الاقتصاد الإسلامي المعاصر بين اعتبار القصد أو الصورة

د.حمزة السالم

الاقتصاد الإسلامي المعاصر بين اعتبار القصد أو الصورة 

د.حمزة السالم

الوقفة الأولى: ما بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقرين سبان.
شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية هو أمير بحور علوم الدين والدنيا، شهد بذلك وأدركه كل من علت به الهمة وارتقى مستوى فهمه وعلمه فاستطاع أن يبحر في عجائب استنباطاته وأن يستحصل من كنوز علمه رحمه الله تعالى، فاهتدى رأيه بأضواء المدينة النبوية المشرفة فاطمأن قلبه وانشرحت نفسه ولازمه التسديد والتوفيق. رحم الله شيخ الإسلام وحشرنا في زمرته وحزبه.

فذو الاختصاصات العلمية من الفلكيين والسياسيين والفلاسفة والمنطقيين والاقتصاديين وغيرهم مثلهم مثل علماء الشريعة يقفون مذهولين معجبين مسبّحين مما أوتي شيخ الإسلام رحمه الله من فهم وإدراك لهذه العلوم بحجة قوية مستمدة من كتاب الله وسنة نبيه مستنبطة بقوة العقل والمنطق.

وإن من العدل والأمانة العلمية ومن حق شيخ الإسلام رحمه الله أن يؤخذ كلامه كله أوله وآخره في مسألة ما وأن يفهم من خلال المناسبة التي ذكرت فيه وأن يطّرد المؤصلون الذين اتبعوا منهجه رحمه الله في تأصيل مسألة ما، في استنباط الأحكام التي تتعلق بتلك المسألة فلا يتنقلون من مدرسة إلى أخرى في تأصيل نفس المسألة.

في تفسيره رحمه الله (آيات أشكلت على كثير من العلماء حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير فيها القول الصواب بل لا يوجد فيها ألا ما هو خطأ ، فصل في الربا) لخص شيخ الإسلام رحمه الله شروط كون الشيء ثمنا ، يقاس عليه بعلة مطلق الثمنية ، في ثلاثة شروط في قوله "ولكن الدراهم والدنانير هي أثمان المبيعات والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا ترتفع قيمته ولا تنخفض" وقال "وذلك إنما يكون إذا كان ذلك الثمن باقياً على حال واحدة لا تزداد فيه القيمة ولا تنقص".

شروط الثمن هذه التي نص عليها شيخ الإسلام رحمه الله استجلبت لذهني، كاقتصادي مالي، مقال "الذهب وحرية الاقتصاد" الذي كتبه قرين سبان (مدير البنك المركزي الأمريكي السابق وأسطورة الاقتصاد المعاصر) عام 1967م يحذر فيه من انفكاك الذهب عن الدولار ويتنبأ بزوال شروط الثمن ألا وهي المحدودية والانضباطية واستيداع الثروة التي قد ذكرها شيخ الإسلام من قبل 700سنة إذا انفك ارتباط الذهب بالدولار.

قال قرين سبان: "ما يقدر بأن يكون وسيلة للتبادل في اقتصاد ما، لا يكون اعتباطياً فأولاً يجب أن تكون هذه الوسيلة متينة أي تتحمل كالقمح في المجتمعات البدائية وكالمعدن في المجتمعات الأكثر تحضرا. وثانياً أن تكون قابلة للقسمة ومتجانسة فمثلاً، الجواهر الكريمة واللآلئ لا تصلح أن تكون ثمناً لأنها ليست متماثلة ولا هي قابلة للقسمة. وثالثاً وهي من الشروط الأكثر أهمية أن تكون سلعة للترف وليست للحاجة وقد يكون القمح من الترف عند بعض المجتمعات. ورابعاً أن يكون سهل الحمل فأونصة من الذهب تساوي ربع طن من الحديد". ثم قال "هناك أشياء عدة استخدمت كوسيلة للتبادل وتغيرت وبدل بعضها بعضاً والمرجع دائماً إلى وجود الثمن الذي يمكن جعله مخزناً للثروة" ثم قال "والذهب استخدم الوسيلة العالمية للتبادل وهو المهيمن فالذهب نادر وله وظائف عدة بجانب كونه فناً فالذهب شيء من الرفاهية ويتحمل وسهل الحمل ومتجانس وقابل للقسمة وله مزايا كبيرة على غيره فأصبح منذ بداية الحرب العالمية الأولى المقياس الوحيد للتبادل دولياً"

فشروط كون الشيء ثمناً عند مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ومن وافقهما من جمهور المعاصرين والتي عليها العمل الآن هي: أولاً كون الشيء المتخذ ثمنا محدودا أو من الترف فلا يصح الهواء أو التراب أو الماء ثمنا، أي يجب أن تكون صناعته أو إصداره أو استخراجه صعبا وعزيزا. قال قرين سبان وبهجران نظام الربط بالذهب أصبح من الممكن استخدام النظام البنكي كوسيلة غير محدودة للتوسع في إصدار السندات والأوراق النقدية.

و ثانيها أن يكون منضبطا بحيث يصلح أن يكون مقياسا للقيم.قال قرين سبان "حتى ولو كانت العملات مختلفة القيمة كوحدات مثل الدولار والجنيه والفرنك لكنها عندما تحدد بالذهب أو تربط به ستكون قيمتها واحدة وتحرك المال من بلد إلى آخر وإصدار العملات ومعدلات الفائدة والتضخم والأسعار كلها متشابهة في جميع البلاد ولم يكن هناك اختلاف في الأسعار والتضخم وأسعار الفائدة بين البلدان"

وآخر هذه الشروط وأهمها هو كون هذا الشيء المتخذ ثمنا مستودعا أمينا للثروة. قال قرين سبان "إن قانون الطلب والعرض لا يمكن خداعه فطالما أن إصدار النقود يتزايد بالنسبة إلى إنتاج الأصول الحقيقية في السلع والخدمات في المجتمع الاقتصادي فالأسعار يجب أن ترتفع. وعليه فإن الأرباح التي ادخرها الأعضاء المنتجون في هذا المجتمع ستفقد قيمتها بالنسبة للبضائع الحقيقية ..

إن في غياب نظام الربط بالذهب لا توجد طريقة لحماية الادخارات من المصادرة من خلال التضخم. ولا يوجد هناك مستودع أمين للثروة." وقال "هناك أشياء عدة استخدمت كوسيلة للتبادل وتغيرت وبدل بعضها بعضاً والمرجع دائماً إلى وجود الثمن الذي يمكن جعله مخزناً للثروة."

ثم شرح قرين سبان حقيقة الدولار وسبب انفكاك الذهب عنه بقوله "إن القانون المالي للدولة يتطلب بأن لا يكون هناك طريقة لملاك الثروة بأن يحموا أنفسهم. إن هناك سراً ضبابيا للشتائم الموجهة ضد الذهب. هم يريدون الإنفاق على عجز الإفاق الحكومي بخطط بسيطة عن طريق مصادرة الثروة. الذهب وحده يقف في طريق هذه العملية الماكرة، يقف كمحامي حقوق الملكية فإذا الشخص أدرك وفهم ذلك لم تعد هناك صعوبة في فهم الخصومة نحو الربط بالذهب" ويقول "ولو أن كل شخص قرر أن يحول أمواله المدخرة إلى بضائع حقيقية وأصبح لا يقبل إلا أصولاً حقيقية، كل هذه المدخرات تفقد قيمتها الشرائية وتصبح السندات والأوراق النقدية المخلوقة من قبل الحكومة لا قيمة لها"