الجهاد في سبيل كرة القدم!! صناعة الكرة واقتصادياتها

وسام فؤاد – هند سليم

الجهاد في سبيل كرة القدم!! صناعة الكرة واقتصادياتها..

وسام فؤاد – هند سليم

04/08/2002
هذا الكارت معروض للبيع، لكل قيمة في الغرب ثمن تحولت الرياضة في ظل تطور المجتمعات وظهور النظم الرأسمالية إلى صناعة كبرى تؤثر وتتأثر بالاقتصاد القومي. ويشير د. عبد السلام نوير إلى أن الرياضة يمكن أن تؤثر سلبًا على الاقتصاد، فكثيرًا ما يترك العاملون عملهم لتشجيع المباريات، أو يصابون بالاكتئاب نظرًا لخسارة الفرق التي يشجعونها؛ مما يؤثر على معدل الإنتاج.

وبما أن الرياضة صناعة فلا بد لها من مصروفات وعائدات. ويوضح د. محمد النجار أستاذ الاقتصاد بجامعة الزقازيق وعضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي سابقًا، أن المصروفات في الرياضة تتمثل فيما يلي:

أولاً - إعداد البنية التحتية التي تشمل الملاعب والنوادي والأجهزة الرياضية.

ثانيًا - دفع مرتبات العاملين في النادي الرياضي سواء أكانوا لاعبين أو مدربين أو عاملين.

ثالثًا - شراء اللاعبين الأجانب بمبالغ خيالية أملاً في دفع الفريق إلى البطولة.

وبالنظر للمبالغ التي يجري إنفاقها لشراء مدربين أو لاعبين أجانب وما يتم دفعه لهؤلاء اللاعبين أو المدربين من أجور، فإن ذلك مدعاة للتأسف على حال آلاف الأسر التي لا تجد من يعولها، فتتجه إلى الاستجداء أو السرقة أو الدعارة.. وسائر أنواع الجريمة المنظمة كسبيل للحصول على ما يكفي الاحتياجات الأساسية.

هذا لو نظرنا للأمر باعتبار كل دولة عربية وإسلامية على حدة، أما لو نظرنا للأمر على مستوى الأمة الإسلامية ككل، حيث تعاني دول إسلامية من مخاطر المجاعة والفيضانات وغيرها من الكوارث.. لكان المصاب في الأمة أفدح، ولثار التساؤل حول مشروعية المبالغ التي تنفقها الدول العربية والإسلامية على الرياضة الاحترافية التي اعتبرها فريق من الفقهاء نوعًا من السفه.

هل يذهب الفقراء للجحيم؟!

في الوقت الذي يموت فيه ملايين البشر في العالم بسبب الفقر والجوع تنفق الحكومات مليارات الدولارات على لاعبي ومدربي الكرة أملا في الانتصار في حرب الكرة، والفوز بكأس العالم! فكيف يمكن أن يؤثر ذلك على المجتمع؟ وما حكم ذلك شرعًا؟

يرى د. أحمد المجدوب أن ذلك يخلق شعورا بالضغينة والحسد والحقد على قابضي هذه الأموال، وإحساسا بالغضب والنقمة على من يدفع لهم.

ويؤكد د. أحمد يحيى أن هذا هو المدخل الطبيعي لتولد العنف في المجتمع، حيث يصاب أفراد المجتمع خاصة الشباب العاطل بنوع من الإحباط نظرًا لوجود خلل في معايير المجتمع، حيث يرى أن السنوات التي قضاها في التعليم لم تفده، بينما يمكن للأشخاص غير الحاصلين على أي مؤهل علمي الحصول على مليارات الدولارات بمجرد تحريك أرجلهم.

ويعارض الكابتن جمال عبد الحميد مسألة استقطاب المدربين الأجانب، موضحًا أن المدرب الأجنبي يبلغ راتبه عشرات الآلاف من الدولارات شهريًّا، بينما يبلغ راتب الكفاءات المحلية ما يعادل بضعة آلاف من العملة المحلية، ويؤكد أن النوادي إذا استغنت عن المدربين الأجانب فستستطيع التوفير من رواتبهم لصالح مزيد من التكافل الاجتماعي.

ويرى د. نصر واصل أن هذا نوع من التقصير المحرّم في الإسلام، فالأولى بنا هو إكمال الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينيات.

