الشبكة الإسلامية وحوار في الاقتصاد مع د.عبد الحليم عمر

كمال حبيب

الشبكة الإسلامية وحوار في الاقتصاد مع د.عبد الحليم عمر 

 

حاوره كمال حبيب

- إحياء سنة الوقف لإنشاء مشروعات تستوعب العاطلين
- إصلاح الجهاز المصرفي بإحلال المشاركة محل الفائدة الربوية
- استبعاد تعاليم الإسلام سبب تعثر برامج التنمية
- جمع الزكاة على مستوى العالم الإسلامي كفيل بعلاج مشكلة الفقر

القاهرة:
أثار تقرير (التنمية الإنسانية) الذي أصدرته الأمم المتحدة لعام 2001م حول أوضاع المنطقة العربية ردود فعل عديدة في أوساط السياسيين والاقتصاديين وخبراء الاجتماع بسبب الحقائق والمعلومات التي كشفت عن التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه الكثير من البلدان العربية رغم مرور ما يقرب من نصف قرن على التحرر من الاستعمار (الاستخراب) الأوروبي الذي كان جاثما على صدور الشعوب العربية .
وفي مقابلة مع الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر طرحنا عليه التساؤلات التي أثارها تقرير الأمم المتحدة حول أسباب تعثر برامج التنمية في المنطقة العربية وتزايد معدلات الفقر والبطالة وتدني مستويات المعيشة وحول الرؤية الإسلامية لعلاج تلك الأزمات الاقتصادية وانتشال الأمة مما هي فيه من ضعف وركود .

فشل خطط التنمية الغربية:
لماذا تعثرت خطط التنمية التي طبقتها البلدان العربية والإسلامية ولم تحقق أهدافها على مدى النصف قرن المنصرم؟
ـ هناك أسباب عديدة لتعثر خطط التنمية في بلدان العالم العربي والإسلامي في مقدمتها أنها تبنت نماذج للتنمية مستوردة تارة من الشرق الاشتراكي وتارة أخرى من الغرب الرأسمالي ولم تطبق الاقتصاد الإسلامي وبالتالي انصرف عنها الناس ولم يتجاوبوا معها ، إلى جانب أن تلك الخطط قامت على أساليب تمويل تعتمد على الربا المحرم سواء من البنوك المحلية أو البنوك الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين .
وقد استهلكت القروض الربوية وفوائدها الباهظة عوائد التنمية وأرهقت ميزانيات الدول العربية والإسلامية مما أثر بالسلب على برامج التنمية، والعلاج هو سرعة العودة إلى تعاليم الإسلام لتكون هي الحاكمة للنشاط الاقتصادي وبرامج التنمية وإلغاء التعامل بالفوائد البنكية الربوية واستخدام وسائل التمويل الإسلامية لمشروعات التنمية.
أشار (تقرير (التنمية الإنسانية) إلى تزايد معدلات الفقر وتدني الإنتاجية في معظم البلدان العربية فما هو الحل الإسلامي لمشكلة الفقر؟
ـ أغلب المناطق الأكثر فقرا تقع في العالمين العربي والإسلامي وذلك نتيجة فشل برامج التنمية في تحقيق أهدافها وعلاج مشكلة الفقر إسلاميا يقوم على تفعيل دور الزكاة بإنشاء مؤسسة للزكاة تعمل بعيدا عن سيطرة الدولة وتقوم هذه المؤسسة بجمع الزكوات على مستوى الدولة أو القطر وإنفاقها في مصارفها الشرعية .
وكان مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر قدم مقترحا بمشروع قانون للزكاة بهدف تحسين أسلوب تجميعها وإنفاقها ، وهناك فكرة طرحت على وزراء أوقاف الدول الإسلامية الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي بإنشاء مؤسسة عالمية للزكاة تضم البلدان الإسلامية المختلفة بهدف علاج مشكلة الفقر على مستوى العالم الإسلامي، ومن شأن التوسع في إنشاء البنوك الإسلامية تحقيق التكافل الإسلامي بتقديم القروض الحسنة لإقامة مشاريع إنتاجية وتقديم المساعدات النقدية والاجتماعية لمحاصرة الفقر.

