توزيع الثروات والدخول في الاقتصاد الإسلامي

عمر عبيد حسنة

توزيع الثروات والدخول في الاقتصاد الإسلامي..

بقلم عمر عبيد حسنة
أعطى الفصل الأول من هذا الكتاب اهتماماً لمناقشة العلاقة بين الفقه والاقتصاد، وتبين أن موضوع الفقه الاقتصادي هو الأحكام الشرعية المتعلقة بأمور اقتصادية، بينما موضوع الاقتصاد ، الذي يتولد من تطبيق الفقه الاقتصادي .

أعيد التذكير بهذا التوضيح ، بين موضوع علم الفقه ، وموضوع علم الاقتصاد، ونحن بصدد البحث عن التوزيع في الإسلام، والمقصود به التوزيع الاقتصادي للثروات والدخول. ولما كان المستهدف بهذا الكتاب هو الاقتصاد الإسلامي فإن هذا الهدف يحكم البحث من حيث العناصر التي تناقش ، واتجاه المناقشة ، وكذا النتيجة المستهدفة من المناقشة .

إعمال هذا المنهج يقتضي أن يكون عرض الفقه هو لمجرد التعريف به ، والإشارة إليه ، أما ما ينبني على الفقه من اقتصاد فهو الذي يكون محل مناقشة تفصيلية، ومحل اقتراح ، ومحاولة الوصول إلى نتائج جديدة بقصد عرضها للحوار والبحث .

وعلى أسا س هذا المنهج ، أحاول في هذا الفصل الإشارة والتعرف ببعض عناصر فقه التوزيع ،أما المناقشة التي يستهدف بها التعرف على ملامح وعناصر توزيع الثروات والدخول في الإسلام باعتبار أنها من المستهدف الرئيس بهذا الكتاب ، فإنها ستعالج على نحو تفصيلي واسع .

المبحث الأول

عناصر في فقه توزيع الثروات والدخول

تمهيد:

فقه توزيع الثروات والدخول متضمناً إعادة التوزيع ، أو بعبارة أخرى الضمان الاجتماعي، هذا الفقه واسع ، بل إنه أوسع موضوعات الفقه الاقتصادي، وأقترح للتعرف على هذا الفقه أن أعرض العناصر التالية :

- بعض الموضوعات الفقهية التي تتعلق بالتوزيع .

- بعض الآراء الفقهية التي تتعلق بالتوزيع .

- بعض الأدلة الشرعية التي تتعلق بالتوزيع .

وفي حقيقة الأمر ، العناصر الثلاثة تعتبر شيئاً واحداً . بل العارف بالفقه قد لا يقر هذا المنهج ، إذ يرى أن عرض موضوعات الفقه التي تتعلق بالتوزيع يستلزم التعرف على آراء الفقهاء متضمناً ذلك الأدلة ، وأقول عن هذا :إنه صحيح ، وأيضا المنهج الذي أقترحه من عرض العناصر الثلاثة له تبريره .

عرض فقه التوزيع بكل تفصيلاته، وآراء الفقهاء فيه ، وأدلته ، ليس مقصوداً في هذا الكتاب ، وإنما المقصود هو التعرف على الاقتصاد الذي ينشئه هذا الفقه ، والعناصر الثلاثة المقترحة تساعدنا في هذا الغرض وتتلاءم معه ، فعرضنا لبعض موضوعات فقه التوزيع ، نقتصر فيه على ذكر بعض أبواب الفقه التي تتعلق بذلك ،وهذا ليس لمن يريد أن يعرف عن فقه هذا الموضوع ، أما عرض بعض الآراء الفقهية التي تتعلق بالموضوع فالهدف منه هو إبراز بعض عناصر هذا الفقه، التي تعتبر بمثابة محددات رئيسة لطبيعة الاقتصاد ، الذي ينشئه هذا الفقه . أما عرضٍ العنصر الأخير وهو بعض الأدلة التي تتعلق بفقه التوزيع فإن المقصود به أيضا التعرف على أدلة هي من المحددات الرئيسة في الموضوع . وأيضا قصدنا بعرض هذه الأدلة شيء آخر ، هو إبراز المعنى الاقتصادي الذي يتضمنه الدليل ، ذلك أن الفقهاء قد يكونون عملوا على النص الذي نذكره باعتباره دليلاً على الحكم ، أما عرضنا له فمع قصد ذلك به ، فإننا قصدنا به أيضا ، استخراج معنى اقتصادي قد يكون حديثاً يتضمنه هذا الدليل .

الفرع الأول: بعض الموضوعات الفقهية التي تتعلق بالتوزيع

أقترح للتعرف على موضوعات الفقه ، التي تتعلق بالتوزيع ، أن نحيل إلى أحد كتب الفقه، وبهذا تزداد الفائدة أكثر من التعرف بهذه الموضوعات ، وذلك بربطها بكتاب معين من كتب الفقه .

اخترت كتاب (( المغني لابن قدامة )) ، للتعريف بموضوعات الفقه ، التي تعالج التوزيع ، وقد لا نكون بحاجة لإعطاء تبرير لاختيار ابن قدامة ، فهو فقيه معروف ، وله دوره في الفقه الحنبلي ، على وجه الخصوص ، ومع هذه المسلمة إلا أني أقدم تفسيراً لاختيار كتاب المغني، هذا الكتاب هو واحد من كتب الفقه التي نجد فيها معالجة واسعة لموضوعات الفقه الاقتصادي والمالي . ولا شك أن هذا يفيدنا في الهدف الذي نستهدفه . يضاف إلى هذا أن كتاب المغني يصنف ضمن كتب الفقه المقارن ، ويعني ذلك أنه لا يحصر في أحد مذاهب الفقه المعروفة ـ مع أن ابن قدامة أحد عمد المذهب الحنبلي ـ ولاشك أن هذا البعد المقارن في الكتاب له فائدته في التعرف على موضوعات فقه التوزيع .

ومع كل ما يقال عن كتاب المغني ، وأهميته ، فإنه تلزم الإشارة إلى أنه قد تجيء في كتب الفقه الأخرى موضوعات تجئ في هذا الكتاب، وهذه يجب إدخالها عند البحث الواسع للموضوع .

الموضوعات التي تدخل في فقه توزيع الثروات والدخول وإعادة التوزيع وفق تتبع كتاب المغني هي : (1 )

1- الزكاة : وتفيد في إعادة التوزيع والضمان الاجتماعي .

2- صدقة التطوع : وتفيد إعادة التوزيع والضمان الاجتماعي .

3- الصوم ( الفدية ـ زكاة الفطر ): وتفيد في إعادة التوزيع والضمان الاجتماعي .

4- الحج ( الفدية ـ الهدي ): وتفيد في إعادة التوزيع والضمان الاجتماعي .

5- البيع: ويفيد في تنظيم الأسواق وتحديد الأثمان .

