أصول الاقتصاد الإسلامي وسماته الأساسية


02:01 آخــر تحديــــث 2005-12-09

أصول الاقتصاد الإسلامي وسماته الأساسية

 

علم الاقتصاد الاسلامي هو العلم الذي ينظم علاقة الاشخاص بالمال في كسبه وانفاقه وفق مقاصد الشريعة الاسلامية..، لان المال جوهر الثروة والموارد المالية وتوزيعها هي محور الاقتصاد والكسب محور الانتاج وما يتبعه من توزيع.

والانفاق يشتمل على الانفاق الاستهلاكي الذي هو مؤدى العملية الاقتصادية وما يؤدي اليه كل من الكسب والانفاق من التبادل في نطاق السوق وما يدور فيه من الاسعار والاثمان والقيمة ومن ثم اشباع الحاجات الانسانية.

وفي هذا الاطار يتضح ان مفهوم الاقتصاد الاسلامي يعتمد على مناهج اصول الفقه والمبادئ الكلية والقواعد الفقهية ومن ثم يستخدم منهج الاستنباط في العلوم الرياضية لوضع الفروض في بناء النظرية الاقتصادية وكذلك يستخدم منهج الاستقراء التاريخي والاحصائي والتحليل الاقتصادي والتنبؤ واستخلاص النتائج والقوانين التي تحكم الظواهر الاقتصادية وبناء النظرية الاقتصادية وتكوينها والتي تمثل اداة من ادوات دراسة الواقع.

استخلاف الإنسان

تبرز المشكلة الاقتصادية في وجود غنى غير مرشد وفقر غير معالج، فالرزق والرازق سبحانه كلاهما موجود والقوت مقدر في الارض لقوله تعالى (وقدر فيها أقواتها) ولكن العمل والسعي في طلب الرزق مطلوب وواجب وبذلك ينتفي الرأي القائل بالندرة النسبية للموارد والحاجات اللامتناهية للاشخاص اذا راعينا ان الحاجات الانسانية تجد حدها الاعلى في حظر الاسراف والتبذير والترف فكلها امور محرمة محذورة في المنهج الاسلامي لانها تدخل الفساد على السلوك الانساني وتؤدي الى إضاعة الأموال التي هي خير ونعمة وعصب الحياة.

ان حقيقة استخلاف الانسان في الارض تصلح كمنهج للفكر الاقتصادي وملكية وسائل الانتاج، فكل نوع من انواع الملكية يجب ان يؤدي دوره في المجتمع وان اختلف نطاق كل نوع بما يتلاءم مع قواعد وضوابط الشرع التي تهدف الى تحقيق مصالح الناس، فالملكية الخاصة لها وسائلها واهدافها والملكية العامة لها ضوابط لوجودها ونطاقها وملكية الدولة لها اسبابها ووسائلها وضوابط لاستكمالها واستغلالها ومصارفها دون افتئات من اي نوع على الآخر وبذلك تكتمل دورة الانتاج في المجتمع وفقا لهذه الانواع الثلاثة من الملكية.

ان الاسلام يؤكد تحريم الكسب الربوي وأكل اموال الناس بالباطل وكل ما يؤدي اليه ويشدد على انه يجب التقيد في الانتاج بوجوب انحصاره في دائرة الحلال والنأي به عن دائرة الحرام ومن ثم يجب ان تكون العملية الانتاجية كلها في دائرة الحلال من حيث الهدف والمضمون والوسائل ايضا وفي ذلك تطبيق للقيم الاقتصادية في المنهج الاسلامي حيث يحرم كل نشاط اقتصادي ضار لعقيدة المسلم او اخلاقه ومقوماته وتطبيق ذلك ومراقبته في الاقتصاد الاسلامي سهل ميسور عن طريق التدخل المباشر للمحتسب وجهاز الحسبة والاجهزة الرقابية الاخرى، كما ان الاسلام يدعو الى مداومة الانتاج والاستثمار وإتقان العمل واتباع احدث الفنون الانتاجية ويحرم الاكتناز و ينادي بتحقيق التكامل الاقتصادي بين اعضاء الامة الاسلامية وتحقيق التوازن داخل الدولة الواحدة.

الإيثار والعدالة

ان السوق في الاقتصاد الاسلامي يحل فيه الايثار محل الاثرة ويحرم فيه الربا والاحتكار والغش والغرر والنجش وكل صور افساد السوق وأكل اموال الناس بالباطل.

وفي الاقتصاد الاسلامي تتجلى المجابهة الصريحة والمحددة لعوامل ومعايير التوزيع فيه متخذا من العدالة المعيار الاول ووضع الادوات والوسائل العملية الكفيلة بتحقيقها.