ويتساءل د.عبد الستار فتح الله: كيف للأمم الفقيرة أن تنفق مليارات الدولارات على أشياء ترفيهية؟ ويؤكد أن هذا يمثل في ميزان الإسلام أولاً، وفي ميزان الوطنية ثانيًا، وفي ميزان الإنسانية ثالثًا، جريمة كبرى.

ويؤكد د. محمد عمارة المفكر الإسلامي المعروف أن إنفاق هذه المليارات على الكرة نوع من السفه المحرَّم في الإسلام، ويجب الحجر على المسؤولين عن ذلك.

ويشير د. أحمد يوسف أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة إلى قول الله تعالى: "وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا" (النساء: 5). ويستدل بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته..." (رواه البخاري).

الدور التنموي للرياضة

ويضيف د. محمد النجار أن الرياضة تساهم في بناء جسد سليم قادر على الإنتاج؛ وهو ما يساهم في دعم الاقتصاد القومي. بينما يعترض د. نوير على هذه المسألة، موضحًا أن الرياضة لم تعد متاحة للجميع، بل أصبحت مقصورة على فئة معينة من المجتمع لأسباب اقتصادية، وأصبحت معظم فئات المجتمع مشاهدة للرياضة، وليست مشاركة فيها، وهذا من سوءات نظام الرياضة الاحترافية الحالي.. فبدلاً من أن تكون الرياضة لكل الشعب باتت مقتصرة على فئة محدودة جدا من اللاعبين المحترفين، واتجهت الدولة نحو توفير كل الإمكانيات المالية لهؤلاء اللاعبين على حساب الفقراء والأغنياء من دافعي الضرائب على حد سواء.

ويؤكد د. محمد النجار أننا إذا حاولنا تتبع الأنظمة الرياضية التي تطبقها بعض الحكومات فسنجد أنها تجمع بين سلبيات النظامين الرأسمالي والاشتراكي، فتمتلك النوادي وتتكفل بنفقاتها كما في النظام الاشتراكي، وتطبق نظام الاحتراف كما في النظام الرأسمالي.

ويوضح أن الرؤية الإسلامية تعتبر الرياضة حقًّا للجميع، بعكس ما يحدث عندنا حيث نطبق نظام الاحتراف دون أن نضع للاعبين برنامجا للتمرين والغذاء كما يحدث في الدول الرأسمالية؛ وهو ما يؤدي إلى خسارة الدولة.

ويضيف د. نوير: لقد بدأت الدول العربية في خصخصة النوادي، بحيث تشتريها شركة معينة وترعاها، وفي المقابل يمثل النادي دعاية لها. ويوضح د. نوير أن المنافسة الشديدة والاحتراف دفعت بعض النوادي إلى شراء اللاعبين دون أن تستفيد منهم لمجرد حرمان النادي المنافس من اللاعب. ويضيف أن إحدى السلبيات التي تؤثر على اقتصاديات الكرة هي نظام (السمسرة)، حيث يقوم السمسار ببيع اللاعب بأكثر مما يستحق للحصول على نسبة عالية.

اللاعبون والأجور الباهظة

ويرى د. محمد النجار أن محترفي الرياضة يستطيعون الحصول على عائد يفوق ما يحصل عليه العلماء، وذلك لأن الطلب على الترفيه داخل المجتمع يفوق الطلب على العلم، وكذلك يتكفل النادي بدفع الضرائب لمحترفي الرياضة. واللاعب يمكنه الحصول على عائد من خلال استخدام اسمه أو صورته في أي منتج أو إعلان.

وهذه القضية لا بد معها من وقفة. فقد كانت الرياضة قديمًا وسيلةً لتهذيب الجسد وترويضه، وتقوية المجتمع وصيانته، وحفظ الشباب وكفِّه عن التردِّي في مهاوي النزق والطيش، وكان هدفها صحَّة الجسم وشغل الفراغ بما يفيد، فإذا بظاهرة كأس العالم وأمثالها تحيد بالرياضة عن أسمى أهدافها لتستبدل بها أهدافًا استهلاكية، وشيئًا فشيئًا تنحَّت الرياضة عن رُتبة الوسيلة لتصير غايةً في ذاتها، ولتصبح مهنةً وحرفةً لمَن لا حرفة له.

