فوق الربح العادي ما يعرف بالأرباح غير العادية . هذا هو أحد جوانب الاحتكار .

هناك جانب ثان من جوانب الاحتكار ، ويتمثل في أن المحتكر بصفته الاحتكارية يحدد التوازن عند مستوى أقل من مستوى الإنتاج الأمثل ، فالمحتكر يتحكم في كمية الإنتاج ، وهو يسعى إلى أن تكون الكمية المعروضة في السوق صغيرة بالنسبة للطلب ، حتى يرتفع الثمن ، وهكذا يكون الجانب الثاني للاحتكار يتلخص في النقص المصطنع للكمية المنتجة ، أي أن الاحتكار يؤدي إلى حرمان المجتمع من كمية من السلعة التي تخضع للاحتكار .

هناك بعد ثالث للاحتكار ، ويتمثل هذا البعد كأوضح ما يكون في حالة الاحتكار الجزئي ، وفي هذا النوع من الاحتكار يكون لكل طرف احتكاري استراتيجية، في مواجهة الطرف الآخر في السوق ، ويدرس سلوك المحتكرين هنا بنظرية معروفة وهي ( نظرية التقارع ) أو نظرية اللعب ، وما يعنيني وأنا أدرس هذا النوع من الاحتكار هو أن أشير إلى هذا السلوك العدائي ، وهذه المواجهة بين المتعاملين في هذا السوق ، ومن وجهة نظر الجماعة ككل ، يكون مثل هذا السلوك ضاراً بل مدمراً للمجتمع.

هناك بعد رابع للاحتكار ، وهو يمثل أحد أبعاد الاحتكار الأكثر سوء نتائج من وجهة النظر الاجتماعية ، ويتعلق هذا البعد بأثر الاحتكار على تحديد الأجر وعلي تحديد كمية العمل المشغلة ، حيث يحدد الأجر ، بأقل مما ينتج العامل ، كما تحدد الكمية المشغلة ، بأقل مما يجب أن تشغل إذا لم يكن هناك احتكار.

ما سبق هو باختصار بعض الأبعاد التي تلازم الاحتكار ، ونعرف أن الإسلام حرم الاحتكار ومن أدلة هذا التحريم :حديث الرسل صلى الله عليه وسلم ، : ( الجالب مرزوق ، والمحتكر خاطيء ) ، وأيضاً الحديث الذي معناه : من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها علي المسلمين فكأنه أخذ قطعة من النار إلى غير ذلك من أدلة تحرم الاحتكار . يشير الحديث الأول إلى معنى اقتصادي في الاحتكار ، وهو أثر الاحتكار على حجم أو كمية الإنتاج المعروضة ، ذلك أن الحديث يقارن بين جلب السلع إلى الأسواق ، وبين الاحتكار ، ويعني هذا أن الاحتكار يعمل على تقليل كمية المنتجات ، التي تعرض في الأسواق ، وهذا هو أحد الأبعاد التي أشرت لها للاحتكار . ويشير الحديث الثاني إلى معنى اقتصادي آخر ، وهو أثر الاحتكار ، من أن المحتكر يعرض سعراً أعلى من السعر الحقيقي للسلعة محل الاحتكار، وهكذا نستنتج أن الإسلام حين حرم الاحتكار لم يحرمه للاعتبارات الأخلاقية وحدها ، وإنما حرمه أيضاً لأسباب اقتصادية يرتبط بها التحليل الاقتصادي الحديث .

نتساءل الآن عن علاقة تحريم الاحتكار بحق الجماعة الإسلامية في عملية الاستثمار ، كأحد الضوابط الحاكمة في هذا المجال ، أي بعلاج وضبط الصراع الاجتماعي ؟ لو نظر إلى الاحتكار من وجهة نظر شخصية ، أي من وجهة نظر المحتكرين ، يكتشف أن الاحتكار يحقق للمحتكر منافع اقتصادية ، لا يمكن إنكارها ، وأقرب أنواع هذه المنافع الأرباح غير العادية التي تتحقق له ، لكن من الوجه المقابل إذا نظر إلى الاحتكار من زاوية الجماعية ككل ، يكتشف أن الاحتكار يسبب أضراراً اقتصادية وأخلاقية لها.

من الأضرار الاقتصادية : نقص الإنتاج المتعمد ، وعدم تشغيل العدد الصحيح من العمال ، الذي يمكن أن يشغل لو لم يكن هناك احتكار . وكذلك من الأضرار زيادة الأثمان عن مستوياتها الحقيقية، التي يمكن أن تحدد في حالة سيطرة المنافسة على السوق . وبجانب هذه الأضرار الاقتصادية ، هناك المساوئ الأخلاقية التي يولدها الاحتكار ومنها : تقوية وظهور الأنانية الفردية للمحتكر ، وإشعال نار الحقد والصراع بين أعضاء الجماعة ، لذلك يجب تحريم الاحتكار من وجهة نظر الجماعة.

وكنتيجة ، فإن الإسلام حين حرم الاحتكار ، قد راعى حق الجماعة وألغى أو أبطل المصحلة الفردية ، التي يمكن أن تتحقق للمحتكر . يرتبط تحريم الإسلام للاحتكار بفهم حقيقة وطبيعة الصراع الاجتماعي ، وكذلك بعلاجه ، ذلك أن التحريم هنا ليس مرتبطاً بظاهرة من لا يملك في مقابل من يملك ، وإنما يرتبط بظاهرة سوء الاستخدام ، والتصرف في الملكية.

لذلك فإن المنهج الإسلامي لعلاج الصراع الاجتماعي لا يرتبط بإلغاء ظاهرة الملكية الخاصة ، وإنما يرتبط بترشيد استخدامها ، والتصرف فيها وطرق استثمارها ، ومن هذا الترشيد الاجتماعي تحريم الاحتكار.

يمثل تحريم الإسلام للغش أيضاً ، أحد أبعاد حق الجماعة في عملية الاستثمار ، وبالتالي في علاج الصراع الاجتماعي. إن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (من غشنا فليس منا ) ، هذا الحديث ينظم أيضاً عمليات الاستثمار، فالذي يزعم القيام بمشروعات استثمارية ، وليس هناك في حقيقة الأمر شيء ، هو غاش للجماعة ، والذي يوجه الاستثمار إلى مشروعات ليست هي المشروعات الأكثر ضرورية للمجتمع ، كأن يستثمر في دور اللهو ويهمل أساسيات الحياة ، ومنها ما يلزم للقمة العيش ، هو غاش للجماعة . والذي يقوم فعلاً بعملية حقيقية للاستثمار، ولكنه يغش فيها فإن رسول الله بريء منه وتحريم الإسلام للغش هو مراعاة لحق الجماعة ، وإبطال لمصلحة وأنانية الفرد التي يحققها بواسطة الغش.

