رفقاء دربه يتحدثون عنه بعد رحيله

محمد الشباني

رفقاء دربه يتحدثون عنه بعد رحيله

 

الراحل محمد الشباني أثرى الاقتصاد الإسلامي بمؤلفاته وأبحاثه
- متابعة: سعد السهيمي وعثمان ظهير - 25/05/1428هـ
تميزت حياة الدكتور محمد الشباني الأمين العام للهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل، بأنها حافلة بالعمل الدؤوب والعطاء المتميز، فقد كانت له مبادرات هادفة، إما عبر مداخلاته في الندوات والمؤتمرات التي شارك فيها أو من خلال كتبه ومؤلفاته التي أثرى من خلالها الساحة الاقتصادية، وبرحيله فقدت الساحة عالما اقتصاديا طالما خصص جُل وقته لخدمة الاقتصاد الإسلامي.
زملاء وأصدقاء الدكتور الشباني كان لهم حديث ذو شجون عن الراحل من خلال كتاباتهم وآرائهم عن رفيق دربهم، فقد تحدثوا عن مآثره وخلقه وطريقة تعامله مع الآخرين، وكيفية معالجته للأمور وأشادوا بالجهد الكبير الذي بذله في إنشاء الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل وجهوده في التأليف المتخصص في الجوانب الاقتصادية.

من النوادر الذين التقيتهم

تحدث في البداية الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي أمين عام رابطة العالم الإسلامي عن الراحل، حيث أكد أنه فقد أخًا عزيزًا فاضلاً، ورجلاً من رجالات الاقتصاد الإسلامي، فأسأل الله تعالى أن يرحمه رحمة واسعة، ويجعل في ذريته الخير والصلاح ويوفقهم لما يحبه ويرضاه، ويضيف أن الدكتور محمد بن عبد الله الشباني، رحمه الله، كان على ما أحسبه رجلاً ذا همة وطموح، وغيرة إسلامية واضحة، يهتم بالقضايا المعاصرة التي تشغل الساحة الإسلامية، بفكر نير وتوازن في الرؤية، وتركزت اهتماماته في المجال الاقتصادي والمشكلات التي يعيشها العالم الإسلامي. كما أسهم بمقترحات وأفكار مثمرة نيرة، ثم عرضها ومناقشتها في الاجتماع التأسيسي للهيئة، وكان لها تأثير واضح في الصياغة التعريفية لها، كما أن له العديد من الأبحاث المنشورة في الاقتصاد الإسلامي وغيره.
من جانبه، أثنى الدكتور محمد السحيباني على جهود الدكتور محمد الشباني في الوسط الاقتصادي، وقال: إنني منذ عرفته قبل ثماني سنوات، وهو يحمل هم تطوير العمل الاقتصادي والتمويل الإسلامي وتقويم مسيرته في هذا العصر، وكان يحرص على تنسيق الجهود وتحفيز الهمم لتحقيق هذا الهدف. وقد سطر هذا الاهتمام من خلال أبحاثه ومؤلفاته التي قام بنشرها خلال مسيرته العلمية، وتوجها، يرحمه الله، بتولي دور المؤسس للهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل وتحمل عبء أمانتها العامة منذ تأسيسها إلى أن وافاه الأجل، يرحمه الله. ومن حق الدكتور محمد علينا أن نرعى هذه البذرة التي غرسها، حتى تؤتي ثمارها بإذن الله، وتكون من أثقل الأعمال في ميزان حسناته. جمعنا الله وإياه في مستقر رحمته.