6- الربا والصرف: ويفيد في دراسة دخول عوامل الإنتاج ( رأس المال ).

7- السلم: ويفيد في دراسة دخول عوامل الإنتاج ( رأس المال ).

8- القرض: ويفيد في الضمان الاجتماعي ( القرض الحسن ) .

9- الرهن والحوالة والضمان : وتفيد في تنظيم أسواق عوامل الإنتاج .

10- الشركة: وتفيد في دراسة دخول عوامل الإنتاج ( توزيع الدخل ) .

11- الوكالة: وتفيد في دراسة دخول عوامل الإنتاج ( العمل ) .

12- المساقاة والمزارعة والإجارة: وتفيد في دراسة دخول عوامل الإنتاج (توزيع الدخول على العمل ورأس المال والأرض ).

13- الإجارات: وتفيد في دراسة دخول عوامل الإنتاج ( توزيع الدخل ).

14- إحياء الموات: وتفيد في دراسة الملكية ( توزيع الثروات ) .

15- الوقف والهبة والعطية : وتفيد في دراسة إعادة التوزيع والضمان الاجتماعي .

16- الميراث والوصية : وتفيد في دراسة الملكية وتوزيع الثروات ( كما تفيد في إعادة التوزيع والضمان الاجتماعي ) .

17- النفقة: وتفيد في دراسة إعادة التوزيع والضمان الاجتماعي ( مستوى الأسرة ) .

هذه أبواب الفقه التي جاءت بكتاب المغني ، وأرى أنه تفيد في دراسة توزيع الثروات والدخول متضمناً ذلك إعادة التوزيع ودوره في الضمان الاجتماعي .

ولا أدعي أن ما ذكر قد حصر كل ما تضمنه هذا الكتاب عن موضوعنا ، وإنما هذا ما استطعت الوصول إليه .

الفرع الثاني: بعض الآراء الفقهية التي تعلق بالتوزيع

لا أستهدف تقديم بحث واسع عن أراء الفقهاء ، وإنما أحاول تقديم بعض الآراء التي تعتبر من المحددات الرئيسة في هذا المجال ، وبالتالي تعتبر من المحددات الرئيسة التي تشكل طبيعة الاقتصاد الإسلامي في مجال توزيع الثروات والدخول ، وفيما يلي بعض هذه الآراء:

- روي عن عائشة رضى الله عنها قالت : يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ، قال : (( الملح والماء والنار )) رواه ابن ماجه ، وألحق الشافعي رضي الله عنه بذلك ما يوجد في باطن الأرض ، مما نرى منفعته مادية ، وفي متناول من يطلبها ، دون جهد منه أو عمل ، من كل معدن ظاهر ، كالذهب ، والتبر وغيرهما والنبات والماء مما لا يملكه شخص معين ، ولا يحتاج في إظهاره وإدراكه إلى مؤونة . فإن الناس جميعا يكونون في ذلك سواء ، لا يختص به أحد من الناس ، بإحياء أو إقطاع من ولي الأمر ، بل يكون شأنه شأن الماء والكلأ والنار ، والقاصد إليه شريك فيه كشركته في الماء والكلأ ، الذي ليس في ملك أحد، قال الشافعي: ومثل هذا كل عين ظاهرة ، كنفط أو قار أو كبريت أو حجارة ظاهرة في غير ملك لأحد فليس لأحد أن يحتجرها دون غيره (1 ) .

- منع المنافع العامة من أن تكون ملكاً لشخص واحد وجعلها ملكاً للدولة وحدها أمر لا شك فيه ، إذ ورد في معنى الحديث (( أن المسلمين شركاء في ثلاثة : في الماء والنار والكلأ )) ، وهذا من قبيل التمثيل للأمور التي لا يجوز احتكارها ، إذ أن حاجة جماهير الناس إليها سواء ، فلا يصح تمكين يد واحدة من الاستيلاء عليها (1 ) .

- تقدير العطاء (2 ) ( أجر الجندي ) معتبر بالكفاية حتى يستغني بها الجندي عن التماس مادة تقطعه عن حماية البيضة 0000 والكفاية من ثلاثة أوجه:

1- عدد من يعول من الذراري والمماليك .

2- عدد ما يرتبطه من الخيل والظهر .

3- الموضع الذي يحله في الغلاء والرخص .

- ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل اللهُ لكُم قياماً وارزقوهم فيها واكسُوهُم وَقُولُوا لهم قولاً معروفاً ) . [ النساء : 5 ] .

( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذُرّيّةً ضعافاً خافوا عليهم ) . [ النساء : 9 ]

من التفسيرات الدقيقة لهذه الآية ما نقل عن القرطبي، من أن مصطلح الضعيف مراد به الصغير ، وأن مصطلح السفيه الوارد في هذه الآية مراد به الكبير ، وعلى ذلك يكون تفسير الآية أنها خطاب للجماعة ممثلة في أولياء أمورها بالحجر على السفيه، الذي فقد أهليته للنيابة عن الجماعة في تثمير مالها وحيازته ، أي فقد أهليته لوظيفته الاجتماعية ، فإن استمرار تصرفه بعد السفه إفسادها لما لها من حيث ملاحظة حقها الأصلي ، وإضرار بها من حيث النظر الاقتصادي البحت ، الذي يرى أن مال الجماعة يتأثر بما ينال مال الفرد بسبب السفه والنفقة أو سوء الاستغلال (3 ) .

- ويرى الفقهاء أن المناجم والمعادن لا تملك ملكية خاصة وإنما يكون أمرها إلى الإمام (1 ) .

- إن كل مال يتحقق فيه النماء ، والشروط التي ذكرها الفقهاء ، تجب فيه الزكاة، ولو لم يكن جاء به النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . (2 ) ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وءاتى المال على حُبه ذوي القربى واليتمى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلوة وءاتى الزكوة والموفون بعهدهم إذا عهدوا وأولئك هم المتقون ) .

[ البقرة : 177 ] .

إيتاء المال الوارد في هذه الآية غير إيتاء الزكاة ، وهو ركن من أركان البر ، وواجب كالزكاة ، وذلك حيث تعرض الحاجة إلى البذل في غير وقت الزكاة (3 ).

- ( الذين ينفقون أمولهم في سيبل الله ثمّ لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولآ أذىً لهم أجرُهُم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) [ البقرة : 262 ] .

(( ينفقون أموالهم في سبيل الله )) يعني: في دينه ، قيل: أراد النفقه في الجهاد خاصة ، وقيل جميع أبواب البر ، ويدخل فيه الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن إنفاق في الجهاد على نفسه وعلى الغير ، ومن صرف المال إلى الصدقات، ومن إنفاقها في المصالح لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين الله وطريقته ، لأن كل ذلك الإنفاق في سيبل الله (4 ) .