وتحريم الإسلام للرشوة ، وبخاصة الذين يتولون المسؤولية ، هو بعد آخر من الأبعاد المتعلقة أو المنظمة لحق الجماعة ، وبالتالي لعلاج الصراع الاجتماعي والرشوة هي واحدة من أخطر الأسباب ، إن لم تكن أخطرها ، التي أصيبت بها المجتمعات النامية ، ومنها مجتمعاتنا الإسلامية . إن الآية التي حرم الله فيها الرشوة تشير بصفة قطعية إلى أن سبب التحريم إنما يعود لمراعاة مصلحة الجماعة . ومراعاة هذه المصلحة هو تعبير عن علاج الصراع الاجتماعي : ( ولا تأْكُلُواْ أمْوَالَكُم بَيْنكُم بالبْاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأكُلُواْ فرِيقاً مّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (( البقرة : 188 )) .

إن الآية تتجه صراحة إلى سبب الرشوة ، وأنه يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل ، وليس المراد هنا أن المرتشي يأكل أموال الناس بالباطل ، وإنما المراد أن الراشي هو الذي يستهدف من وراء الرشوة أكل أموال الناس بالباطل ، أي الحصول على حقوق ليست له . وهكذا ، إذا كانت الرشوة يمكن أن تحقق للراشي أو المرتشي مصلحة شخصية ، إلا أنها تحرم إسلامياً لما لها من آثار سيئة من وجهة نظر الصراع الاجتماعي .

النتيجة العامة التي نسجلها في نهاية بحث هذا الموضوع ، هي: أن المنهج الإسلامي لتحليل الصراع الاجتماعي ، هو منهج متميز ، من حيث فهمه لطبيعة هذا الصراع ، ثم من حيث علاجه وضبطه . ويبنى هذا المنهج باختصار على أساس أن الصراع الاجتماعي لا يرتبط بظاهرة وجود من يملك في مقابل من لا يملك ، ولذلك لا يكون علاجه هو إلغاء الملكية الخاصة ، وإنما يرتبط هذا الصراع بظاهرة سوء الاستخدام والتصرف ، في استثمار رأس المال ولذلك يكون العلاج بترشيد هذا الاستخدام ، أي بترشيد الاستثمار . أما المنهج الإسلامي لهذا الترشيد فإنه يقوم علي دعامتين ، الدعامة الأولى : يعمل الإسلام من خلالها على ترشيد استثمار رأس المال ، بواسطة تأثيمه لبعض صور استخدام رأس المال مثل تحريم الاحتكار إلى آخر ما ذكرناه ، هذا ما أعبر عنه بجانب المنع في هذا المنهج . أما الجانب الإيجابي في هذا المنهج فهو ما يتعلق بالجوانب التي يباح فيها استخدام رأس المال .

الضوابط الاقتصادية

المبحث الثالث

( التنمية الاقتصادية )

مقدمة:

هذا هو الضابط الثالث من ضوابط المنهج الإسلامي في الملكية من حيث استثمارها . عرضت من قبل لضابطين هما : اعتبار العقيدة ، وعلاج وضبط الصراع الاجتماعي، ويعالج الضابط الثالث هذا ما يتعلق بالتنمية .

المقصود بهذا الضابط هو أن الإسلام يستهدف في تشريعاته للملكية ، بالإضافة إلى الضوابط السابقة : تحقيق التنمية . ولا أريد هنا أن أدخل في المناقشة التي تثار عن الفرق بين التنمية والنمو ، وإن كنت أشير إلى أنني استخدمت مصطلح التنمية ، ولم استخدم مصطلح النمو كأحد ضوابط المنهج الإسلامي في الاستثمار ، لأن التنمية المقصودة إسلاميّاً هي أكبر من مجرد زيادة دخل الفرد في المتوسط ، وهو المعنى الذي يفسر به عادة مصطلح النمو .

والأدوات التي يستخدمها الإسلام وتقع على الملكية لتحقيق التنمية أربع ، وأعتقد أنها تمثل أدوات استخدمها الإسلام لتحقيق التنمية في منهجه لاستخدامات المال ، وتكييف علاقة صاحبه به . وهذه الأدوات هي:

1- الإلزام بالتشغيل الكامل للمال .

2- الإلزام بأن يغطي الاستثمار الأنشطة الاقتصادية الضرورية للمجتمع .

3- الإلزام بأن يكون أسلوب مشاركة رأس المال كأحد عوامل الإنتاج ، مع العوامل الأخرى يستهدف الإنتاج وليس مجرد الحصول على دخل.

4- الإلزام بأن يستهدف استثمار رأس المال تنمية العنصر البشري .

هذه هي العناصر الأربعة ، أو بمعنى آخر: الأدوات الأربع ، التي أعتقد أن الإسلام يستهدف بها تحقيق التنمية من خلال منهجه في الملكية واستخداماتها .

وأود أن أشير قبل عرض هذه الأدوات إلى أن الأدوات التي يستخدمها الإسلام لتحقيق التنمية لا تقتصر على هذه الأدوات الأربع وحدها .

وبسبب أن دراستنا تتجه إلى الكشف عن المنهج الإسلامي لاستخدام الملكية في مجال التنمية، فإن الدراسة الكاملة لأدوات تحقيق التنمية في المنهج الإسلامي لا تكون موضوعنا المستهدف . لذلك لن أعرض لهذه الأدوات كلها .

الفرع الأول: الإلزام بالتشغيل الكامل للمال:

أعني بالتشغيل الكامل لرأس المال في هذا الصدد : أن الإسلام يلزم ضمن منهجه لاستثمار رأس المال ، أن يوجه إلى الإنتاج ، وأن يوضع في خدمة المجتمع الإسلامي جميع وحدات رأس المال . ويتضمن هذا ألا تكون أية وحدة من وحدات رأس المال عاطلة ، أي لا تعمل في دائرة النشاط الاقتصادي المشروع . والدليل الذي أستند إليه في هذا ، قوله تعالى:

( يأيها الذين ءآمنوا إن كثيراً من الأحبار والرّهبان ليأكلُون أموال الناس بالباطل ويصُدّون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سيبل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يُحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبُهُم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) (( التوبة : 34 ، 35 )) .

والسياق الذي وضع فيه تأثيم الاكتناز من حيث إنه قُرن بالصد عن سبيل الله ، وأكل أموال الناس بالباطل ، ، وقُرن تأثيم الاكتناز بأكل أموال الناس بالباطل ، وما يتضمنه من حقوق للجماعة على المال الخاص ، بحيث إن كنزه يقرن بأكل أموال الناس بالباطل ؛ هذا السياق يضع أساساً عقيدياً للتشغيل الكامل للمال ، لكن الذي أريد أن أقف عنده ، هو المعنى الذي يستنتج من تأثيم الإسلام للاكتناز في علاقته بالتشغيل الكامل لرأس المال . إن الاكتناز هو جزء الادخار الذي لم يوجه إلى الاستثمار . وإذا التزم المسلم التزاما إسلاميّاً صحيحاً بالمنهج الإسلامي ، ومن هذا المنهج تأثيم الاكتناز فسوف يوجه كل ادخاراته التي هي جزء الدخل الذي يفيض عن الاستهلاك ، سوف يوجهه إلى الاستثمار ،ومعنى ذلك أنه وفق المنهج الإسلامي لا توجد رؤوس أموال مكتنزة أي عاطلة .