إنشاء الهيئة الإسلامية للاقتصاد والتمويل

من جهته قال الدكتور يوسف الزامل عن صديق عمره الدكتور محمد الشباني، رحمه الله، إن من أبرز معالم شخصيته تحليها بالخلق العالي فقد كان، رحمه الله، مثلاً أعلى للتواضع في طبيعته، ودائماً ما يلاحظ عليه عدم ميله إلى الرسميات في معظم لقاءاته العلمية والشخصية، ويحب الصراحة كثيراً، وشخصيته دائماً ما تميل إلى الشفافية، وهو شخص منجز لعمله، وأكثر ما يميزه كثرة كتاباته وحبه الدائم للقراءة، وهو دقيق جداً من ناحية التنظيم لأوقاته ومواعيده الأسبوعية واليومية, وأيضاً لا ننسى الروح المرحة التي كان يتمتع بها رحمه الله.
ولعلي هنا أستعيد الماضي الذي شهد أول لقاء جمع بيننا وذلك قبل 20 سنة تقريبا عندما ألقى الدكتور محمد محاضرة في كلية الاقتصاد والإدارة في القصيم، ووقتها كنت عميداً للكلية في جامعة القصيم (الملك سعود سابقاً), ومن ثم تطورت العلاقة بيننا من خلال لقاء شهري في منزل الدكتور محمد للاقتصاديين, واستمرت العلاقة بيننا تتطور يوماً بعد يوم، خاصة بعد انتقالي إلى الرياض حتى وصلت للفكر الدعوي الذي كان يمتاز به الدكتور الشباني, في العمل على إنشاء الهيئة الإسلامية للاقتصاد والتمويل, وتوافق ذلك مع رغبتي أيضا، حيث قمنا بعدة زيارات للدكتور عبد الله التركي (أمين عام رابطة العالم الإسلامي) حيث أسهمت الرابطة بدور كبير في استمرار وتطوير مشروع إقامة الهيئة التي أصبحت واقعا ولله الحمد ونسأل الله للدكتور الشباني الرحمة والمغفرة وأن يسكنه الله فسيح جناته.
ويأخذ الدكتور سلمان بن صالح الدخيِّل عضو هيئة التدريس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، بأطراف الحديث حيث يقول: إني رأيت في هذا الرجل أموراً عظيمة وصفات كبيرة جعلتني أكبره وأحبه في ذات الله، لقد كانت معرفتي به منذ عدة أشهر إذ قام هو وزميله الدكتور يوسف بن عبد الله الزامل بمبادرة إنشاء الهيئة العالمية للاقتصاد والتمويل ضمن الهيئات التابعة لرابطة العالم الإسلامي وبرئاسة الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي أمين عام الرابطة، والتي نشأت قبل عام واحد في مكة، وأقول حسب أبي وليد هذا العمل الجليل والنية الطيبة والبذرة المباركة، ألا إنه قد بذر الحب وبدا صلاحه وعما قريب سيخرج ينعه بإذن الله وسيقيض الله له من يتعاهده بالسقي حتى يؤتي ثمره، لقد كانت هذه المبادرة نابعة لأهداف عظيمة ومقاصد شريفة تسهم بإذن المولى عز وجل في تشخيص وعلاج أمراض التمويل الربوي والخلل الكبير في اقتصاد المسلمين، وتسهم في التخصص العميق والبحث العلمي لإنقاذ الأمة من التبعية المفرطة لغير المسلمين فيما يتعلق بالاقتصاد وعلومه.
لقد وفق الله الفقيد لهذا العمل في آخر عمره حتى رأت الهيئة النور وعرفت هذا الرجل من خلالها وأحسبه حريصاً على إنجاحها متجرداً من أي أمر يخالف هذا الهدف محباً لكل مساهم ومشارك ومرحباً بكل متعاون، نسأل الله تعالى أن يجعله ممن كتبه عنده من الفائزين.

همه الكبير

ومن جانبه ركز عبد العزيز إبراهيم الشبانات صاحب دار عالم الكتب وابن أخ الراحل، على تناول جوانب من سيرة الدكتور محمد بن عبد الله الشباني، الذي ينتمي إلى عائلة الشبانات وينحدر من قبيلة قحطان وهو علم من أعلام الاقتصاد الإسلامي في عالمنا العربي، درس مراحله الأولى متنقلا بين روضة سدير والرياض ومكة المكرمة، أكمل دراسته الجامعية في جامعة الملك سعود في الرياض، ثم الماجستير من أمريكا وحصل على الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض. لقد مر الدكتور في مراحل سنيه الأولى كما مر بها زملاؤه من صعوبات كبيرة في تحصيلهم العلمي، وقد كان فارسنا قادراًُ على تجاوز هذه المصاعب تقوده مثابرته وحبه للعلم، لم ألتقه في مرة منذ كنت صغيراً وحتى ما قبل وفاته إلا وأجده ممسكاً بكتاب أو يتحدث عن كتاب أو يتناول موضوعاً حيوياً، ومن فرط اهتمامه بالاقتصاد الإسلامي جعل رسالته لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية الشريعة، قسم الفقه، موضوعها (بنوك تجارية بدون ربا) تناول فيها كيفية تخلص البنوك من هذا الوباء، وطبعت هذه الأطروحة باسم (بنوك تجارية بدون ربا) نجح هذا الكتاب في السوق وبين المختصين وكان أول كتاب يتناول هذا الموضوع بشكل مباشر وجريء.
وقد عكف فارسنا، رحمه الله، على تأليف الكتب في مجالات عدة، ومن أوائل كتبه (نظام الحكم والإدارة في الدولة الإسلامية) عام 1978م وطبع مرة أخرى 1411هـ.
كان همه، رحمه الله، أن يكون الاقتصاد الإسلامي هو السائد في مجتمعاتنا الإسلامية، فعمل مع مجموعة من الإخوة الاقتصاديين وعلى رأسهم الدكتور يوسف الزامل، على دعم الأنشطة الاقتصادية الإسلامية من خلال هذه الهيئة التي نأمل أن يكون لها الحظ الأوفر في تحقيق كل أهدافها حتى تكون السيادة للمؤسسات الاقتصادية الإسلامية في كل مجتمعاتنا الإسلامية، وتنعم المجتمعات الإسلامية بالرخاء الاقتصادي في ظل الأنظمة الإسلامية.
تغمد الله فقيدنا بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته وجعل كل ما عمله لهذه الأمة في موازين أعماله.