الفرع الثالث: بعض الأدلة التي تتعلق بالتوزيع

هذا هو العنصر الثالث في العرض الذي نقدمه عن فقه التوزيع ، وفيه أقدم بعض الأدلة التي تتعلق بهذا الموضوع ، وقد سبقت الإشارة إلى أن آراء الفقهاء التي عرضت لاشك أن لها دليلها ، والأدلة التي أعرضها في هذه الفقرة مما دخل في تلك الأدلة ، إلا أنني رأيت إبراز هذه الأدلة باعتبارها من محددات هذا الفقه .

كما هدفت من إبراز هذه الأدلة : العمل على ما تتضمنه من محاور اقتصادية واضحة وقد لا تكون هذه المحاور جاءت في الفقه الذي سبق عن هذا الموضوع .

وبناء على هذا التوضيح أقدم الأدلة التالية .

- ( يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين )

[البقرة : 278 ] .

(( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه )) ( الحديد : 57 )

(( وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم )) . ( النور : 33 )

(( كلا إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى )) ( العلق : 6ـ 7 )

(( يُوصيكم الله في أولدِكم للذكرِ مثل حَظّ الأنثيين )) ( النساء : 11 ـ 12 )

(( من بعد وصية يوصى بها أو دين )) ( النساء : 11 )

- ( إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سيبل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ) [ التوبة:60 ].

( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وءاتي المال على حُبّه ذوي القربى واليتمى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلوة وءاتى الزكوة ) [البقرة : 177 ] .

- ( مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سُنبلةٍ مائةُ حبةٍ واللهُ يُضاعف لمن يشاء والله واسعٌ عليم ) [ البقرة : 261 ] .

- روي أن العباس بن عبد المطلب كان يدفع ماله مضاربة ، ويشترط أن لا يسلك به بحراً ، ولا ينزل وادياً ، ولا يشتري ذا كبد رطبة ، فإن فعل ذلك ضمن فبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فاستحسنه وأجازه . (1 ) .

- عن أبي سعيد رضي الله عنه قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره )) (2 ) .

- القراض كان في الجاهلية وكانت قريش أهل تجارة ، لا معاش لهم من غيرها ، ومنهم من لا يطيق الشغل ، فكان ذو الشغل والمرض يعطون المال مضاربة لمن يتجربه بجزء مسمى من الربح ، فأقر رسول الله صلى الله علي وسلم ذلك وعمل به المسلمون عملاً متيقناً لا خلاف فيه . (3 ) .

المبحث الثاني

نظرية توزيع الثروات والدخول في الاقتصاد الإسلامي

التوزيع في الاقتصاد الإسلامي كما يعطيه الفقه الذي عرضنا له، يتم على ثلاث مراحل :

المرحلة الأولى:

مرحلة التنظيم الأولى لتوزيع الدخول من خلال تنظيم التملك ، وهذه المرحلة نقترح تسميتها باسم توزيع الثروة . وتمثل التوزيع القاعدي. وفلسفة تكييفه على هذا النحو، تنبع من أن الإسلام في تنظيمه للتملك وضع القاعدة التي يقوم عليها التوزيع، فتنظيم التملك هو تنظيم أولي لتوزيع الثروات، ثم توزيع الدخول ، ومن هنا فإن مجموعة الأسس والمبادئ التي تحكم هذه المرحلة هي التي تؤصل القاعدة التي يقوم عليها توزيع الثروات والدخول .

المرحلة الثانية:

وفي هذه المرحلة يتم توزيع الدخول كعائد للخدمات الإنتاجية التي قدمتها عوامل الإنتاج ، وهذه المرحلة نقترح تسميتها باسم: توزيع الدخل وهو من نوع التوزيع العملي، وفلسفة، التسمية تنبع من أن التوزيع هنا يكون بناء على أعمال ومجهودات ، يبذلها الإنسان عاملاً أو مالكاً ، ويلعب السوق دوراً ظاهراً في عملية التوزيع هنا، وهكذا يكون التوزيع في هذه المرحلة مصبوغاً بالصبغة العملية . من خلال تفاعل حقيقي بين القوى الاقتصادية خلال سير العمليات الاقتصادية .

المرحلة الثالثة:

وفي هذه المرحلة نجد أن الإسلام يتدخل بمجموعة من التنظيمات لإعادة التوزيع ( دخل وثروة ) ،وذلك بقصد تحقيق التوازن بين أفراد الجماعة الإسلامية ، وتغطية احتياجات التضامن الاجتماعي ، ولذلك نقترح تسمية هذه المرحلة باسم : التوزيع التوازني .

وسنحاول فيما يلي أن نستخلص إطار التوزيع في كل مرحلة من هذه المراحل الثلاث ، وكذلك المبادئ والأصول التي تحكم التفريعات فيها، وذلك اعتماداً على الإطار الفقهي الذي سبق عرضه .

الفرع الأول: توزيع الثروة (التوزيع القاعدي)

هذه المرحلة من مراحل تنظيم التوزيع في الاقتصاد الإسلامي، تتناول بالتنظيم : الملكية، والدراسة الخاصة بالملكية ، ويرتبط بها موضوعات محددة منها :

1- القيود التي تنظم الملكية سواء القيود التي تسبق مرحلة التملك ، أو القيود التي تنظم التملك الفعلي .

2- أنواع الملكية في الاقتصاد الإسلامي .

3- وسائل اكتساب الملكية .

4- أسس استثمار الملكية .

5- الالتزامات التي ترد على الملكية .

6- التدخل في الملكية أو تحديدها في مقدارها .

وانعكاسات تنظيم الملكية على التوزيع في الاقتصاد الإسلامي ، أو بعبارة أخرى إطار التوزيع في هذه المرحلة يبدو على النحو التالي :

أولا: يقر الإسلام الملكية الخاصة ، ويعتبر إقرارها من الأصول الجوهرية للفكر الإسلامي، ولكن التشريع الإسلامي يسبق مرحلة التملك الفعلي بمجموعة من القيود التي تضع الأسس التي تنمو عليها الملكية الخاصة ، وقوام هذه العمد الارتكازية هو التربية على مبدأ (( أن المال مال الله ، والبشر مستخلفون فيه )) وهو مبدأ يربي في الفرد الذي يذهب للتملك شعوراً جماعياً ، ويغرس في نفسه أن ما في يده هو في حقيقة الأمر ليس ملكه وحده، وإنما هناك ـ اعتقاديّاً ـ شركاء آخرون ، وهناك المالك الحقيقي لهذا المال ، الذي سيضع قواعد فيما بعد لتنظيم هذه الملكيات ينبغي الالتزام بها ، ويدور مع هذا المبدأ العام مبادئ أخرى معنوية تدعوا إلى اكتساب المال ، بوسائل شرعها الدين ، والفكر الإسلامي بهذا المنحى رائد في التنظيم للتملك ، فالنظم الاقتصادية التي تقر الملكية الخاصة لا تعرف قواعد منظمة لهذه المرحلة .

