حجم التبادل التجاري بين الدول الإسلامية 8%.. ومع الغرب 92%

مأساة يؤكدها مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر: حجم التبادل التجاري بين الدول الإسلامية 8%.. ومع الغرب%92


المسلمون يستغلون 14% من مساحة أراضيهم الزراعية الخصبة مطلوب قوة اقتصادية حضارية للمساهمة في المنظومة العالمية ومنافسة القوى الغربية
حاوره ـ فاروق الدسوقي محمد:
أكد الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر والخبير الاقتصادي المعروف أن الوحدة الاقتصادية تقتضي التوحد والتكامل في السياسات الاقتصادية بين دول العالم الإسلامي، وأن الوحدة الإسلامية لن تتحقق إلا إذا سبقها تنسيق اقتصادي وتكامل تجاري بين دول تلك الوحدة.
90% من رؤوس الأموال الإسلامية تستثمر في الخارج وتقوي أركان الاقتصاد الغربي
وقال: إن الأمة الإسلامية تمتلك جميع مقومات الوحدة الاقتصادية من أراضي زراعية خصبة، وأيدي عاملة، ورؤوس أموال، ورغم ذلك لا تستغل الأمة إلا 14% فقط من مساحة أراضيها الزراعية الخصبة، كما أن 90% من رؤوس الأموال الإسلامية تستثمر في الخارج وتقوي أركان الاقتصاد الغربي.
وحذر مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر في حواره مع "العالمية" من أن هناك مؤامرة لإفشال أي عمل اقتصادي عربي إسلامي مشترك، عن طريق تفكيك العالم الإسلامي اقتصاديا وسياسيا، واستخدام العولمة الاقتصادية في السيطرة على اقتصاديات الدول الإسلامية، والتأثير في قراراتها السياسية.
وشدد على أنه مطلوب من الدول العربية والإسلامية في المرحلة الراهنة أن تتخذ لنفسها قوة اقتصادية حضارية للمساهمة في المنظومة العالمية ومنافسة القوى الغربية.
والمزيد من آرائه في نص الحوار التالي:
* يرى بعض المفكرين المعاصرين أن الوحدة الإسلامية لن تتحقق إلا من خلال بناء كيان اقتصادي إسلامي موحد يضم الدول العربية الإسلامية، وأن الوحدة المنشودة لابد وأن يسبقها توحد في الاقتصاديات أولا.. فكيف ترى أهمية بناء كيانات اقتصادية إسلامية قوية في توحد الأمة العربية والإسلامية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا؟
ـ إن الوحدة الإسلامية حلم منشود، يتمناه الكل ويسعى إليه البعض، وهي تقتضبي التوحد والتكامل في السياسات والاتجاهات بمختلف مجالاتها السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وإن كان المجال الاقتصادي أكثر فاعلية وجدوى إن تحقق له الكفاءة والنشاط.
فقد أجمع كافة الخبراء على أن الاقتصاد العامل الأول المرشح لتحقيق ذلك الحلم بعيد المنال.
كما أن اقتصاد دول العالم الإسلامي التي تزيد عن 58 دولة يمثل جزءا كبيرا من الاقتصاد العالمي، فلو أحسن استغلال اقتصاديات هذه الدول لصالح الوحدة الإسلامية لساهم ذلك بقدر كبير في تحقيق هذه الوحدة التي يتمناها الجميع.

ومقولات الوحدة الإسلامية لن تتحقق إلا إذا سبقها تنسيق اقتصادي وتكامل تجارى أولا بين دول تلك الوحدة حقيقية، وإن كان من الصعب تحقيق الإدارة السياسية الواحدة لدول العالم الإسلامي في ظل الظروف التي يمر بها عالمنا العربي والإسلامي، إلا أنه ليس من الصعب تحقيق التوحد الاقتصادي إن توفر رجاله.

تكامل تبادلي

* أشرتم في كلامكم إلى إمكانية تحقيق وحدة اقتصادية على مستوى دول العالم الإسلامي إذا ما توفر لها بعض الشروط.. فما هي مقومات نجاح تلك الوحدة؟ وهل تستغل تلك المقومات بشكل إيجابي؟

ـ إذا تحدثنا عن مقومات الوحدة الاقتصادية فلابد أن تكون هناك زيادة في جانب عند إحدى دول هذا التوحد، ونقص في جانب آخر لدى دولة أخرى من أعضاء التوحد أيضا، حتى يتكاملان بشكل تبادلي يقوم على سياسة منسقة متفق عليها بين هذه الدول، وهذا بالفعل متوفر في عالمنا العربي والإسلامي.