وليت الرياضة صارت مهنةً وحسب، بل صارت أرقَى المهن! فلاعبون جَهَلة تصل مرتباتهم السنويَّة إلى أكثر من 50 مليون دولار، بينما الأطباء في المستشفيات والمهندسون في كافَّة التخصُّصات، والمفكِّرون الذين يقودون شعوبهم نحو الرخاء وتجنب الزلل، والباحثون وحماة القانون والقضاة وغيرهم، قد لا يصل مرتبهم السنوي إلى أقل من 1% من هذا المرتب الذي يتقاضاه من يُلقَّبون بأغلى لاعبي الكرة في العالم.

المشكلة أنَّ مثل هذه الأحداث تحطُّ من قيمة العمل، وتحطُّ من قيمة الإنتاج، مهما حاول البعض الحديث عن الاقتصاديَّات المرتبطة بهذه الظاهرة وأخواتها.

فالدكتور أحمد يحيى يرى أنَّهم يعملون، وهذه المبالغ نظير عملهم، فأين قيم الإنتاج والإعمار؟ ألا يستحقُّ العالم الذي يخترع دواءً يشفي ملايين المرضى في العالم أن يتمَّ تقدير مرتبه بمثل هذه القيمة؟

كما يرى أنَّ هناك وفرة في العُمال والعلماء والأطباء والمهندسين، وثمَّة ندرة في لاعبي كرة القدم، وهذا ما يجعل اللاعب أغلى! فهل قانون النُّدْرة يجعلنا نرى رياضيّا جاهلاً يفوق في مستواه المادي آلاف العلماء وملايين العمال؟.

ويرى الدكتور محمد النجار أنَّه يتمُّ استغلال لَمَعَانهم الإعلامي في الإعلانات، فأيّ إعلاناتٍ تلك التي تُكلِّف مثل تلك التكاليف إن صحَّت هذه المقولة، أليس الأولى خفض الأسعار ليتمكَّن الناس من شراء المنتَج بدلاً من دفع قيم لا داعي لها اقتصاديّا. والدعاية لأيِّ منتجٍ مفهومةٌ، ولكن بهذه الأرقام الهائلة، فهل هذا جائز؟‍‍‍

ويرى خبراء الاقتصاد أنَّ صناعة الترفيه والتسرية صناعةٌ يشتغل بها الملايين، وهي خدمةٌ، وليست إنتاجيَّة، فمن الضروري وجود من يرفِّه عن الناس، ونؤكد أنَّ كلَّ النشاط الاقتصادي السليم لا يشترط فيه أن يكون إنتاج سلعةٍ أو دواء أو منزل أو أية مادَّة ملموسة، بل يمكن أن يكون الإنتاج خدمةً، مثل: الطب، والصيدلة، والعلاج النفسي، والاستشارات التربويَّة، وغيرها.

ولكن هناك خدمات ترفيهية غير مرغوبٍ فيها ومُحَرَّمة، أليس البغاء من الخدمات الترفيهيَّة في الغرب، وتمنح السلطات الغربيَّة تراخيص لممارسته؟ فهل البغاء والزنا مقابل المال مباح؟!

إنَّ مثال البغاء هذا يحتاج بعض التوضيح حول السبب الذي دعانا للحديث عنه في هذا المقام، إنَّ عدم مشروعيَّة البغاء مردُّه إرادة الله في أن يحفظ قيمًا عظيمةً في حياتنا مثل: قيم الأسرة والقدوة والإخلاص والصحَّة والعِفَّة، ومحاولة منع الإنسان من أن يتردَّى وينحطَّ إلى الدرك الذي تنحطُّ إليه البهيمة من هيمنة شهوتها عليها، ولكن أليست قيمة العمل المنتج من القيم الهامَّة، كما أن قيمة الأسرة وغيرها من القيم الفاضلة؟

حكم مقامرات الكرة

ويؤكد د. محمد النجار أن النوادي في الدول الرأسمالية تعتمد بشكل أساسي على المراهنات بشأن الفائز في المباريات، ويتبعها في ذلك مكاتب اقتصادية تفتح أبواب نشاطها في المناسبات الرياضية فقط للمقامرة؛ حيث يسجل الجمهور توقعاتهم بشأن الفائز في المباراة مقابل دفع مبلغ معين، على أن يربحوا مبالغ طائلة تصل إلى الملايين إذا صحت توقعاتهم، ويحصل أصحاب مكاتب المراهنات ورؤساء النوادي ومديرو الاتحادات الرياضية من خلال هذه العملية على مبالغ ضخمة.