ثانياً: يقر الإسلام الملكية العامة ، ونجد أن اعتراف الإسلام بها اعتراف أصيل ، وإقرار هذا النوع من الملكية له انعكاساته على عملية التوزيع . وبناء على فقه الموضوع ، فإن الملكية العامة في الإسلام تؤدي الوظائف التالية :

الوظيفة الأولى: تحقيق تنمية المجتمع وتقدمه ( بالمشاركة مع الأفراد ) .

الوظيفة الثانية: تحقيق التوازن بين أفراد الجماعة الإسلامية في الجيل الواحد ، ثم تحقيق التوازن بين الأجيال الإسلامية .

الوظيفة الثالثة: تغطية احتياجات التضامن الاجتماعي ، وذلك أحد السياسيات التي يعمل بها الإسلام على هذا الجانب في المجتمع الإسلامي .

ومن الأمور الدقيقة في تنظيم الملكية العامة في الإسلام أن هناك بعض الأموال التي لا يجوز أن تدخل الملكية الخاصة، وقد اتفق على أموال معينة تقتصر على الملكية العامة

( مثل المناجم وما في حكمها ) كما اتفق على أن المبدأ الذي يحكم تنظيم هذه الأنواع هو مصلحة الجماعة الإسلامية، وهو مبدأ يفتح الباب أمام إدخال أموال أخرى لهذا المجال .

وإمعان النظر في الأموال والنشاطات الاقتصادية التي أوقفت على الملكية العامة حتى الآن ،نجد أنها تحمل خاصيتين ظاهرتين .

أ- إنها أموال لها أهميتها في مجال الحياة الاقتصادية ، بل لها خطورتها .

ب- إنها يمكن أن تدر دخولاً كبيرة لمستغليها ، ومن هنا فإن منع الملكية الخاصة فيها يحمل حساً معيناً في مجال التوزيع .

ثالثاً: مع إقرار الملكية يتدخل الإسلام بالتنظيم في وسائل اكتسابها، ومن ذلك جعل العمل هو الوسيلة الرئيسة للتملك . وهذا قيد هام وأولي في التوزيع .

وجعل العمل هو الوسيلة الرئيسة للتملك ، مع مراعاة أن الإسلام يجعل هذا العمل بمواصفات خاصة ، هذا القيد يجعل توزيع الثروات ، والدخول يقوم على أساس موضوعي . وهناك ، بجانب العمل ، وسائل أخرى للتملك ، يعنينا منها في مجال التوزيع: الميراث والوصية : فانتقال الثروات بالميراث هو توزيع الثروات على نطاق واسع ، وبتشريع الوصية يبرز الإسلام التزام الثروات الخاصة بمواجهة التضامن الاجتماعي لأفراد في الجماعة الإسلامية ، سواء وجهت الوصية إلى أفراد معينين، أو إلى هيئات تخدم أهدافاً اجتماعية، ولعل من دقائق الحس الإسلامي في هذا المجال الاتجاه إلى منع الوصية للوارث ، وذلك كتقوية للأساس المبدئي في الميراث وهو منع تكدس الثروات ، أو بعبارة أخرى توزيعها على نطاق واسع .

رابعاً: الإسلام ينظم استثمار الملكية الخاصة بمجموعة من القواعد والقيود وهي في إطارها العام تقوم على ضرورة أن يراعى في تشغيل المال توفير احتياجات المجتمع ، وتحقيق الرفاهية والتقدم لأفراده ، كما تتناول هذه القواعد المجالات التي يسمح للملكية فيها بالاستثمار ، وكذلك طرق أو أساليب استثمار الأموال . وإذا أردنا أن نستكشف انعكاسات هذه القواعد المنظمة للاستثمار على مجال التوزيع ، نجد أن استثمار الملكية الخاصة يراعى فيه اتجاهات جماعية ، بجانب قيامه على المصلحة الفردية ، والاعتراف بهذه الاتجاهات، كما أن استهداف تغطية مثل هذه الاحتياجات ، يجعل توزيع الدخول ـ والدخل يتولد خلال عمليات الاستثمار ـ محكوم بهذين الحدين ـ الحد الجماعي والحد الفردي .

خامساً: بعد اكتساب الملكية واستثمارها يكون التساؤل عن الموقف من تدخل الجماعة في الملكية بعد أن ثبت أن لها حق التدخل فيها بقصد تنظيم استثمارها ، وهذه الفكرة هي التي تكمل أو تختم إطار التوزيع الإسلامي في هذه المرحلة من مراحل التوزيع ، وهي مرحلة التوزيع القاعدي . واستهداف التأثير في التوزيع هنا أمر ظاهر ، ومن بحثنا لهذه الفكرة رأينا أن الإسلام يقر التدخل في الملكية الخاصة ، وأن الهدف الإسلامي هنا يدور على دعامتين محددتين:

الدعامة الأولى: تحقيق التوازن بين أفراد الجماعة الإسلامية :

الدعامة الثاني: مواجهة احتياجات التضامن الاجتماعي :

أن التداخل في تحديد الملكية هو التشريع أو التنظيم الختامي لهذه المرحلة من مراحل التوزيع . وروح وإجراءات هذا التشريع ، تستهدف تحقيق التوازن بين أفراد الجماعة الإسلامية ، وبين الأجيال الإسلامية ، ومواجهة حاجات التضامن الاجتماعي في المجتمع الإسلامي .

وإذا أردنا أن نعطي تصوراً موجزاً لإطار وأبعاد مرحلة توزيع الثروة ، أي التوزيع القاعدي نجد الآتي :

1- احتمالات التفاوت ـ مجرد تفاوت ـ قائمة .

2- التدخل لتصحيح هذا التفاوت أمر مشروع .

3ـ الذين يملكون قد ملكوا في ضوء تنشئة عقيدية تجعل هذا التدخل ـ إن وقع ـ أمراً مقبولاً ومستساغا .

4- نوعية الإجراءات والتنظيمات تتجه إلى أن الملكية في خدمة الجماعة ككل من حيث تنظيم النشأة ، ومن حيث تنظيم الاكتساب ومن حيث تنظيم الاستثمار، ثم من حيث نقلها والتدخل فيها ، بل ومن حيث استخدامها واستعمالها .

5- من واقع ومن خلال الحس الاجتماعي للملكية ، يتجه الإسلام إلى كسر حدة التفاوت في هذه المرحلة من مراحل تنظيم التوزيع في الاقتصاد الإسلامي .

6- إن التنظيم الإسلامي يرشد إلى أن الملكية الخاصة تتحمل مسئوليات تحقيق الكفاية لكل فرد في الجماعة الإسلامية ، حتى في مرحلة اكتساب الملكية ، إلا أن إجراءات تحقيق الكفاية ، أو بعبارة أخص تحقيق الضمان الاجتماعي يجيء في مرحلة تالية من مراحل تنظيم التوزيع في الاقتصاد الإسلامي .