24 سنة مع الراحل

يتذكر سليمان محمود أبو فروة بداية العمل مع الدكتور محمد الشباني، رحمه الله، في عام 1983م بتاريخ 15 أيار (مايو) 1983م أي قبل نحو 24 سنة، حيث تفرغ الدكتور (رحمه الله) في تلك السنة لإعداد رسالة الدكتوراه التي كانت بعنوان (بنوك تجارية بلا ربا) وقدمت الرسالة سنة 1985م وهي رسالة خاصة بالمعاملات وأصبحت الرسالة بعد ذلك مرجعا لبعض البنوك التي تمارس العمل الإسلامي.
وكان الدكتور، رحمه الله، يهتم بالجانب الفكري كثيراً ويركز عليه ولم ينقطع عنه منذ عام 1985م, وكان يكتب عن قضايا عدة سواء قضايا اقتصادية إسلامية أو قضايا فكرية تخص الأمة بشكل عام.
وأيضا كانت له مقالات في مجلات معينة مثل "البيان" ويذكر أبو فروة أن إحدى المقالات كانت قد ظهرت قبل سنتين وقد عاودت الظهور مرة أخرى نظراً إلى أن الحاجة قد دعت لظهورها مرة أخرى, ويستطرد أبو فروة في حديثه أن الدكتور كان يرد بردود فورية على مقالات في الصحف الخارجية أو كتب من الخارج كانت تمس الدين، وكان يراسل العلماء غير المتخصصين في الجوانب الاقتصادية في البنوك التجارية ليبين لهم بعض الإشكاليات التي وقعوا فيها، ويؤكد أن الدكتور كان في قمة التواضع بملبسه ومأكله ومظهره وحتى مركبه (السيارة) التي يركبه، وكان حساسا جداً بالقضايا والأمور التي تمس الدين والعقيدة بالسوء، وحرصه على الالتزام بكل أمور دينه ودنياه وكان الصدق هو أحد أهم مبادئه, كان له، رحمه الله، باب للإحسان والصداقات في الداخل والخارج من بناء مساجد وجمعيات خيرية، وكان قمة في الخلق في تعامله مع الموظفين وقد عشت معه 24 سنة تحت إدارته، رحمه الله، ولم أسمع منه يوما كلمة نهر أو زجر فهو إنسان ذو أخلاق ومؤدب.

اهتمامات عامة

يقول الدكتور عبد الله بن سليمان الباحوث وكيل عمادة الدراسات العليا لشؤون القبول والتسجيل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عضو اللجنة العلمية للهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل، إن الجهود التي بذلها الدكتور محمد بن عبد الله الشباني، رحمه الله، في تأسيس الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل لا يمكن تجاهلها، فهو مع شقيقه الدكتور يوسف بن عبد الله الزامل يعدان من أهم الأشخاص الذين كان لهما الدور الأكبر في تأسيس وقيام هذه الهيئة، حيث كانا يعملان بجد ومثابرة ودون كلل حتى في الإجازات، كما كان لاتصالاتهما وتواصلهما مع عدد كبير من العلماء والمختصين ورجال الأعمال والمسؤولين، وعلى رأسهم الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، دور مهم في الإسراع في الموافقة على إنشاء هذه الهيئة المباركة.
وقد كان، رحمه الله، حريصاً جداً على تفعيل أنشطتها بعد قيامها وتشكيل لجانها، لإبراز جهودها وتحقيق أهدافها، حيث كان يسابق الزمن ليرى نتاج وآثار هذه الهيئة متمثلة في ندوات وملتقيات ومحاضرات وبحوث علمية؛ كما كان متحمساً جداً لذلك وكان في أحايين كثيرة يقدم تصوراته ومقترحاته للجان العاملة كي يستعجلهم في البدء في هذه البرامج، بل إن أكثر الاختلاف معه، رحمه الله، كان في حماسه الزائد واستعجاله البدء في التطبيق لعدد من المقترحات والأفكار التي تعالج القضايا المعاصرة والمستجدة.
فرحمه الله رحمة واسعة وجعل ما قدم من جهود وأعمال ومؤلفات في ميزان حسناته.