هناك دليل آخر يستدل به على التشغيل الكامل لرأس المال، وهذا الدليل يتعلق بالزكاة ، التي يمكن أن ينظر إليها من إحدى زواياها على أنها تستهدف أن توجه رؤوس الأموال إلى التشغيل ، وألا تبقى عاطلة ، وتستند وجهة النظر هذه إلى تحليل طبيعة الزكاة ، والتي يشير إليها القول المأثور (( اتجروا بمال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة )) . يعني هذا أن بقاء رأس المال عاطلاً وعدم تشغيله في النشاط الإنتاجي مع استمرار فرض الزكاة عليه يجعل رأس المال ينفد . وأريد أن أوضح رأيي في علاقة الزكاة بالإلزام بالتشغيل الكامل لرأس المال . ذلك أنه وإن كنت أرى أنه يمكن استنتاج علاقة بين فرض الزكاة والإلزام بالتشغيل الكامل لرأس المال ، إلا أنه تكملة لرأيي ، لا أعتقد أن هذه العلاقة تمثل الهدف الرئيسي للزكاة، إذ أن للزكاة أهدافا ( اقتصادية ) أخرى أقوى وأوضح من هذه الأهداف منها استخدام حصيلة الزكاة في تنمية العنصر البشري في المجتمع، وذلك بتوفيها حداً أدنى من الدخل لصاحب الحاجة ، ومن هذه الأهداف أيضاً تقليل حدة التفاوت الدخلي بين أفراد المجتمع الإسلامي . وبمعنى آخر: إن الزكاة تمثل إحدى الأدوات المستخدمة في إعادة التوزيع في النظرية الاقتصادية الإسلامية . وهناك أهداف أخرى كثيرة للزكاة يمكن البحث عنها والرجوع إليها في الكتب المخصصة لدراسة الزكاة ، كما أن الزكاة تستهدف أيضاً هدفاً معنويّاً له أهميته في المجتمع ، هذا الهدف هو خلق نوع من الترابط والتماسك والإحساس الجماعي المشترك ، ماديّاً ومعنويّاً بين أفراد الجماعة الإسلامية. هذه هي بعض الأهداف الرئيسة للزكاة . أما علاقة فريضة الزكاة بالإلزام بالتشغيل الكامل لرأس المال ، فهي نوع من أنواع الالتزام ، أي الأمر الذي يترتب بالضرورة على أمر آخر .

إذا قارنا بين المنهج الإسلامي للاستثمار ، وبين المناهج الاقتصادية الوضعية، فيما يتعلق بالإلزام بالتشغيل الكامل لرأس المال ، نجد أن للمنهج الإسلامي تميزة وذاتيته المستقلة في هذا الصدد . ذلك أن الاقتصاديين يتكلمون عن ضرورة المساواة بين الادخار والاستثمار ، وهي الفكرة ذات الأهمية الاقتصادية، هي فكرة يربطها الاقتصاديون بالدورة التجارية .

وهكذا يكون التشغيل الكامل لرأس المال ، وإن استهدف في المناهج الاقتصادية الوضعية إلا أنه لا يستهدف كأداة في المنهج الاستثماري ، بقصد تحقيق التنمية . في المقابل ، إن الاقتصاد الإسلامي وهو يفرض ، ويلزم بالتشغيل الكامل لرأس المال ، يربط هذا الإلزام بهدف التنمية . والقول المأثور الذي سبق ذكره وهو: ((اتجروا بمال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة )) هو واضح في هذا الربط ، ذلك أن المقابل لتعطيل المال حسب هذا النص :

الاتجار به ، والاتجار هو مصطلح يكنى به عن تشغيل رأس المال في النشاط الاقتصادي، سواء أكان إنتاجاً مادياً أم إنتاجاً خدمياً .

وتربط كذلك الآية التي سبق الاستدلال بها ، وهي آية تحريم وتأثيم الاكتناز ، بين الإلزام بتشغيل رأس المال ، وبين التنمية ، ذلك أنها تربط بين اكتناز الأموال وبين منع إنفاقها في سبيل الله . الإنفاق في سيبل الله معنى واسع يشمل كل ما يدخل في مصالح الأمة .

نستنتج أن الإسلام يجعل ضمن ضوابطه للملكية ، وبالتالي لاستثمار رأس المال في التنمية، ومن الأدوات التي يستخدمها لتحقيق ذلك : الإلزام بالتشغيل الكامل لرأس المال .

الفرع الثاني: الإلزام أن يغطي الاستثمار الأنشطة الاقتصادية الضرورية للمجتمع:

يمثل الإلزام بأن يغطي الاستثمار الأنشطة الاقتصادية الضرورية للمجتمع ، الأداة الثانية التي استخدمها الإسلام لتحقيق التنمية ، كأحد ضوابط المنهج الإسلامي للاستثمار . ويمكن الاستدلال على هذا النوع من الأدوات بالحكم الإسلامي المعروف : فرض الكفاية . (1 ) ويعني هذا المصطلح أن القيام بما يلزم للجماعة الإسلامية يكون فرض كفاية : إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين ، وبتطبيق هذا النوع من الأحكام على النشاط الاقتصادي نستنتج أنه إذا كان هناك نشاط اقتصادي مشروع يلزم للجماعة الإسلامية كضرورة ، يكون القيام به ، أي تنفيذه وتوجيه الاستثمارات إليه فرض كفاية على جميع المسلمين ككل . فإذا قام بهذا الاستثمار ببعض أفراد المجتمع الإسلامي فإن هذا يكفي ، وتسقط المسؤولية عن باقي أفراد الجماعة الإسلامية . وفي المقابل ، إذ لم يقم بهذا الاستثمار أحد ، مع وجود القادرين عليه ، تظل المسؤولية واقعة على جميع المسلمين وأعتقد أن الشيخ محمود شلتوت قد استند إلى هذا حين قال: (( إذا كان من قضايا العقل والدين أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وكانت عزة الجماعة الإسلامية أول ما يوجبه الإسلام على أهله ، وكانت متوقفة على العمد الثلاثة: الزراعة والصناعة والتجارة ، كانت هذه العمد واجبة ، وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خير الأمة واجبا )) (1 ) . أريد أن أشير إلى أهمية هذا النوع الفريد من الأحكام في الإسلام ، وهو فرض كفاية ، وهو حكم قصد به مواجهة ضروريات سوف تواجه المجتمع الإسلامي . كما أريد أن أشير إلى أننا تعلقنا بهذا الحكم طويلا من خلال تطبيقاته في العبادات ، كما أنه ارتبط بفكرنا من حيث ربطه بحالات من الجهاد . والآن وأمام تحديات كثيرة ومعقدة تواجه العالم الإسلامي ، هي في غالبيتها اقتصادية ، يحب أن نربط هذا الحكم الهام ، وهو فرض الكفاية ، بمثل هذا النشاط . إن فرض الكفاية كأحد الأحكام الإسلامية ، هو فرض ليس له نظير في التشريعات الوضعية ، سواء منها ما تعلق بالاقتصاد أو بغير الاقتصاد. وهو فرض فريد من حيث تكييفه القانوني . هذه الآداة ، أي الإلزام بتغطية كل الأنشطة الاقتصادية اللازمة للمجتمع تعني أن الاستثمارات توجه إلى الأنشطة الضرورية للمجتمع الإسلامي ، ولن ترتبط بمعيار الربح ، بمعناه المادي والأناني في الاقتصاد ، الذي يعرف الربح بأنه العائد النقدي من الاستثمار . ويكون الاستثمار أعلا ربحية حين يحقق أكبر عائد نقدي . لكن من وجهة النظر الإسلامية ، يكون الاستثمار أعلا ربحية حيث يوجه إلى النشاط الاقتصادي الأكثر ضرورية من وجهة النظر الإسلامية .