الفرع الثاني: توزيع الدخل ( توزيع السوق )

العنصر الأول: تحديد عوامل الإنتاج .

العنصر الثاني: الأسس والقواعد التي تنظم نشاط عوامل الإنتاج .

العنصر الثالث: تحديد دخول عوامل الإنتاج .

العنصر الأول: الفقه الذي سبق تقديمه يثبت أن هناك محوري ارتكاز يقوم عليهما التفكير الإسلامي لاختيار عوامل الإنتاج ثم تصنيفها وهما:

المحور الأول: عوامل الإنتاج ، بمعنى: ما هي ؟

المحور الثاني: تصنيف هذه العوامل .

المحور الأول: عوامل الإنتاج في الفكر الإسلامي:

يتبين من النظرة الاقتصادية لفقه هذا الموضوع أن عوامل الإنتاج في الفكر الإسلامي ثلاثة

1- العمل .

2- رأس المال .

3- الأرض .

هذه العوامل الثلاثة هي مركز القوى في النشاط الاقتصادي التي يعترف بها الإسلام بحيث تحرك الإنتاج ، ثم تستحق نصيباً أو جزءاً من الناتج .

المحور الثاني: تصنيف هذه العوامل:

فلسفة الفكر الإسلامي لا تقف عند مرحلة اختيار عوامل الإنتاج ، وإنما يمد الإسلام موقفه إلى مرحلة جديدة ، وهي مرحلة التصنيف المنهجي لعوامل الإنتاج وفي هذه المرحلة ، فإن الإسلام لا يجعل هذه العوامل على درجة واحدة، وإنما يجعلها على درجات متفاوتة، ويجعل العمل في أعلى هذه الدرجات ، وفكرة تعدد الدرجات، هي إسلامية رائدة وينبغي أن تفهم في ضوء ما يلي:

أ - إننا إذا كنا نقول: إن هيكل الاقتصاد الإسلامي يقوم على عوامل الإنتاج الثلاثة السابقة فإن من صميم بناء هذا الهيكل ، أن هذه العوامل تقع على درجات متفاوتة ، ففكرة التفاوت، وتعدد الدرجات ليست مسألة متعلقة بالشكل، وإنما مسألة داخلة في صميم وجوهر هذا البناء .

ب - إن فكرة عوامل الإنتاج المتعددة الدرجات تفهم في مواجهة التقسيمات الاقتصادية المعاصرة لعوامل الإنتاج على النحو التالي :

إن الرأسمالية ـ فيما انتهت إليه ـ تقسم عوامل الإنتاج إلى عمل ورأس مال ، وتجعل الأرض ضمن عنصر رأس المال ، والتنظيم ضمن عنصر العمل ، وتجعلها على درجة واحدة ، وتعاملهما من حيث توزيع الناتج ، وشكل المشاركة، ونوعية القواعد والقيود المنظمة ـ إن وجدت ـ معاملة واحدة ، وفي مقابلة الاقتصاد الإسلامي بذلك ، نجد أن الإسلام يعترف بهذه العوامل ، ولكن يذهب سريعاً إلى الاختلاف بعد ذلك من حيث النظرة إلى عنصر العمل حيث يجعله أعلى درجة ، وهذا هو التصنيف المنهجي .

العنصر الثاني: الأسس والقواعد التي تنظم نشاط الإنتاج

هذا هو البعد الثاني في مرحلة توزيع الدخل ( توزيع السوق ) وفي حقيقة الأمر فإن محتويات هذا البعد هي التي قام على أساسها التصنيف المنهجي لعوامل الإنتاج ، وهو المحور الثاني في البعد السابق ، ولكن نظراً لأهمية النتائج التي تترتب على نوعية هذه الأسس والقواعد في مجال التوزيع وأفردنا لها بعداً مستقلاً في وضع الإطار العام لتوزيع الدخل توزيعاً عمليّاً . وفقه هذا الموضوع يتناول ثلاثة جوانب هي :

1- توزيع الناتج بين عوامل الإنتاج التي اشتركت فيه .

2- شكل وأسلوب المشاركة بين عوالم الإنتاج .

3- اتجاه القواعد والأسس التي تحكم استغلال العوامل في النشاط الاقتصادي .

النتائج التي يعطيها فقه هذه الجوانب الثلاثة هي :

1- توزيع الناتج بين عوامل الإنتاج:

إن الإسلام يقوم على أساس أن عوامل الإنتاج الثلاثة جميعاً تحصل على نصيب في الناتج الذي يتولد من النشاط الاقتصادي . ولكن تحليل الاتجاهات التوزيعية بناء على فقه هذا الموضوع يثبت أن العمل هو المحور الارتكازي في عملية التوزيع .

2- شكل وأسلوب المشاركة بين عوامل الإنتاج:

ونعني بهذا الاصطلاح : الأسلوب الذي ينظم العلاقة القانونية بين ملاك عوامل الإنتاج في النشاط الاقتصادي بعبارة أخرى : تحديد الشكل الذي يستحق به كل عامل نصيبه في الناتج ، وينحصر في شكلين أو أسلوبين :

1- المشاركة في الأرباح .

2- أخذ مقابل نقدي محدد .

النتائج التي يعطيها الفقه في هذا المجال هي:

أ- بالنسبة للعمل : أجاز له الإسلام أن يكون أسلوب مشاركته بأي شكل من الأشكال القانونية المعترف بها لتنظيم العلاقة بين المشتركين في النشاط الاقتصادي.

ب- بالنسبة لرأس المال : ليس له إلا أن يشارك في الناتج .

جـ- بالنسبة للأرض : أسلوب مشاركتها ، أو بعبارة ، أصح أسلوب العمل عليها يخضع لمصلحة الجماعة الإسلامية ، فيتحدد وفق ما يكون مناسباً لظروف المجتمع . ( إجارة ـ مزارعة ) .

والاتجاهات التوزيعية بالنسبة لهذا البند كله ، مازالت تعبر عن وجهة نظر الفكر الإسلامي التي سبقت ، وهي أن عوامل الإنتاج جميعها تشارك في الناتج ، ولكن العمل مازال يحتل مركزاً خاصاً في عملية التوزيع .

3- اتجاهات القواعد والقيود التي تحكم استغلال العوامل في النشاط الاقتصادي:

فقه هذا الموضوع يتضمن ثلاثة عناصر اقتصادية:

1- دفع جميع عوامل الإنتاج إلى العمل .

2- نطاق أو مجال النشاط أمام عوامل الإنتاج .

3- نوعية القيود المنظمة لنشاط العوامل .

والنتائج الاقتصادية التي يعطيها فقه هذه العناصر هي:

2- الإسلام يفرض ـ بمعنى الإلزام ـ على جميع عوامل الإنتاج أن تعمل في خدمة المجتمع .

