الاقتصاد الإسلامي...رؤى علمية لقضايا معاصرة

د. يوسف الزامل

الاقتصاد الإسلامي...رؤى علمية لقضايا معاصرة..

د. يوسف الزامل – جامعة الملك سعود

عندما سألني أحد الطلبة النابهين من تنزانيا (غير متخصص في الاقتصاد وإنما هو من المبتدئين في الشريعة) ما هي الجدوى من دراسة الاقتصاد؟ أو ما الذي يفيده من يدرس الاقتصاد؟ وما الذي يعطيه ويسهم فيه؟ وجدت أنى أواجه تحدياً حقيقياً لأثبت له أن هناك فوائد وثمرات ينتفع منها الأفراد والناس والمجتمع من دراسة الاقتصاد وهو لا يعلم عنها...فأخذت أجمع أفكاري لأضرب له الأمثلة التي تبين له وتثبت أن هناك ثمرات حقيقية، لكني وجدت أن معظم ما أعرضه له ليس مما وقع أو يقع ويحدث، وإنما مما أتوقع أو يتوقع وينبغي حصوله.
من تلكم الأمثلة دور دراسة الاقتصاد وثقافته في تغير السلوك الفردي والأسري نحو الترشيد في الإنفاق ووضع ميزانية تقديرية أسرية شهرية أو سنوية، أو النظر في قوائم المشتريات لتصنيفها بين الضروري والحاجي والتكميلي والإسرافي ليتم العمل على تقليل حجم الإسراف من ناحية، وزيادة الأولوية للضروريات والحاجات على الكماليات من ناحية أخرى، ومما ضربت له من أمثلة دور الاقتصاد الإسلامي في وضع صيغ استثمارية وتمويلية إسلامية وتكييفها لتساعد في توفير السيولة الضر روية سواء للمستهلكين أو رجال الأعمال، وهذا ما سعت إليه أخيراً كثير من البنوك وفروعها، والتي سمي بعضها بالتورق المبارك والمرابحة وغير ذلك، ومن أمثلة ما يساهم فيه الاقتصاد الإسلامي تحديد الظروف والشروط التي تبرر للأفراد والمنشآت والحكومات الوقوع في عجز ومن ثم الاقتراض، وكيفية توفير وسائل تمويل مشروعة تسد مثل هذا العجز إذا وقع، ومن الأمثلة الحية الإسهام في حل القضايا الاقتصادية الشائكة التي تواجهها المجتمعات كاختيار الأسلوب الأمثل للتأمين، وتحديد أشكال الصيغ والعقود المالية الموافقة للشرع، ومما ينبغى إسهام دراسات الاقتصاد فيه تقديم التوصيات لحل أزمات المجتمع الكلية كالبطالة وقضية عمل المرأة والنمو والتنمية الاقتصادية وتنظيم النسل، وغير ذلك.
ومن أدوار الاقتصاد الإسلامي العملية التوعية بأهمية التخطيط للأفراد والأسر والمنشآت للأجل القصير (أقل من سنة) والأجل الطويل (أكثر من سنة إلى خمس سنوات أو أكثر)، ثم خطط التقاعد، وأيضا ما يمكن تسميته بالخطط طويلة الأجل جداً المتعلقة بالمساهمات الخيرية والوقف والوصية، وكيف يمكن تفعيل ذلك من خلال نماذج جاهزة تمكن الفرد والمؤسسة من توجيه سلوكياتها الإنفاقية والتخطيطية وترتيبها وموازنتها بين مختلف هذه الفئات.
كيف توضع التصاميم الهندسية الاقتصادية للمساكن الموائمة لبيئتنا الثقافية والتعليمية، والمناسبة للأعراف والتقاليد عبر خيارات متفاوتة تتناسب مع الاختلافات في طبقات المجتمع الثقافية والداخلية والسكانية، وتتيح أيضاً التوافق مع شتى الأذواق الفردية؟ وإجراء مثل هذه الدراسات حول التصاميم وتهيئتها تجنب الأفراد أن يكرروا قصة المعاناة مع بناء التصميم من ناحية، ويقلل هامش الأخطاء التي تجر إليها الاجتهادات الفردية بعيداً عن واقع متطلباتهم الأسرية والاجتماعية وحدودهم الداخلية، ويقال مثل ذلك عن إعداد دراسات نماذج للأحياء السكنية المتكاملة الخدمات.
قضايا وقضايا يمكن أن تسهم فيها دراسات الاقتصاد والاقتصاد الإسلامي بحيث تكون مثل هذه الدراسات أقرب إلى ملامسة الواقع وحل القضايا وتقديم الحلول العملية والإسهام في التفاعل مع بناء الواقع، لا أن تكون مجرد دراسات نظرية مثالية بعيدة عن الإيجابية وخدمة المجتمع الذي لم يأل جهداً في البذل والبناء والإنفاق الضخم على أبنائه ليكونوا طلاب اقتصاد مبني على برامج عملية ودراسات واقعية واستشارات صادقة وأمثلة حية.