وإذا كان الاقتصاديون ينتقدون باستمرار توجيه الاستثمار في البلاد الإسلامية إلى إنتاج السلع الترفية ، دور اللهو ، والسلع المشابهة ، وإهمال إنتاج السلع الضرورية ، ويذكر هذا على أنه أحد أسباب استمرار تخلف هذه المجموعة ، من البلاد ، فإن الإلزام بهذه الأداة الإسلامية ، التي تعني ضرورة توجيه الاستثمارات إلى أوجه النشاط الاقتصادي الضرورية واللازمة للمجتمع ، مما يقضي على التخلف الاقتصادي ، المسبب عن هذا الخلل التوجيهي للاستثمارات ، وأيضاً يعني ذلك أن الاستثمارات تغطي كل ما يلزم للجماعة الإسلامية .

إن الاقتصاديين ينتقدون دائماً في البلاد المختلفة ما يسمى بتضخم الاستثمارات ، أو بطنة الاستثمارات ، في بعض الأنشطة الاقتصادية ، أو بعض المناطق الاقتصادية ، بينما يكون هناك في المقابل الجوع للاستثمارات ، وشدة الحاجة إليها في أنشطة أخرى ، أو مناطق أخرى ، ويمكن أن نعطي كثيراً من الأمثلة : تركيز الاستثمارات في كل عواصم البلاد الإسلامية ظاهرة منتشرة ، يقابل ذلك إهمال خطير للمناطق الأخرى البعيدة عن العواصم .

وهكذا إذا وضعنا موضع التطبيق هذه الأداة الإسلامية في الاستثمار ، وهو تغطية كل أوجه النشاط الاقتصادي الضروري للمجتمع الإسلامي ، فإننا بهذا نقضي على أحد أسباب تخلف العالم الإسلامي الناتج عن إهمال ذلك .

الفرع الثالث : الإلزام بأن يكون أسلوب مشاركة رأس المال كأحد عوامل الإنتاج، مع العوامل الأخرى يستهدف الإنتاج وليس مجرد الحصول على دخل (مادي):

يمثل هذا الإلزام الأداة الثالثة ، من الأدوات التي يستخدمها الإسلام لتحقيق التنمية كأحد ضوابط المنهج الإسلامي لتشغيل المال ، ويمكن أن أختصر هذا في مصطلح واحد هو استهداف الإنتاج . وأستدل على هذه الأداة من تحليل المعاملات ، التي أباح الإسلام التعامل بها . وهذه المعاملات معروفة على نحو تفصيلي ، ويبقى أن نربط بينها وبين استهداف الإنتاج ، كأحد أدوات التنمية في المنهج الإسلامي ، أي نربط بينها لاستخلاص دلالتها الاقتصادية .

إذا أخذنا المعاملات التي يمنع الإسلام أن يتعامل بها الناس ، نجد أن المعنى الذي يعمل الإسلام على وجوده ، من خلال منع وتحريم هذه الأشكال وأمثالها من المعاملات هو : أن هذه المعاملات ليست أعمالاً منتجة اقتصادياً ، والاقتصاديون أنفسهم يعتبرون الاحتكار كأحد أشكال المعاملات المحرمة شرعاً ليس عملاً منتجاً، ولذلك لا يحق للمحتكر الحصول على دخل ، لأنه لم يؤد للمجتمع أي نشاط منتج . وكذلك الغاش ، وكذلك الراشي . ويعني هذا أن الإسلام يلزم ويوجه أن يكون الاستثمار في معنى أن يستغل المال في نشاط اقتصادي منتج ، فإذا مارس أي شخص مثل هذه المعاملات الممنوعة والمحرمة شرعاً فيكون الدخل الذي يحصل عليه دخلاً حراماً ويكون هو آثماً . وبجانب هذه العقوبة ، يكون على ولي الأمر منعه ومعاقبته .

وإذا أخذنا المعاملات التي أباح الإسلام للناس أن يتعاملوا بها ، وبحثنا عن المعاني الاقتصادية ، التي يمكن أن نشتقها من المعاملات ، نجد أن استهداف الإنتاج هو أحد هذه المعاني . وإذا أعدنا النظر في المعاملات التي أباحها الإسلام مثل المضاربة وغيرها ، نجد أن استهداف أن يوجه الاستثمار إلى أنشطة اقتصادية منتجة ، يكون هدفاً واضحاً في هذه الدراسة ، وما أعيده من قبيل الاستنتاج .

إن الإسلام قد جعل الإجارة ، هي من صور الجائزة شرعاً للسفينة والآلات المماثلة لها . وتعني الإجارة الحصول على عائد محدد نقداً لنوع من أنواع رؤوس الأموال وهو الأموال الممثلة فيها آلات كالسفينة ، وفي المقابل منع الإسلام أن يقرض رأس المال، الذي هو في صورة نقدية مقابل عائد محدود ، وهو ما يسمى شرعاً بالربا ، ويستنتج من ذلك أن الأموال الممثلة في آلات لا يمكن عند اقتراضها أن تستخدم للاستهلاك المباشر ، وإنما تستخدم بالضرورة في الإنتاج . لذلك كانت المعاملة المباحة لمثل هذا المال هي الإجارة حيث إن أخذها ليس أمامه إلا توجيهها للانتاج . وفي المقابل ، إن الأموال الممثلة في نقد يمكن لمقترضها أن يوجهها إلى الإستهلاك المباشر . لذلك تكون المعاملة التي أباحها الإسلام لمثل هذا المال هي المشاركة ، وتحريم القرض بفائدة محددة ، وسوف يضمن هذا أن يوجه هذا المال إلى الإنتاج بسبب الإلزام بالمشاركة .