2- أما من حيث نطاق أو مجال النشاط أمام عوامل الإنتاج . فالفكر الإسلامي يقوم على أساس إعطاء أكبر انطلاقة ممكنة أمام عنصر العمل في النشاط الاقتصادي ، أما بالنسبة لرأس المال فلا تتوافر هذه الانطلاقة بكل أبعادها وأما عنصر الأرض ، فهو لا يحتمل مثل هذه القيود ، لأنه مفتوح للنشاط الاقتصادي أمام العمل ، ورأس المال ، ولذا فالقيود فيه تكون قيوداً على رأس المال والعمل .

3- أما من حيث نوعية القيود المنظمة لنشاط العوامل فإن فقه هذا الموضوع يعطي التصورات الاقتصادية التالية :

أ- اتجاهات القيود على عنصر العمل مما نطلق عليه قيوداً إيجابية بصفة عامة .

ب- بالنسبة لرأس المال ، فبجانب وجود اتجاهات إيجابية في تنظيمه نجد كذلك أنه يرد عليه اتجاهات سلبية، مثل منع الربا، والاحتكار، أما الأرض فملاحظة البند السابق تنطبق عليها هنا .

وهكذا نجد بالنسبة لهذا الجانب الثالث أنه يتضمن اتجاهاً محدداً في التوزيع ، وهو يتفق مع ما سبق ، في أن عوامل الإنتاج كلها لها اعتبارها في عملية التوزيع ، وأن العمل يمثل موقعا خاصا فيها .

العنصر الثالث: تحديد دخول عوامل الإنتاج:

هذا هو البعد الثالث في مرحلة توزيع الدخل ، وفيه يبحث كيف يتحدد العائد على عوامل الإنتاج الثلاثة : العمل ـ رأس المال ـ الأرض ، وفقه هذا الموضوع يعطي النتيجة الاقتصادية التالية :

إن دخل عامل الإنتاج يتحدد في الفكر الإسلامي على ثلاث مراحل :

أولا : وضع قواعد أولية تسبق التحديد الفعلي للعائد في السوق .

ثانيا : تحديد العائد في السوق .

ثالثا : وضع قواعد تصحيحية لقوى السوق .

أولا: وضع قواعد أولية تسبق التحديد الفعلي للدخل في السوق:

إن الإسلام يضع مجموعة من القواعد التي تعطي انعكاسات على تحديد الدخل ، أو تكون بمثابة محددات أو مؤشرات لتحديده ، ولكن هذه القواعد تختلف من عامل لآخر .

ففيما يتعلق بتحديد الأجر ، فالقواعد التي تسبق دور السوق ، من القواعد المحددة ـ إلى حد ما في مجال مقدار الأجر الأولي ، فهذه القواعد تضع شرطاً أو قيدا على ما يتحدد في السوق فيما بعد ، وهو أن يكون الأجر بالنسبة للعامل مقدراً بالكفاية ، أي يكفي العامل .

أما فيما يتعلق بالعوامل الأخرى ، فإن القواعد التي تسبق مرحلة التحديد الفعلي في السوق هي من قبيل القواعد التي تؤصل للمبادئ العامة ، والقيم الكلية ، أكثر منها مبادئ تحديد الدخل على عامل الإنتاج .

ثانيا: تحديد الدخل في السوق:

إن الفكر الإسلامي يقوم على أساس أن يتم التحديد الفعلي لدخل عوامل الإنتاج في السوق ، أي أن تتفاعل قوى العرض وقوى الطلب ، بعد إعمال القواعد المذكورة في البند أولا .

ثالثا: وضع قواعد تصحيحية لقوى السوق:

إن الإسلام لا يجعل نتائج السوق نتائج نهائية وقاطعة في تحديد الأجر، وإنما يعقب هذه المرحلة بمجموعة من القواعد التصحيحية لنتائج السوق ، وهذه القواعد تكون بمثابة عملية تقويم لنتائج السوق ، وفي الوقت نفسه تعمل على أن يكون تحديد العائد وفق المبدأ الإسلامي العام وهو العدل ، الذي يقوم على أساس مراعاة مصلحة طرفي التعامل والتوفيق بينهما .

وهكذا نجد أن الفكر الإسلامي ، في تحديد دخول عوامل الإنتاج ، يتم وفق هذه الخطوات الثلاث ، ولكن هناك مسائل محددة تثار في الفكر الاقتصادي المعاصر بخصوص دخول عوامل الإنتاج، وأعرض فيما يلي الرأي الإسلامي حول بعضها:

(أ) دور العمل في تحديد القيمة:

النتيجة التي يعطيها البحث في هذه المسألة ، أن الفكر الإسلامي يقوم على أساس الأخذ في الاعتبار مصلحة طرفي التعامل ، البائع والمشتري ، أو المنتج والمستهلك ، وعليه فتفسير القيم بالعمل فقط كما ذهب إلى ذلك الاقتصاد الوضعي لا يتفق مع هذا الموقف .

( ب ) حدود المخاطر كما يراها الفكر الإسلامي:

النتيجة التي يعطيها البحث بصدد ذلك ، هي أن فكرة الخاطرة التي يربطها الفكر الاقتصادي المعاصر بالمنظم ينبغي أن تقيد من وجهة نظر الفكر الإسلامي ، فهي مخاطرة محسوبة ومقدرة بمعرفة كل من العامل ، وصاحب رأس مال ، وأن تعاقدهما تم في اطار هذه المخاطرة ، وليست المخاطرة من اختصاص العامل فقط، كما ذهب إلى ذلك الفكر الاقتصادي الرأسمالي .

(جـ) سبب استحقاق رأس المال دخلاً:

إن سبب استحقاق رأس المال عائداً ليس هو الحرمان أو الانتظار ، كما ذهب إلى ذلك الفكر الاقتصادي الرأسمالي ، وإنما يستحق رأس المال عائداً في الإسلام لأن له إنتاجه ، ولهذا يكون من حقه أن يأخذ جزءاً مما شارك في إنتاجه ، فالإسلام يحرم الربا لأنه غير منظور فيه الإنتاج ، ويجيز المشاركة لأنه يراعى فيها الإنتاج .

(د) الجانب الاجتماعي والسياسي في استغلال الأرض:

إن الأرض كأحد عوامل الإنتاج لها انعكاساتها على الأوضاع السياسية والاجتماعية بأوضح مما في غيرها ، كما أن لها أهميتها من حيث نوع إنتاجها ، ولذا فإن أسلوب استغلال الأرض يتحدد حسب مصلحة الجماعة الإسلامية ، أي يراعى في تحديد أسلوب استغلال الأرض، الاعتبارات السياسية والاجتماعية بجانب الاعتبارات الاقتصادية وذلك بأوضح مما روعي في غير هذا العامل .