يضاف إلى ذلك العديد من الإمكانيات والمقومات الموجود في العالم العربي والإسلامي، والتي إذا استغلت بشكل إيجابي لتحقق الاكتفاء الذاتي دون الحاجة إلى الغير، وفي مقدمتها الأيدي العاملة، فسكان العالم الإسلامي يصلون إلى مليار و300 مليون نسمة، بتوزيع سكاني متفاوت الدرجات، فهناك دول لديها فائض في العمالة، وبالتالى معدل البطالة مرتفع، وهناك دول تعانى من نقص العمالة .. ولكننا للأسف نجدها تستوردها من دول غير إسلامية، بما تحمله من قيم ثقافية مدمرة لمجتمعاتنا، بل إن أكثر هذه العمالة المستوردة كما هو الحال بالنسبة لدول الخليج يعمل في المنازل أعمالا خدمية، فينقلون للجيل الجديد ثقافات وعادات غريبة عن الإسلام.

وثاني هذه المقومات الأرض الزراعية، فالعالم الإسلامي يشغل حوالي 20 % من مساحة العالم، وتتميز المنطقة الجغرافية له بالاتصال والترابط من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق بشكل يسهل معه عملية الانتقال من مكان إلى آخر، وهذا التنوع الجغرافي يصحبه تنوع مناخي يسمح بإنتاج وزراعة كافة السلع الزراعية وما تحتاجه الصناعات المختلفة، ولكن لا يستغل من مساحة الأراضي الزراعية بالعالم الإسلامي سوى 14% فقط، وقد يكون السبب نقص الاستثمارات أو نقص الأيدي العاملة.. فدولة السودان جميع أراضيها ذات خصوبة عالية، ولكنها لا يزرع منها سوى 10% فقط مع وفرة المياه، ولا أكون مبالغا إذا قلت أن هذه الأرض لو زرعت فإنها تحقق للعالم الإسلامي اكتفاءه الذاتي في الغذاء، بحيث نستطيع معالجة الفجوة الغذائية التي يعانى منها عالمنا الإسلامي، والتي تزيد عن 70% لأن ما ينتجه العالم الإسلامي يمثل فقط 30% من احتياجاته الغذائية.

وكذلك لدينا من المقومات 40% من احتياطي البترول العالمي موجود لدينا في الدول العربية والإسلامية، ثم تأتى رؤوس الأموال والتي تعد من أهم المقومات التي يملكها العالم الإسلامي، فلدينا أكثر من تريليون و 400 مليار دولار تستخدم في الخارج، بينما ما نتبادله داخليا لا يمثل سوى 10% بمعدل 100مليار دولار، والباقي موجود في دول الغرب يساعد اقتصادهم ويقوى أركانه، ويوفر لهم حياة الرفاهية، بينما يعانى عالمنا الإسلامي من حالة فقر حادة تكاد أن تهلكه، فلدينا إذن الإمكانيات والمقومات ولكن ينقصنا منفعتها لنا.

مأساة حقيقية

* وماذا عن التبادل التجاري بين دول العالم الإسلامي؟ وهل واقع التبادل التجاري بين دول العالم الإسلامي يطمئن إلى تحقيق هذه الوحدة؟

ـ للأسف لا، لأن الجزء الأكبر من اقتصاديات دول العالم الإسلامي يصب في نهر الاقتصاد الغربي ويقوى منابعه ويضمن استقرار أركانه وثبات موارده، لينعكس بذلك سلبا على الاقتصاد الإسلامي، فأكثر التعاملات الاقتصادية لدول العالم الإسلامي مع دول أوروبا وأمريكا، بل إن حجم التبادل التجاري بين الدول الإسلامية والدول الغربية قد يصل إلى 92% بينما حجم التبادل التجاري بين الدول الإسلامية بعضها مع البعض لا يتعدى 8%.

وقد نتعجب كثيرا عندما نرى سلعا من إنتاج العالم الإسلامي تصدر إلى دول غربية وتعود إلى دول إسلامية مرة أخرى عن طريق صادرات هذه الدول الخارجية.. وهذا هو واقع التبادل التجاري المؤسف والذي تنصب خيراته على الغير.