ويؤكد د. محمد النجار أن هذا الأمر غالبًا ما يؤدي لتجاوزات أخلاقية في الدول الغربية، أو لدى المديرين الرياضيين معدومي الضمير بصفة أعم. وعندما تفوق مايك تايسون في عالم الملاكمة أصبحت الجماهير تدخل المباراة وهي متأكدة من فوز تايسون، وبالتالي تربح الرهان، وأثَّر ذلك سلبًا على اقتصاديات النوادي؛ وهو ما دفع العاملين في الرياضة إلى إبعاد تايسون عن ساحة الملاكمة؛ وذلك باتهامه بجريمة اغتصاب، ويبدو أن تايسون قد وعى الدرس جيدًا فبات يسأل قبل المباراة: هل تريدونني غالبًا أم مغلوبًا؟!

وهذا التدهور الأخلاقي أصاب أكثر الرياضات شعبية على صعيد العالم، حيث يوضح د. عبد السلام نوير أنه وردت معلومات حول قيام الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" بالتأثير على الحكام لتغيير نتائج المباريات بما يتعارض مع توقعات المراهنين من الجمهور حتى يخسروا الرهانات، ويتقاسم مديرو الاتحادات وأصحاب هذه المكاتب المبالغ الضخمة التي راهن بها المشاهدون.

ويؤكد د. محمد النجار استحالة تطبيق نظام المراهنات في الدول الإسلامية لتعارضه مع القيم الدينية، بينما يتعامل النظام الرأسمالي مع هذه الأشياء من منطلق القانون النفعي، بمعنى أن تحقق الربح بشرط ألا تخرج عن القانون.

ويوضح د. عثمان عليش الأستاذ بكلية أصول الدين أن هذه المراهنات حرام، وأن الأموال الناتجة عنها تدخل في إطار الميسر، وهي الأموال التي يحصل عليها الإنسان من غير جهد ولا تعب، ويستدل على ذلك بقول الله تعالى: "إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (المائدة: 90).

الدولة: كيف تستفيد من الكرة؟

يوضح د. عبد السلام نوير أن عائد الدولة من الرياضة عادة ما يكون معنويًّا، يتمثل في رفْع اسم الدولة ورفْع علمها إذا ربحت في المباريات.

كذلك تحصل الدولة على مبلغ من اتحاد اللعبة لإعداد فريقها في حالة مشاركتها في تصفيات كأس العالم. إلا أن هذا المبلغ يكون أقل مما تحتاجه الدولة لإعداد الفريق.

وهذا الأمر يعود بنا إلى ضرورة طرح فقه الموازنات لمعالجة مثل هذه القضية. والسؤال هنا هو: هل توجه الدولة نفقاتها للاعبين استعدادًا لمباريات ترفيهية ذات عائد رمزي، أم توجه هذه النفقات لتوظيف العاطلين، وإطعام الجياع، وتعليم الأطفال الذين لا تجد أسرهم ما تستعين به على تعليم أبنائها، وإن وجدت فعلاً ما تعلم به أولادها لا تجد أماكن أو منشآت تعليمية لتعليمهم واستيعابهم؟

وأولى من هذا وذاك، أو ربما يعدله في الأهمية نجد قضية التوسع في الإنفاق على البحث العلمي الجاد الذي حقق للغرب طفرات اقتصادية حقيقية خلال العقدين الماضيين من خلال عوائد براءات الاختراع، والابتكار، وسائر صنوف الملكية الفكرية.

ويضيف د. نوير قائلاً: إن استضافة المباريات من موارد الدخل القومي، حيث تعتمد عليها الدول على النحو التالي:

أولاً - تقوم الدولة بتحسين شبكة المرافق الداخلية؛ تمهيدًا لاستضافة الفريق.

ثانيًا - إقامة الفرق الرياضية والجمهور الوافد على الدولة المضيفة سيساهم في إنعاش اقتصادها.

ثالثًا - حصول الدولة على عائد من نقل المباريات عبر القنوات المختلفة.

رابعًا - الإعلانات داخل ملاعب الدولة المضيفة أو تلفزيونها.

غير أن خطوة الاستضافة هذه ينبغي النظر إليها في سياقها العام، فالقيام بمثل هذه الخطوة يعني الانخراط في منظومة الاحتراف بشكل كبير، وهو الأمر الذي يتطلب دراسة جدوى مثل هذا الانخراط، وتقييم إيجابياته وسلبياته قبل الدخول إلى متاهة إنفاق يحتاجها عموم مواطني الدول الإسلامية.