الاقتصاد الإسلامي يعالج الأزمات المعاصرة:
العلمانيون يشككون في وجود ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي ويزعمون أن الاقتصاد علم لا دين له فما هو ردك على هذه المزاعم؟
ـ الاقتصاد الإسلامي علم له أصول وقواعد منهجية وهو اقتصاد يتميز عن غيره من أنواع الاقتصاد بأنه اقتصاد رباني يلتزم بضوابط الشريعة الإسلامية وهو يختلف عن الاقتصاد الاشتراكي والاقتصاد الرأسمالي وقد بدأ علماء الاقتصاد في الغرب المطالبة بضرورة ربط الاقتصاد بالأخلاق والقضاء على الفائدة الربوية التي تعتبر من أهم أسس الاقتصاد الرأسمالي. وقد سبق الإسلام كل هؤلاء العلماء بأن جعل الشريعة الإسلامية هي الحاكمة للنشاط الاقتصادي وطالب منذ 1500 عام بإلغاء الربا التي اكتشف علماء الغرب مؤخرا أنه السبب في الكساد والتضخم وارتفاع الأسعار .
وقد عقدنا ندوة موسعة على عدة حلقات شارك فيها عدد كبير من رجال الاقتصاد المصريين ممن ينتمون لمدارس فكرية متباينة ومن المتحمسين للفكر الاقتصادي الليبرالي وبعد نهاية حلقات النقاش اقتنعوا بأن هناك ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي وأنه علم يتميز عن سائر المدارس الاقتصادية الوضعية المطبقة في الشرق والغرب ، والاقتصاد الإسلامي من شأن تطبيقه تحقيق الكفاية الإنتاجية والعدالة الاجتماعية وتنظيم الموارد.
ويستمد الاقتصاد الإسلامي مرتكزاته وأصوله من 4 آلاف موضع في القرآن الكريم والسنة النبوية تنظم المعاملات الاقتصادية ، فهناك أكثر من 1000 آية قرآنية تتحدث عن الإنفاق في سبيل الله والحث على الصدقات وضرورة إعطاء المال لذوي الحاجات، ومن هنا فإذا أردنا علاج الأزمات الاقتصادية المعاصرة التي تعاني منها البلدان الإسلامية فليس هناك علاج سوى العودة للشريعة الإسلامية وتطبيق الاقتصاد الإسلامي المنبثق عنها.
وقد عاشت الشعوب الإسلامية في رخاء اقتصادي طوال قرون عديدة حينما كانت تطبق تعاليم الإسلام المعلقة بالنشاط الاقتصادي.

بعض الاقتصاديين يرون أن الفائدة الربوية البنكية هي أحد أعمدة الاقتصاد المعاصر وأنه لا يمكن الاستغناء عنها لأنها ذات طابع عالمي.. فما هو تعليقكم على هذا الرأي؟
ـ هناك من علماء الاقتصاد الغربيين من هاجم بشدة الفائدة الربوية التي تتعامل بها البنوك وحمَل تلك الفائدة الربوية كل حالات الركود والكساد والتضخم التي تصيب النظام الرأسمالي بصفة مستمرة دورية وطالب بجعل تلك الفائدة صفرا أي إلغاءها حتى يتجنب الاقتصاد الرأسمالي كل هذه السلبيات وهذا ما قال به الإسلام منذ خمسة عشر قرنا حين حرم الربا وتوعد المتعامل به بحرب من الله ورسوله.
ومن هنا فإن إصلاح الجهاز المصرفي في البلدان الإسلامية يكون بالعودة للمعاملات الإسلامية وهي المرابحة والمزارعة والاستصناع وغيرها، وقد طبقت تلك الصيغ الإسلامية بنجاح في البنوك والمصارف الإسلامية.
وأخذت بعض البنوك الغربية الكبرى في تطبيق الصيغ الإسلامية في محاولة لمنافسة البنوك الإسلامية على جذب أموال المودعين سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه.
البنوك الإسلامية إنجاز حضاري:
البعض يشكك في الاقتصاد الإسلامي ويقول: إن البنوك الإسلامية ما زالت فكرة نظرية لم تجد طريقها للتطبيق على أرض الواقع؟
ـ الواقع والإحصائيات يؤكدان أن البنوك الإسلامية انتقلت من مرحلة الفكر النظري إلى حيز التطبيق وهي بنوك تجد الاقتصاد الإسلامي الذي لا يتعامل بالفوائد الربوية، ففي العالم الآن أكثر من 250 بنك إسلامي موزعين على كل القارات تتعامل في أصول تتراوح قيمتها من 200 إلى 250 مليار دولار، وتحولت صيغ التعامل الإسلامية اللاربوية إلى منتجات مصرفية معترف بها دوليا وقد تم أسلمة العديد من البنوك المركزية في دول إسلامية كثيرة، وأصبح هناك 12 صيغة إسلامية في مجال توظيف وتشغيل الأموال. وقد وصف فريق من الأكاديميين الاقتصاديين من جامعة هارفارد الأمريكية البنوك الإسلامية بأنها أهم إسهام للمسلمين في الحضارة المعاصرة.

تعتبر البلدان العربية من أكثر الدول في معدلات البطالة التي تشكل مخاطر اجتماعية وأخلاقية على المجتمعات العربية.. فما رؤية الاقتصاد الإسلامي لعلاج تلك المشكلة؟
ـ هناك عدة وسائل لعلاج تزايد معدلات البطالة في البلدان العربية منها إحياء الوقف الإسلامي فتكون هناك أوقاف ينفق منها على إنشاء المصانع والمشاريع الزراعية وغيرها التي يمكن أن تستوعب أعدادًا كبيرة من الخريجين بتخصصاتهم المختلفة، وهناك اجتهاد جديد من بعض العلماء أجاز توجيه بعض مصارف الزكاة لإنشاء المشاريع الإنتاجية للفقراء والمساكين ليعملوا فيها ويتحولوا من آخذين للزكاة إلى دافعين لها وبذلك يتم علاج مشكلة العاطلين عن العمل، وهناك حل ثالث هو توزيع الأراضي على العاطلين لإحيائها واستزراعها أو إقامة المشروعات الصناعية عليها بمساعدة القادرين وصدقاتهم إعمالا لسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم (من أحيا أرضا مواتا فهي له).