إذن يستنتج أن المعاملات التي أباح الإسلام لصاحب رأس المال أن يستغل بها ماله مراعى فيه استهداف الإنتاج . وهو ما اعتبرته إحدى الأدوات التي يستخدمها الإسلام لتحقيق التنمية ، وذلك كأحد الضوابط في منهج الاستثمار .

والنتيجة هي أن استهداف الإنتاج ، الذي استهدف بواسطة المعاملات المباحة شرعاً ، وكذا بواسطة منع وتحريم بعض المعاملات ، يكون أحد أدوات التنمية المستخدمة إسلامياً .

المعنى الاقتصادي الذي يستنتج منه استهداف الإنتاج بواسطة أشكال معينة من المعاملات ، كأحد أدوات التنمية في المنهج الإسلامي للاستثمار ، يمكن أن يربط اقتصادياً بأوضاع كثير من المجتمعات والدول التي عرفت في أحد عصور تاريخه غنى في شكل امتلاكها مالاً سائلاً ، وهو رأس المال النقدي . وبالرغم من ضخامة ما امتلكته هذه الدول من أموال ، إلا أن حضارتها أو دورها التاريخي في المساهمة في القيادة وصنع الحضارة كان قصيراً وكان محدوداً جداً ، أو يكاد أن يكون منعدماً . ذلك أن هذه الدول احتفظت بثروتها في شكل رأس مال سائل ، وقد استتبع ذلك أن كان النشاط في إقراض واقتراض رأس المال هو النشاط الاقتصادي الرئيسي والسائد ، وصاحب ذلك إهمال النشاط الاقتصادي المنتج ، في شكل سلع مادية وخدمية ، ويمكن أن نأخذ إسبانيا ، كمثال في الفترة التاريخية المسماة بعصر الرأسمالية التجارية . في هذه الفترة كانت إسبانيا أغنى دولة أوروبية ، أو أغنى دولة في العالم بسبب ما تمتلكه من نقود في شكل ذهب وفضة، وقد استجلبت هذه المعادن من مستعمراتها . وبسبب أنها لم توجه رؤوس الأموال هذه إلى النشاط الاقتصادي الإنتاجي ، بالمعنى الذي نقصده للإنتاج ، فإن دورها القيادي للاقتصاد العالمي كان قصيراً جداً ، وكان أثرها في الحضارة الإنسانية منعدماً ، وذلك بالرغم من غناها الفاحش في إحدى فترات التاريخ ، ويمكن أن نأخذ كمثال في العصر الحديث بعض الدول التي تمتلك ثروات سائلة فلكية ، وذلك بسبب امتلاكها لبعض المواد الأولية ، وبالرغم من ذلك تكون اقتصاديات هذه الدول اقتصاديات هشة ، كما أن التنبؤ بالمستقبل الاقتصادي لهذه الدول يكون متشائماً . ذلك أن هذه الدول احتفظت بالجزء الرئيسي من ثرواته في شكل نقدي سائل وجعلت النشاط الاقتصادي الرئيسي له هو المضاربة في السوق المال . وكان الأمن الاقتصادي الحقيقي لهذه الدول ، هو أن تحول رؤوس أموالها النقدية إلى مصانع ومزارع وغير ذلك من صور النشاط الاقتصادي المنتج حقيقة .

وفي ضوء التحليل التاريخي ، يصبح المعنى الاقتصادي لاستهداف الإنتاج بواسطة أشكال معينة من المعاملات واضحاً . ذلك أن الإسلام وهو يستهدف إقامة مجتمع إسلامي قوي ودولة إسلامية ثابتة ، وحضارة إسلامية حقيقية ، استخدم لذلك كثيراً من الأدوات والوسائل والأساليب ، ومن الأدوات والأساليب: أنه في مجال المعاملات الاقتصادية ربط استخدام رأس المال بواسطة الغير ، والتعاون معه بأشكال من المعاملات الاقتصادية . وقد استلزم في هذه الأشكال أن يكون أسلوب المشاركة هو أساس التعاقد . وبهذا الشرط ، يكون الإسلام ضمن أن يوجه رؤوس الأموال السائلة ، وأن تتحول إلى نشاط اقتصادي منتج حقيقة ، بالمعنى الذي نقصده ، والذي شرحناه ، ويكون الإسلام بهذا قد خلص المجتمع الإسلامي من داء حصر النشاط الاقتصاد لأصحاب رؤوس الأموال في الاتجار بالنقد : شراء وسمسرة إلى آخر صور التعامل في النقد والتي نعرفها في المجتمعات المعاصرة ، من خلال دراسة نشاط البورصات ونشاط المصارف .

استهداف الإسلام تحريم الربا ، وتحريم الاتجار بالنقد ، هو استهداف أصيل ، وتشريعه التعامل بالمشاركة ، هو تشريع مقصود به تحقيق غايات ومقاصد معينة محددة ، لأنه بواسطة المشاركة يتخلص المجتمع الإسلامي من وباء سماسرة الاتجار بالمال . وأريد أن أعود وأكرر أن المجتمعات التي تعتمد على الاتجار بالنقد وتجعله النشاط الاقتصادي الرئيسي فيها ، هي مجتمعات هشة اقتصادياً ولا يمكن أن ننخدع بمظاهر الرواج الاقتصادي الذي تبدو به هذه المجتمعات . ذلك أن أية أزمة اقتصادية عالمية ، سوف تعصف باقتصاديات هذه المجتمعات ، وتأتي على الأخضر واليابس فيها . ولنحفظ ولنع درس التاريخ في مجتمعات مماثلة لها سابقة ، مثل حالة إسبانيا التي أشرت إليها ، وهناك غير إسبانيا الكثير . وبجانب أن هذه المجتمعات هشة اقتصادياً ، فإنها هشة أخلاقياً ولندرس بإمعان الدول الموجودة الآن ، والتي تدعي أنه توجد بها أسواق المال العالمية ، وأن السمسرة هي نشاط رئيسي فيها .

وهكذا ، يكون اشتراط المشاركة في المعاملات الإسلامية ، وهو الاشتراط الذي يستلزم توجيه رأس المال السائل إلى النشاط الإنتاجي الحقيقي ، وعدم توجيهه إلى الاستهلاك المباشر ، هذا الاشتراط يستهدف الإنتاج ، وبالتالي يستخدم هذا لتحقيق التنمية .