لكني بعد أن رويت لذلك التلميذ هذه القصة أدركت أنني ما زدت كثيراً عن أن أقول له ما ينبغي أن يقدمه علم الاقتصاد للمجتمع، لا ما قدمه ويقدمه ويسهم فيه علم الاقتصاد فعلاً في المجتمع، فأيقنت أني قد خسرت الجولة معه، على أني قد أظهرت له النجاح فيما زخرفت له عن المثاليات ورائحة من الأمثلة الواقعية.
ثم أسعفت نفسي وأردت أن أحمي تخصصي وحقلي وميداني فقلت وإن كان ميدان الاقتصاد ومنه الاقتصاد الإسلامي لا يزال- مع كل أمثلتي- بعيداً عن خدمة الواقع والتأثير فيه والتفاعل معه، فمعظم العلوم كذلك، بل جلها إن لمن نقل كلها لا تزال أبراجاً عاجية وخططاً أكاديمية ومناهج مثالية لا تتفاعل ولا تتناسب مع الواقع، فأين إسهامات الجغرافيين؟ وماذا يمكن أن يقدموا؟ وماذا حصل للأبناء والشباب من دراسات الكيمياء والرياضيات في حياتهم العملية؟ وهل أثرت دراسة اللغة العربية في الأداء اللغوي لطلابها والناس؟ ثم ازددت جرأة على ذلك التلميذ فقلت وأنتم أيها الدارسون للشريعة وعلومها أين الاهتمام والتخصصات الدقيقة من الفقه لمعالجة مشكلات المعاملات الطارئة؟ وأين من يطرق قضايا الساعة؟ وأين من يكون مثلاً في سلوكه مقتدى به في سمته ودينه إلا من ندر، وإلا فالغالب طلاب شهادات لا طلاب علم وسلوك وعمل، وهي كما تعلم طامة، إذ هي علوم دين يطلب بها دنيا! ثم خلصت وإياه إلى أن طرق دراسة معظم العلوم وتدريسها يجعلها تبدو كأنها جوفاء من الجوهر مزخرفة المظهر، وأنه لابد من تطويع العلوم لتخدم أهدافها وتنفع أهلها وتصلح بها مجتمعها وتعتز بها أمتها.
يبقى بعد هذه المناقشة أن نشير إلى أن تطويع دراسة علوم الاقتصاد وتدريسها يمكن أن يتمثل في نواح كثيرة نذكر منها:
- أن تطلب أقسام الاقتصاد في المملكة لتطور منهجياتها بحيث تتلاءم مع البيئة التي تخدمها. فالملاحظ أن معظم المناهج التي تدرس تعتمد، أما على كتب مترجمة وإما على كتب مؤلفة أو أوروبية دون مراعاة لما تتطلبه البيئة العربية والإسلامية سواء من الناحية النظرية أو في مجال تطبيق هذه العلوم الاقتصادية...وتجد أن معظم الأمثلة المضروبة مستقاة من بيئة انجلوسكسونية فيصبح الطالب غير قادر على الفهم الجيد والسهل، ومن هنا تصبح هذه العلوم عقداً وكوابيس تلاحق الطلاب، ثم بعد أن ينجح الطالب فيها ينفض من ذاكرته كل أثرها...وإذا كنا نطالب أقسام الاقتصاد بالتطوير فلا بد أن نمدها بالموارد البشرية من معيدين وباحثين مع تخفيض أعباء التدريس لأعضاء هيئة التدريس المكلفين بمثل هذه التطويرات، مع مطالبتهم بإنجازات معينة في مجال تطوير المؤلفات.
- أن تطوع بحوث الدراسات العليا لتخدم أهدافا اقتصادية معينة لحل قضايا يواجهها الاقتصاد سواء في القطاع العام والخاص، وبحيث لا تتم الموافقة على إجراء بحث دراسات عليا إلا بعد أن يحصل الباحث على طلب رسمي بتبني مثل هذه الدراسات من جهة معينة، مع إعطاء منحة مالية للطالب أو مكافأة معنوية لتدلل على صدق هذه الجهة في الرغبة في مثل هذه الدراسة.
- أن تربط بحوث أعضاء هيئة التدريس المقدمة للترقية بقضايا معينة لها علاقات بجهات حكومية أو خاصة وبعد أخذ موافقة ودعم ماليين من الجهة.
والمقترحات في هذا السبيل كثيرة، لكن الأهم منها أن نجد آذان إصلاح صاغية تريد أن تنهض بأنفسها وأمته