(هـ) حق ولي الأمر في الدخل في الأسواق:

الإسلام أعطى لولي الأمر الحق في التدخل لتنظيم الأسواق ، سواء أسواق السلع الاستهلاكية ، أو أسواق عوامل الإنتاج ، ومن وسائل التدخل :

التسعير ، منع الاحتكار ، تنظيم نشاط عوامل الإنتاج ، التدخل في تعديل نتائج قوى السوق من حيث تحديد العائد .

وإذا أردنا أن نعطي تصوراً موجزاً لملامح وأبعاد مرحلة توزيع الدخل ( توزيع السوق ) في الفكر الاقتصادي الإسلامي ، نجدها تتلخص فيما يلي :

1- مراكز القوى الاقتصادية للإنتاج والتوزيع هي : العمل ، رأس المال ، الأرض .

2- يمثل العمل العصب بالنسبة لهذه العوامل .

3- السوق يلعب دوراً ظاهراً في هذه المرحلة من مراحل التوزيع ، ولكن هناك مجموعة من القواعد والقيود السابقة عليه، التي تحكم اتجاهاته ، كما أن هناك مجموعة من القواعد التي تصحح نتائجه .

4- مع الاعتراف بالسوق ودوره في هذه المرحلة ـ باعتباره يمثل المصلحة الفردية ـ فإن مصلحة الجماعة موجودة في كل جزئيات هذا التنظيم .

5- يذهب الفكر الاقتصادي إلى تسمية هذه المرحلة باسم التوزيع الوظيفي ، والتبرير لهذه التسمية ، هو أن التوزيع هنا يكون بحسب الوظيفة التي يؤديها العامل الإنتاجي ، ولكن الإسلام لا يتحدد موقفه من داخل عامل الإنتاج بحسب وظيفته التي يؤديها فحسب، وإنما بجانب ذلك ، بحسب تقويم المجتمع لهذه الوظيفة ، ولهذا العامل ، ومن كان السبب لاستخدامنا مصطلح : (( توزيع الدخل )) وليس التوزيع الوظيفي .

الفرع الثالث: التوزيع التوازني

هذه هي المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل التوزيع في الاقتصاد الإسلامي . ومن حيث وضع تسمية لهذه المرحلة ، فإن نوعية الإجراء الذي ينظمه الإسلام هنا يهدف إلى تحقيق التوازن بين أفراد الجماعة الإسلامية، ومسؤولية الدولة باعتبارها ممثلة للجماعة الإسلامية من جانب آخر ، يمكن في ضوء هذا التصور أن يكون الاسم الذي تحمله هذه المرحلة هو التوزيع الكفائي ، أو التوزيع التضامني ، ولكن فضلنا التسمية بالتوزيع على أساس :

* إن المجتمع الإسلامي قد لا يملك كل ما يكفيه ـ بمفهوم الكفاية ـ ولهذا يكون التوزيع المستهدف إسلامياً هو التوازن في حدود ما هو متاح من الموارد .

* إن المجتمع الإسلامي قد يملك موارد واسعة ، وعلى أساس هذه الملكية الواسعة يكون المطلوب من التوزيع هو: توازن بين أفراد الجماعة الإسلامية، وليس مجرد توفير حد الكفاية .

* ثم إن التوازن يتضمن معنى القصد فيه ، بمعنى أنه لا يحقق نفسه ، وإنما يحقق بالقصد من الأفراد ، أو السلطة الممثلة للمجتمع ، ولهذا يكون فيه معنى التضامن.

واهم البنود التي يهمنا عرضها هنا لبيان وملامح هذه المرحلة هي :

أولا: الموضوعات تخدم هذه المرحلة وأهم ملامحها:

(أ ) الزكاة:

إن هذه الفريضة الإسلامية الإجراء الأولي لمواجهة الاختلال في الجماعة الإسلامية ، وأنه يتحقق فيها شروط الشمول فيمن تجب عليه وفيمن تجب له ممن يكون مستحقا لها وفيما تجب فيه ، وأن الهدف من الزكاة هو : توفير حد الكفاية لكل فرد في الجماعة ، ولكنها بسبب ظروف ما قد لا تستطيع توفير أو تأدية هذا الغرض ، ولهذا تكمل بإجراءات أخرى .

(ب ) موارد ذات طبيعة خاصة:

وتشمل النفقات ، والوقف ، والموارد الأخرى المماثلة ، وزكاة الفطر، والأضحية ، والكفارات والنذور. وأهم الاتجاهات التي يهمنا تسجيلها هنا بخصوص هذه الموارد هي :

1- إن مسؤولية مواجهة التضامن الاجتماعي تبدأ من اللبنة الأولى وهي الأسرة .

2- إن الوقف يتضمن موارد دائمة لمواجهة التضامن الاجتماعي .

3- المنحى الفلسفي لموقف الإسلام من تشريع كفارات مالية ، تكفيراً عن بعض التصرفات الخاطئة دينياً هو منحى متميز ومتفرد ، إذ يجعل علاج بعض الأخطاء هو التكفير عنها ببذل مال ، ووضعه في خدمة التضامن الاجتماعي للجماعة الإسلامية .

4- إن هناك مناسبات معينة ، ترتفع فيها الضرورة إلى سد حاجة المحتاج ، ومن هنا شرع الإسلام موارد خاصة لهذه المناسبات ( زكاة الفطر ) .

( جـ ) صدقة التطوع:

وأهم ما يعنينا منها أنها لمواجهة الطوارئ في الجماعة الإسلامية ، وأنها تستهدف تكملة المرحلة السابقة . ونؤكد على أن أهم ما فيها :

1- إنها لا تعني القعود عن العمل .

2- إنها تعطي الفرصة لإظهار ذاتية المؤمن الخيرة .

3- إنها لا تمس جوهر التشريع القائم على مواجهة التضامن الاجتماعي بإجراءات منظمة، ومن قبل سلطة محددة ، وليس بإجراءات تنبني على التعميم .

(د) التوظيف:

وأهم ما فيه أنه إجراء لمواجهة ظروف غير عادية ، وأنه يشمل الجانبين اللذين تدور حولهما الالتزامات المالية ، وإجراءات إعادة التوزيع وهما :

1- جانب المصالح العامة .

2- جانب الضمان الاجتماعي .

ثانيا: خطوات التوزيع التوازني:

الإسلام يعمل للوصول إلى التوزيع التوازني على ثلاث خطوات أو مستويات معينة.

1- المستوى الأول: إلزامي:

ويتضمن مجموعة من الالتزامات المالية ، التي يلزم بها من يملكون في قبل من لا يملكون . ويهدف الإسلام من خلال هذا المستوى : أن يضمن عن طريق الإلزام مواجهة التضامن الاجتماعي بين أفراد الجماعة الإسلامية ، ويتوقع من خلال إجراءات هذه المرحلة أن يكون قد تم مواجهة التضامن الاجتماعي .

ويجيء في هذه المرحلة : الزكاة ـ الموارد الأخرى ذات الطبيعة الخاصة .