المبحث الرابع

( توجيه أو تخطيط الاستثمار )

يمثل توجيه أو تخطيط الاستثمار الضابط الرابع في مجموعة الضوابط التي أعتقد أن الإسلام ينظم بها منهجه في استثمار الملكية واستخداماتها . اقتصادياً يميز بين أنواع عديدة من التخطيط ، وفي كل نوع منها يأخذ التخطيط معنى خاصًّا، ومن أنواع التخطيط (1 ):

1- التخطيط ضد الدورات في مقابل التخطيط للتنمية . الأول يهتم بالتشغيل الكامل في مقابل أن الثاني يهتم بالتنمية الاقتصادية المعجلة مع إصلاح الهيكل الاقتصادي .

2- التخطيط الجزئي في مقابل التخطيط الشامل : يكون الأول لبعض القطاعات الهامة ، مثل الزراعة أو الصناعة ، أما الثاني فإنه يغطي كل الاقتصاد .

3- التخطيط العام في مقابل التخطيط التفصيلي: يهتم الأول بالمؤشرات الرئيسة، أما الثاني فإنه يحدد الأهداف والوسائل بتفصيل .

4- التخطيط الوظيفي مقابل التخطيط الهيكلي : يتضمن الأول تخطيط الاقتصاد خلال النظام الاجتماعي والاقتصادي القائم ، أما الثاني فإنه يخطط لنظام جديد بالكامل ، مع تغيرات جذرية في هيكل الاقتصاد .

وقد تعد أنواع أخرى من التخطيط ، مثل التخطيط الإقليمي ، والتخطيط بعد الحروب (2 ).

يعتبر مصطلح التخطيط أحد المصطلحات الاقتصادية الحديثة نسيًّا ، وهو يرتبط بمصطلح التنمية ، فقد استتبع الاهتمام بالتنمية الاقتصادية الاهتمام بالتخطيط وبالرغم من حداثة هذا الفرع من فروع الاقتصاد ، إلا أنه يكثر الاهتمام به والكتابة عنه ، وقدمت نماذج ونظريات تخطيطية كثيرة . وليس هنا المجال لمناقشة كل ما يتعلق بالتخطيط ، أو حتى بعض ما يتعلق به وإنما ذكرت ما ذكرت عنه لأعرف القارئ بأبعاد المصطلح الذي نعرضه الآن .

أحاول في هذا المبحث مناقشة بعض الموضوعات في الاقتصاد الإسلامي ، والتي ترتبط باستثمار الملكية ، واستخداماتها ، وهي موضوعات تتعلق بتوجيه الاستثمار أو بتخطيطه :

1- إثبات المسؤولية الجماعية في استثمار رأس المال .

2- إثبات مسؤولية ولي الأمر عن الاستثمار بهدف التنمية .

3- إثبات مسؤولية ولي الأمر عن الاستثمار بهدف إعادة توزيع الدخل والثروة.

4- استنتاج التصور الإسلامي العام لتوجيه وتخطيط الاستثمار .

الفرع الأول: المسؤولية الجماعية الإسلامية في الاستثمار:

أعني بهذا المصطلح الالتزامات التي يضعها الإسلام على الجماعة الإسلامية ، ممثلة في الدولة للقيام بعمليات الاستثمار اللازمة للمجتمع .

والأدلة الإسلامية التي يمكن أن تساعدنا في بحث هذه الجزئية كثيرة منها :

1- الدليل الأول قوله تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ) (( النساء : 5 )) .

وجه الدلالة في هذه الآية ، هو أن الإسلام يلزم ولي الأمر ، أن يمنع السفيه من التصرف أو استثمار ماله ، ويجعل الجماعة الإسلامية ، ممثلة في ولي الأمر مسؤولة عن ذلك ، ومن التفسيرات الدقيقة لهذه الآية ، ما نقل عن القرطبي من أن مصطلح الضعيف مراد به الصغير ، أما مصطلح السفيه الوارد في هذه الآية فمراد به الكبير (1 ) . ومن التعليقات التي قيلت في ذلك : وعلى ذلك يكون تفسير الآية أنه خطاب للجماعة ممثلة في أولياء أمورها بالحجر على السفيه ، الذي فقد أهليته للنيابة عن الجماعة في تثمير مالها وحيازته، أي فقد أهليته لوظيفته الاجتماعية ، لأن استمرار تصرفه بعد السفه إفساد لمالها من حيث ملاحظة حقها الأصلي ، وإضرار بها من حيث النظر الاقتصادي البحت الذي يرى أن مال الجماعة يتأثر بما ينال مال الفرد بسبب السفه أو سوء الاستغلال (2 ) .

هذا هو الدليل الأول الذي ارتبط به . أما المعنى الاقتصادي الذي يريد أن نستنتجه منها فهو : أن الإسلام يوجه الخطاب إلى الجماعة الإسلامية ممثلة في ولي الأمر بشأن يتعلق بالمال الخاص لبعض الأفراد في المجتمع وفي هذا الخاطب نجد أن الإسلام يضيف المال الخاص إلى الجماعة، وهذه الإضافة تخلق الحس لدى المسلم ، وكذا لدى الدولة الإسلامية بالمسؤولية المشتركة عن استثمار المال واستغلاله والمحافظة عليه . وإذا كان للجماعة على المال الخاص حق ومسؤولية، فإنه يترجم ذلك بلغة العصر الاقتصادية : أن للدولة الإسلامية حق التوجيه أو التخطيط لاستثمار المال . ويشمل هذا الحق بيقين ، مال السفيه ومن على شاكلته، ويمكن أن يشمل ، استنباطاً ، الحق في توجيه مثال غير السفيه بحيث يكون في خدمة المجتمع .

من الأدلة التي أستدل بها على المعنى السابق نفسه ، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (( ألا من ولي يتيماً فليتجر بماله حتى لا تأكله الصدقة )) . يلزم الإسلام هنا باستثمار مال اليتيم . ويناظر هذا ، الإلزام الذي أشارت إليه الآية السابقة .

يمثل عمل الإسلام على غرس الإحساس بالمسؤولية الجماعية نحو استثمار رأس المال ، الأساس الأول لحق الدولة الإسلامية في التدخل في استثمار رؤوس الأموال الخاصة . والمسؤولية الجماعية هي تعبير آخر عن المسؤولية المشتركة عن استثمار المال الخاص ، بين صاحبه من جانب ، وبين ولي الأمر من جانب آخر .

الفرع الثاني: مسؤولية ولي الأمر عن الاستثمار بهدف التنمية:

2- بعد غرس الإحساس بالمسؤولية الجماعية أو المسؤولية المشتركة توجد مجموعة أخرى من الأدلة التي أرى أنها تمثل مرحلة متقدمة في مجال توجيه أو تخطيط الاستثمار في المنهج الإسلامي ، من هذه الأدلة : قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة )) (1 ).

وينقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أن الله استخلفنا على عباده ، لنسد جوعهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر لهم حرفتهم . كما ينقل عن الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه : وليكن نظرك في عمارة الأرض ، أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج . كما ينقل عن الإمام الماوردي: أن مسؤولية الحاكم: عمارة البلدان ، باعتماد مصالحها ، وتهذيب سبلها ومسالكها (2 ) .