دراسات لم تخضع للتنفيذ

* العمل العربي المشترك بدأ من زمن ليس بقريب، بتشكيل عدة هيئات ومؤسسات اقتصادية، وكان هدفها الأول دفع العمل الاقتصادي العربي إلى الأمام.. فما هو تقييمكم لذلك؟

ـ العمل العربي المشترك موجود منذ زمن بعيد، وهو بالفعل بدأ في شكل مؤسسات بعد الحرب العالمية الثانية ونشأة جامعة الدول العربية، والتي أعدت دراسة سنة 1949لإنشاء دينار عربي وتوحيد العملة به، وبذلك كان للعالم العربي السبق في التفكير لعملة موحدة، ولكنها كانت مجرد دراسة لم تخضع للتنفيذ.

وفى عام 1964 تقرر إنشاء سوق عربية مشتركة، وأنشئت مؤسسة اقتصادية لذلك الغرض لازالت موجودة حتى الآن، بينما العمل الإسلامي المشترك بدأ سنة 1969 بعد حريق المسجد الأقصى في أول مؤتمر قمة إسلامي في الرباط بالمغرب، وتم بعده إنشاء المؤسسات التكاملية والتي مازالت تعمل مثل البنك الإسلامي للتنمية، فلدينا إذن المؤسسات التكاملية المشتركة، ولدينا نوايا طيبة، إنما لم يتحول هذا أو ذاك إلى واقع عملي يتم فيه التبادل الاقتصادي بين دول العالمين العربي والإسلامي.

مؤامرات معروفة

* ولكن..ما هي الأسباب التي تمنع قيام سوق عربي مشترك بشكل تنفيذي واقعي؟

ـ عندما تقرر إنشاء سوق عربية عام 1964، وأنشئت مؤسسة لذلك الغرض، لم يخضع ذلك لحيز التنفيذ لصعوبات عديدة وأسباب مختلفة، أولها نقص المعلومات فالتاجر المصري لا يعرف شيئا عن السوق المغربي أو السعودي أو الكويتي،كذلك الحال بالنسبة للتاجر السعودي لا يعرف شيئا عن السوق المصري وما يحتاجه وما لا يحتاجه، وبالرغم من وجود الملحقين التجاريين بالسفارات وانتشار وسائل المعلومات الحديثة، إلا أن عالمنا الإسلامي يعانى من نقص المعلومات التكاملية.

تفكيك العالم الإسلامي مؤامرة لإفشال أي عمل اقتصادي عربي إسلامي مشترك

وثاني هذه الأسباب يرجع إلى فكرة المؤامرة التي كانت ولا تزال تسيطر على اعتقاد كثير من المسئولين في الدول العربية والإسلامية الذين يفترضون أنهم لو فتحوا بلادهم للعمالة ورؤوس الأموال الإسلامية أو العربية فيمكن أن يؤثر عليهم ذلك بالسلب، وعلى استقرار النظام السياسي لبلادهم، لأن هناك من الدول العربية ما تضع معوقات لدخول العمالة العربية.
 

مطلوب قوة اقتصادية حضارية للمساهمة في المنظومة العالمية ومنافسة القوى الغربية

أما ثالث معوقات قيام سوق عربية وإسلامية مشتركة فيتمثل في الخوف من المخاطر لعدم استقرار الدول العربية سياسيا واقتصاديا، فتدفع هذه الأوضاع غير المستقرة المستثمر العربي لاستثمار أمواله بالخارج، حيث الاستقرار والأمان، وإن تبين حاليا للجميع أن المخاطر الخارجية باتت أكثر خطورة وخاصة بعد أن جمدت أمريكا رؤوس أموال عرب ومسلمين بعد أحداث الغزو فى أفغانستان والعراق، ولذلك تم إنشاء ما يسمى بمؤسسة ضمان الاستثمارات العربية لتضمن الاستثمارات العربية وتشجعها.. وكذلك من معوقات السوق العربية المشتركة ارتباط المؤسسات التجارية الوطنية بشركات أجنبية تضع العراقيل ضد هذا التكامل.