(ت ) المستوى الثاني: اختياري:

وهذه الخطوة تجيء كمكملة للخطوة السابقة ، وأنها تجيء لسد حاجات لأفراد الجماعة الإسلامية طارئة أو لم تغطها المرحلة الأولى . ومادامت هذه المرحلة مكملة والتكميل يصعب معه تقدير مدى ما يلزم لمواجهته جاء التشريع الإسلامي في هذا الصدد على أساس أن يكون هذا المستوى اختياريّاً ، ويجيء هنا صدقة التطوع .

(جـ) المستوى الثالث إلزامي :

وتجيء هذه الخطوة بمثابة المواجهة الأخير للتضامن الاجتماعي ، ولإعادة التوازن إلى الجماعة الإسلامية ، وذلك حين تعجز المرحلتين السابقتين عن المواجهة الحاسمة ، والنهائية في هذا الصدد ، ولم يكن من المتصور تنظيمياً أن تكون هذه المواجهة الأخيرة إلا بإجراءات إلزامية ، بعد أن عجز الاختيار عن العلاج النهائي ، ويجيء في هذه المرحلة التوظيف .

ثالثا: عناصر ريادة في التوزيع التوازني:

من النظر إلى التشريعات التي ينظم بها الإسلام مرحلة التوزيع التوازني نجد أن هناك بعض الاتجاهات التي تستحق إبرازها بصورة مركزة وقوية ، وباعتبارها عناصر تفوق وريادة في الإسلام.

1- اتجاهات رائدة فيمن يشملهم الضمان الاجتماعي في الإسلام .

إن أهم الاتجاهات الرائدة لتشريعات الضمان الاجتماعي في الإسلام ، أنه يمدّه بحيث يشمل فئات ليس المعهود ـ في النظم الوضعية ـ تغطية احتياجاتها ومنها:

أ- المدين: إن الإسلام يمد الضمان الاجتماعي ليشمل المدينين ، الذين استدانوا لمصلحة عامة كالصلح بين المؤمنين ، أو لمصلحة خاصة . والإسلام يهدف بهذا إلى أمور محددة .

- أن ينمي رابطة التعاون بين أفراد الجماعة الإسلامية ، وألا يخاف أحدهم من مد يد المعونة بإقراضه ، فالمجتمع ، ممثلاً في الزكاة ، ضامن أخير عند العجز.

- أن ينقذ من يهدد بالعجز عن ممارسة دوره الإنتاجي بسبب مديونيته (المشروعة ) .

- تشجيع المسلمين أن يسعى كل منهم للقضاء على الخصومات بين المتنازعين وهو أهم الاتجاهات ، حتى ولو أدى ذلك أن يغرم ، فالمجتمع ممثلا في الزكاة سيعوضه عن غرمه، ولو كان غير محتاج .

ب- ابن السبيل: وهو المسافر الذي نفدت أمواله . والسفر المشروع له صور كثيرة ، فيعطي بمقدار ما يسد حاجته ، والتشريع الإسلامي بهذا الاتجاه يستهدف تحقيق قيماً سلوكية داخل الجماعة الإسلامية .

جـ- الرقيق: وإذا كان غير موجود الآن، فيمكن تحقيق هدف البند ـ وهو المساعدة في التخلص من الاستغلال ـ بمساعدة المسلمين الواقع عليهم استغلال للتخلص منه .

2- اتجاهات رائدة في موارد الضمان الاجتماعي في الإسلام:

ضمن موارد الضمان الاجتماعي: الكفارات ، ويعني ذلك أن الإسلام يجعل الخطأ يكفر عنه عمل خير موجه للمجتمع ، ويتمثل هذا العمل الخير في تغطية بعض حاجات الضمان الاجتماعي ، وذلك بإخراج كفارات مالية عن هذا الخطأ . وهذا منحى متميز وممتاز ، وأهميته لا تتمثل في مقدار ما يوفر من موارد للضمان الاجتماعي ، وإنما تكمن أهميته الحقيقية في المعنى الذي يهدف إليه والقيم التي يغرسها ويربيها في نفس المؤمن ، من حيث دوره في الجماعة الإسلامية ، ومسؤوليته عن توفير احتياجاتها حتى أن الله يغفر له خطأه إذا اشترك في تغطية هذه الاحتياجات .

3-اتجاهات رائدة في المجال النفسي في تشريعات التوزيع التوازني:

ضمن مراحل التوزيع ، مرحلة سميت بالمرحلة الاختيارية ، وهي التي تظهر فيها صدقة التطوع لمواجهة الضمان الاجتماعي ، وكان ضمن التفسيرات التي قدمت لتوضيح هذا المنحى الفكري هو أن هذه المرحلة مقصود بها مواجهة ظروف استثنائية ، أو ظروف تكميلية عند عجز الموارد السابقة عن تغطية الضمان الاجتماعي ، فجعل الإسلام التشريع هنا يختبر ذاتية المؤمن ، ومدى تقديره لمسؤوليته الجماعية .

ولكن بجانب ذلك ، فإن هذا المنحى الفكري يشير إلى اتجاهات في النفس الإنسانية من حيث حبها أن تعطي ، حتى يتحقق الإشباع لهذا الجانب النفسي في الإنسان . وأيضا إن جعل هذه المرحلة اختيارية ، يتوافق مع ضجر النفس الإنسانية من الإلزام ، حتى ولو كان في الخير ، ولم يكن مستساغا أن يترك الأمر كلية للنفس الإنسانية ، بحيث تعطي إشباعها في هذا المجال ، ولكن في الوقت نفسه ، لم يكن يحتمل أن تحرم كلية من هذا الاختيار ، فأعطى الإسلام لها القدر الممكن واللازم لإشباع هذا الجانب في النفس الإنسانية .

ملاحظة ختامية :

المراحل التي قدمت لعملية التوزيع في الفكر الإسلامي هي مجرد تصنيف لخطوات التوزيع ، وليست إجراءات ، أو عمليات كل منها مستقلة ومنفصلة عن الأخرى ، ولقد رأينا أن كل مرحلة من هذه المراحل تتضمن مجموعة من الإجراءات التي تحقق أو تقوم بالتوزيع فيها . وما نؤكده بالنسبة لهذه الإجراءات : أنه في مجموعها ككل تخدم هدف التوزيع في الإسلام ككل ، وليست إجراءات منفصلة ، بمعنى أن كل إجراء أو أكثر يخدم مرحلة من المراحل فحسب، وإنما نجد أن هذه الإجراءات وما فيها من اتجاهات ، وتأثيرات ، تكمل بعضها ، كما أن القول بهذه المراحل لا يعني ترتيباً لسياسات الدولة الإسلامية في موضوع التوزيع، وإنما تعمل كلها معاً أو بعضها وفق ما تقتضيه مصلحة الجماعة الإسلامية