تتجه هذه المجموعة من الأدلة معاً ومباشرة إلى تحديد مسؤولية ولي الأمر في عملية الاستثمار . وهذه المسؤولية تتحدد في ضرورة القيام ورعاية المسلمين، وتوفير ما يلزم لهم اقتصادياً ، ويعني هذا مسؤولية ولي الأمر عن عملية الاستثمار. وهو تعبير يمكن أن يستبدل بمصطلح توجيه أو تخطيط الاستثمار .

بل يستنتج من هذه الأدلة ، أن الإسلام يوجه ولي الأمر إلى أنه ينبغي عليه أن يكون استهدافه التنمية الاقتصادية للمجتمع الإسلامي، وليس استجلاب أو الحصول على أموال ، تحت أي شكل من أشكال الضرائب ، لتنفق في وجوه كثيرة ليس من بينها التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

الفرع الثالث: مسؤولية ولي الأمر عن استخدام المال بهدف إعادة التوزيع:

هناك مجموعة ثالثة من الأدلة التي تتعلق بمسؤولية الجماعة الإسلامية عن الاستثمار ، أو توجيه وتخطيط الاستثمار . من هذه الأدلة : أن الرسول صلى الله عليه وسلم حمى أرضاً بالبقيع . وينقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رفض توزيع أرض العراق على الفاتحين ، وحبسها لمصلحة المسلمين عامة ، وقال في ذلك قوله المشهور : إذا وزعتها الآن ، فماذا يبقى لمن يجيء بعدنا . إن المعنى الاقتصادي الذي يمكن استنتاجه من الدليلين السابقين ، هو أن للجماعة الإسلامية ، ممثلة في ولي الأمر ، أن تستبقي في نطاق الملكية العامة بعض الأموال التي وضعت في يد الدولة ، وإذا راجعنا نوعي المال في الدليلين السابقين، نكتشف أن فيهما ما يتعلق بأحد عوامل الإنتاج وهو الأرض ، وأن استبقاءه في نطاق الملكية العامة مقصود به استغلاله وتوجيهه للاستثمار ، وليس للاستهلاك المباشر ، بعكس ما يشاهد في الأموال التي توضع حديثاً في يد الدولة.

توجد مجموعة أخرى من الأدلة التي تنظم أيضاً مسؤولية الجماعة الإسلامية في عملية الاستثمار من هذه الأدلة : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير ، بين المهاجرين ، ماعدا اثنين من الأنصار أعطاهما الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب فقرهما، وتحققت فيهما الشروط التي كانت السبب في قصر التوزيع على المهاجرين . ودليل آخر ينقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه كتب إلى عامله على الحمى : اضمم جناحيك على المسلمين ، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة ، وإياك ونعم ابن عوف وابن عفان (1 ) .

يشير هذان الدليلان من أدلة تنظيم مسؤولية الجماعة الإسلامية في عملية الاستثمار ، إلى معنى خاص ، وهو أن للدولة وعليها أن تستخدم الأموال ، التي توضع في يدها لتحقيق هدف إعادة توزيع الدخول بين أفراد المجتمع .

والدليلان السابقان مباشرة يكونان صريحين في الدلالة على ذلك ، فالدليل الأول يشير إلى ذلك في مال يتوقع أن يكون موزعاً من الدولة على الأفراد ، ليستخدم غالباً في الاستهلاك . أما الدليل الثاني ، فإنه يشير صراحة إلى أن على الدولة أن تستخدم استثماراتها لتحقيق هدف إعادة توزيع الدخول بين إفراد الجماعة الإسلامية ، وذلك مع الأهداف الأخرى ، التي يجب أن تعمل على تحقيقها، ومنها التنمية الاقتصادية .

الفرع الرابع: استنتاج التصور الإسلامي لتوجيه وتخطيط الاستثمار (تحليل اقتصادي)

عرضت ثلاثة أبعاد بهدف البحث عن التصور الإسلامي ، لتوجيه وتخطيط الاستثمار . عرضت أولاً للأدلة التي تثبت المسؤولية الجماعية والإسلامية في عملية الاستثمار . ثم عرضت ثانياً للأدلة التي تثبت مسؤولية ولي الأمر عن توجيه الاستثمار بحيث يحقق التنمية الاقتصادية . وأخيراً عرضت للأدلة التي تثبت مسؤولية ولي الأمر عن الاستثمار بهدف إعادة توزيع الدخل والثروة .

وسوف أحاول الآن أن أستنتج ، بناء على ما عرضته من أدلة تتعلق بهذه الأبعاد الثلاثة ، التصور الإسلامي لتوجيه وتخطيط الاستثمار .

أولا: يتأسس التصور الإسلامي لتوجيه وتخطيط الاستثمار على غرس الإحساس بالمسؤولية الجماعية نحو استثمار رأس المال . ولقد عرضت في الفقرة الأولى لهذا الضابط من ضوابط المنهج الإسلامي لتوجيه وتخطيط الاستثمار ، بعض الأدلة ، التي أعتقد أنها تدل على ذلك ، وهي أدلة تعلقت بمسؤولية الجماعة الإسلامية عن التصرف واستثمار أموال السفهاء ، كذلك أموال اليتامى . ويمكن أن نضيف إلى هذه الأدلة أدلة أخرى ، تخدم المعنى نفسه ، الذي استنتجناه وهو غرس الإحساس بالمسؤولية الجماعية نحو المال . من هذه الأدلة قوله تعالى : (( هُوَ الّذي خَلَقَ لَكُم مَّا في الأَرْضِ جَمِيعاً ))

(( البقرة : 29 )) وإن كنت أرتبط بالأدلة الأولى أكثر من هذا الدليل الجديد ، ذلك أن الأدلة الأولى تتجه مباشرة إلى إثبات مسؤولية الجماعة الإسلامية عن استثمار أموال فئات معينة من الناس ، تعجز بنفسها عن التصرف الصحيح في أموالها ، أما هذا الدليل الجديد فإنه يغرس في النفس الإحساس بحقنا جميعاً في ما خلقه الله ، وأوجده في هذه الأرض .