فروق كبيرة

* هناك مؤامرة لتفكيك العالم الإسلامي من خلال السعي الدؤوب لإفشال قيام أي عمل اقتصادي مشترك، سواء كان عربيا أو إسلاميا.. فهل تنقصنا الإرادة؟

ـ نعم تنقصنا الإرادة، فهناك فرق بين الرغبة والأمنية وبين الإرادة، فلدينا الرغبة والأمنية وما نحتاجه هو الإرادة، وأقصد الإرادة السياسية، فأية رغبة لا تتم إلا بناء على تعليمات سياسية، والسياسة تشكل الساند القوى للاقتصاد، كما أن الإرادة تقتضى العزم على الفعل وهذا ما يفسر لنا فشل الأسواق المشتركة ومنظمات الوحدة الاقتصادية، فالمنظمة تعمل وتتخذ قراراتها وتوصياتها ولكن لا تنفذ على أرض الواقع، فما نحتاج إليه ليس إلا إرادة حضارية وسياسية. ك

وأعتقد أن هناك مؤامرة لتفكيك وحدتنا الغائبة، فالقوى الخارجية لا تريد لنا التكامل والوحدة، ولا سيما في المجال الاقتصادي، فمنطقتنا تعتبر سوقا للسلع الأجنبية، فلو افترضنا أن أوربا وأمريكا واليابان هم القوى الاقتصادية في العالم، فمنتجاتها أكثر من حجم استهلاكها ، وبالتالي فهي بحاجة إلى تسويق الفائض منها، فنجد أن أفريقيا بفقرها لا تلبى احتياجات هذه القوى الكبرى وتمتنع دول شرق آسيا عن الاستيراد لأن ما لديها يكفيها ،فلن يبقى أمام هذه الدول الكبرى سوى منطقة الشرق الأوسط لتسويق منتجاتها، ومن ثم فإن أي تكامل عربي سينعكس أثره بالسلب على اقتصاديات تلك القوى، ولذا تقوى مساعي هذه الدول لإفشال أية سوق عربية أو إسلامية مشتركة.

أسباب عديدة

* اتفاقية الجات وعولمة الاقتصاد.. ما أثرهما على اقتصادنا العربي والإسلامي.. وهل يمكن له المنافسة فى هذا السباق العالمي؟

ـ العولمة لها ثلاثة مجالات، أخطرها المجال الاقتصادي، ويقصد بعولمة الاقتصاد تحرير التجارة الخارجية بعدم وجود قيود على التبادل التجاري بين الدول، فضلا عن حرية انتقال رؤوس الأموال وانتقال الأفراد، كما أن عولمة الاقتصاد أو الأمركة كما يقولون ذات بعد ثقافي يكشف عن هجمة ثقافية أمريكية عبر عنها "توماس فريدمان" الكاتب الأمريكي في قوله: "تريدون من الناس أن يعيشوا حياتنا ويلبسوا ملابسنا ويأكلوا أكلنا".

والعولمة الاقتصادية بهذا المعنى ذات تأثير ضار على اقتصادنا القومي العربي والإسلامي، إذا لم نحسنه سينهار أمام هذا التيار الجارف، فلو كان هناك نهر وقناة صغيرة بينهما سد، فإذا ما رفعنا هذا السد لغرقت القناة بمياه النهر، وعولمة الاقتصاد بمثابة مياه هذا النهر واقتصادنا بمثابة القناة الصغيرة التي لولا السد لغرقت وانهارت في مياه النهر.. وليس السد إلا بتحسين الإنتاج المحلى حتى يمكنه المنافسة وحتى لا نتحول إلى مجتمع استهلاكي لسلع الدول الصناعية.

كما أن هناك بعدا سياسيا آخر للعولمة الاقتصادية.. فمن يملك القدرة الاقتصادية يملك القدرة السياسية والتأثير في القرار السياسي لأية دولة أخرى، أي أن عولمة الاقتصاد تؤثر على القرار السياسي والمسيرة الحضارية، في شكل المطالبة بإلغاء ثقافات معينة معادية للدولة ذات الهيمنة الاقتصادية، فننسلخ عن هويتنا الثقافية والقومية.

التكامل قوة

* من وجهة نظركم.. كيف يمكن لنا مواجهة العولمة الاقتصادية؟

ـ لابد أن نكون أقوياء اقتصاديا وحضاريا على مستوى القوى الاقتصادية المنافسة لنا، ويكون ذلك من خلال المساهمة في المنظومة العالمية، لأنني إذا لم أكن مؤثرا سوف أكون متأثرا، ولن يأتي ذلك إلا من خلال وحدتنا الاقتصادية أولا والسياسية ثانيا ، فعالمنا الإسلامي يصنف حسب التصنيف العالمي إلى دول ذات دخل أدنى وهم 27 دولة، ودول ذات دخل متوسط وهم 27 دولة، و 4 دول فقط ذات دخل مرتفع، فلو كان هناك تكامل بين هذه الدول لزاد متوسط الدخل، ولن نستطيع أن نكون قوة مؤثرة إلا من خلال هذا التكامل.