غرس الإحساس بالمسؤولية الجماعية له أهميته توجيه أو تخطيط الاستثمار . ذلك أن عملية الغرس هذه تثبت نوعين من النتائج ، التي أعتقد أنه تشكل محاور أساسية في التنظيم الإسلامي للتدخل في المال : استثمارً أو غيره . تتمثل النتيجة الأولى في محور نفسي أساسي وضروري لنجاح تدخل الجماعة ممثلة في ولي الأمر في الحياة الاقتصادية الخاصة للأفراد. ذلك أن الهدف الإسلامي من غرس الإحساس بالمسؤولية الجماعية نحو استثمار المال يعمل في اتجاهين : يتعلق الاتجاه الأول بالمالكين لرأس المال ملكية خاصة، والذي يقوله ويغرسه فيهم الإسلام هنا ، وهو غرس وقول نفسي : إن ما في أيديكم للجماعة الإسلامية عليه حقوق . ويهيء هذا الغرس النفسي نفوس أصحاب رأس المال الخاص لقبول أنواع من التدخل ، من الذين يمثلون الجماعة الإسلامية ، وقد يكون هذا التدخل في صورة مخففة كتوجيه الاستثمار باستخدام سياسيات اقتصادية معينة ، أو بالتدخل تدخلاً مباشراً لتخطيط الاستثمار . هذا هو المعنى النفسي الأول . وهو كما قلت يتجه إلى المالكين لرأس المال ملكية خاصة . أما المعنى النفسي الثاني فإنه يتجه إلى ولي الأمر كممثل ومسؤول عن الجماعة الإسلامية ، والمعنى الذي يغرسه الإسلام هنا : هو أنه يجعل ولي الأمر يحس بأنه مسؤول أمام الله عن التوجيه الصحيح لرأس المال الخاص .

من تفاعل المعنيين السابقين ، المعنى الذي يغرس في نفوس المالكين لرأس المال ملكية خاصة ، والمعنى الذي يغرس في نفوس ولي الأمر ، ينتج الأثر الإسلامي المستهدف من غرس الإحساس بالمسؤولية الجماعية نحو استثمار الجماعية نحو استثمار الأموال . يتمثل هذا الأثر فيما أسميه بالتهيئة النفسية لقبول التدخل : توجيهاً أو تخطيطاً في الاستثمار الخاص . ولأجل أن يتضح ما أريد أن أقول ، أشير إلى معنى مماثل في الاقتصاديات الوضعية .

نتكلم كثيراً عن المشاكل التي تواجه التنمية الاقتصادية في البلاد النامية .

ويرجع بعضهم ذلك إلى أن سكان هذه البلاد يُهيأوا التهيئة النفسية الصحيحة والكافية لما تتطلبه التنمية الاقتصادية من سلوكيات معينة ، ترتبط بالتصنيع ، أو غيره من مظاهر التنمية الاقتصادية . هذه الفكرة التي أشير إليها في الاقتصاديات الوضعية تقرب لنا المعنى الذي أريد استنتاجه من بحث البعد الأول من أبعاد أو تخطيط الاستثمار في الإسلام ، وهو ما أسميه : غرس الإحساس بالمسؤولية الجماعية نحو استثمار رأس المال . هذا المعنى هو: أن الإسلام يريد أن يضمن نجاح تدخل ولي الأمر حين يجيء ، لذلك هيأ نفوس المالكين لرأس المال ملكية خاصة وولي الأمر ، الاثنين معاً ، لهذا التدخل ليضمن النجاح له .

هناك جانب آخر يمكن استنتاجه ، أو ربطه بهذا البعد الأول من أبعاد توجيه أو تخطيط الاستثمار ، يرتبط هذا المعنى بفكرة الحق والواجب ، كما تعرض في الاقتصاد الإسلامي . وأيضاً ، أحاول أن أقرب المعنى هنا بالمقارنة مع الاقتصاديات الوضعية . حين يحدث التدخل من الدول التي تأخذ بالنظم الوضعية في الملكية الخاصة ، يقوم الحاكم بهذا التدخل على أنه حق له .

ويتصرف من منطلق أنه يملك حقاً كنتيجة ، قد يتجاوز الحد الذي ينبغي ألا يتخطاه ، وهو في نفسه قد يجد مبرراً لتجاوزه ، لأنه يعتقد أنه يملك حقاً . من الوجه الآخر نجد أن مالك رأس المال الخاص ، الذي تتدخل الدولة باسم النظم الوضعية في ملكيته الخاصة ، ينظر إلى هذا التدخل على أنه اعتداء على حقه ، الذي يمثل اعتداءً على ملكيته الخاصة ، وعلى حقوقه المقررة عليها .

وهكذا ينظر المالك الخاص إلى أي نوع وأية صورة من صور تدخل الدولة على أنه تجاوز للحد . يصور هذا التقابل المتعارض بين وجهتي النظر السابقتين أحد المعوقات الاقتصادية التي تواجه البلاد النامية وهي تخطط للتنمية . بل إن ذلك يكون أحد أسباب فشل التنمية الاقتصادية ، وذلك بسبب المد والجزر الذي يلاحظ في التدخل ، ويقصر عما كان يجب عليه عمله . وكلا الأمرين:

الإفراط والتفريط ، يجد تبريره في أن التدخل منظور إليه من زاوية الحاكم على أنه حق . وفي المقابل ، أياً كانت درجة التدخل ، ينظر مالك رأس المال إليه على أنه تدخل غير مشروع في ملكيته . ولهذا يقاوم هذا التدخل ويعمل على إفساده ، وسوف ينقض عليه عندما تواتيه الفرصة . ويفسر لنا هذا ما يحدث في البلاد النامية التي تأخذ بالتخطيط ، ثم يجيء من يلغيه كلية ، وهكذا في فترة يتقرر حق الدولة في التدخل الاقتصادي ، ثم بعد ذلك يجيء من يتنكر كلية لهذا الحق.

أقول : إن هذا المد والجزر في التوجيه أو التخطيط الاقتصادي ، إنما ينشأ بسبب أن النظم الاقتصادية الوضعية لا تكيف تكييفاً صحيحاً التداخل بواسطة الدولة ولا تعالجه معالجة صحيحة .

نعود إلى المنهج الإسلامي لتوجيه وتخطيط الاستثمار ، الذي هو نوع من أنواع تدخل ولي الأمر في النشاط الاقتصادي . يكيف الإسلام التدخل من جانب ولي الأمر بأنه واجب عليه، لذلك يلتزم عند تنفيذ هذا الواجب ، بما يتقرر عليه . ولهذا لن يوجد من الحاكم إفراط أو تفريط في التدخل ، إذا كان هناك التزام كامل بالمنهج الإسلامي ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر يكيف الإسلام التدخل من جانب صاحب الملكية الخاصة ، بأن ولي الأمر يتدخل لأن الشرع يعطيه ذلك ، يفهم هذا من أن الله عبر عن مال السفيه ، بأنه مال الجماعة التي يمثلها ولي الأمر، أي له حق التدخل المشروع والمحدد من قبل الشارع ولن يقعد للتدخل بالمرصاد ، ينقض عليه عندما تواتيه الفرصة ، لأن مقاومته للتدخل تفسر على أنه خروج على الشرع .

وهكذا ، تتبين الأهمية القصوى لهذا البعد الأول من أبعاد توجيه أو تخطيط الاستثمار في المنهج الإسلامي . وهو بعد كما قلت : يؤسس ويعالج جوانب نفسية