ان الاقتصاد الإسلامي يتميز عن غيره بمجموعة من الخصائص منها ربانية المصدر: فالاقتصاد الإسلامي مصدره رباني، وليس من صنع البشر، بمعنى أنه يستمد أسسه ومبادئه من القرآن الكريم والسنة المطهرة والجانب البشري فيه هوالتفكير في التطبيق في مختلف العصور ثم ربانية الهدف: فالاقتصاد الماركسي هدفه خدمة الدولة دون النظر إلى الأفراد، والاقتصاد الرأسمالي هدفه إشباع الرغبات الخاصة عند الأفراد، أما الاقتصاد الإسلامي فإنه يرتبط بالناحية الربانية، بمعنى أن له أهدافاً إنسانية تجمع بين المادة والروح كما انه يجمع بين الثبات والمرونة: فأي نظام وضعي نجده يتغير لأنه من صنع البشر، أما الاقتصاد الإسلامي، فيجمع بين الثبات والمرونة، فهو ثابت في تحريم الربا ومرن ومتطور كنظام الشركات القائمة على العمل ورأس المال والضمان، فقد يختلف شكل الشركة من زمن لآخر ومن هذا المنطلق نعرف الثابت والمتغير في الاقتصاد الإسلامي، ويضمن الاقتصاد الاسلامي حد الكفاية لكل مسلم: وحد الكفاية أو حد الغنى نعني به المستوى اللائق للمعيشة مما يختلف باختلاف الزمان والمكان لامجرد حد الكفاف واستيفاء الضرورات الأساسية للحياة، واصطلاح حد الكفاية، أو حد الغنى، وإن لم يرد صراحة في أحد نصوص القرآن الكريم أو السنة النبوية إلا أنه يستفاد من روح هذه النصوص وقد ورد صراحة في تعبيرات أئمة الإسلام وكذلك في مختلف كتب الفقه القديمة، فيقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا أعطيتم فاغنوا، ويقول الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم والكفاية تختلف باختلاف السعات والأحوال وقد جرى المثل العربي: صيانة النفس في كفايتها”.

ان ضمان حد الكفاية لجميع الافراد في المجتمع هو المقياس الحقيقي الذي تقوم عليه سياسة التوزيع في ظل النظام الاقتصادي الاسلامي ويصبح العمل هو الوسيلة الشرعية لملكية العمل نتيجة الجهد ويعطي المنهج الاسلامي اهمية كبيرة للعدالة في توزيع الدخول والثروات كهدف اساسي له وقد تمثل ذلك في الزكاة وقسمة الفيء والغنيمة والميراث وتحريم الربا وفي نظام الكفارات والصدقات والنذور والعارية والقرض الحسن والهبة والمنحة والوقف والضيافة وتوزيع الاراضي وغير ذلك.

نظام اقتصادي متفرد

والنقود رؤوس اموال يتجر بها لا فيها ووظيفتها انها وسيلة للتبادل في الاموال وهي كل ما له قيمة، فالثمن معيار الاموال فيه تعرف قيمتها في التبادل لان للمال في الإسلام فلسفة خاصة تختلف عن أي نظام اقتصادي آخر، ففي النظام الماركسي نجد الملكية للدولة، ولذلك منعت الملكية الخاصة، وفي النظام الرأسمالي الملكية للفرد، يملك المال ويعطيه من يشاء ويوزعه على من يشاء وينفقه كيف يشاء، ولذا وجدنا رجلاً في أوروبا ترك الملايين لكلبه، فالحرية في الاقتصاد الرأسمالي حرية مطلقة، وإذا وجدت ملكيات عامة للدولة، فهذا مما يخالف النظام الرأسمالي، ولقد رأى بعض الناس انهيار النظام الماركسي، فاتجهوا الى النظام الرأسمالي، مع أن النظام الماركسي لا يختلف عن النظام الرأسمالي من حيث العيوب، فظهور الماركسية كان بسبب العيوب الموجودة في الرأسمالية، ولكن الماركسية جاءت أسوأ، أما المال في الإسلام فإنه يختلف عن كلا النظامين السابقين، فالملكية لله عز وجل: “وآتوهم من مال الله الذي آتاكم” النور:،33 وأعطانا المال وبين لنا كيف ننفقه “وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه” (الحديد:7) أي أننا ننفق من هذا المال تبعاً لنظرية الاستخلاف، وهذه النظرية تعني أن ملكية المال لله سبحان، كما يريد المستخلف مثل الوكيل يتصرف كما يريد الموكل، فالفرد في الإسلام له حرية التصرف والمنفعة بالمال في حدود الضوابط التي تتفق مع الشريعة، ومادام المال ملكاً لله فلا بد أن يجمع بالطريق الذي يريده الله سبحانه وتعالى، ويوزع بالطريقة التي يريدها، لهذا وجدنا الإسلام قد بين وسائل كسب المال فحرم الربا، وأباح شركات المضاربة وأنواع الشركات الأخرى المختلفة طالما لا تتعامل في حرام، كما حرم الاحتكار والغش وأكل أموال الناس بالباطل، بحيث يكون الكسب حلالاً طيباً، وهناك حقوق للآخرين في هذا المال كالزكاة والصدقة ونفقات الأقارب، وهذا لا نراه في أي نظام اقتصادي آخر، وبعد الكسب والتوزيع نجد الاستهلاك فصاحب المال والمستخلف فيه من الله ليس له أن ينفق من هذا المال إلا بقدر حاجته “إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين” الإسراء:،27 فيحرم عليه أن يبذر، فالمال في الإسلام إذاً، يجمع بالطرق الحلال وينفق في الحلال.

وقد يدهش كثير من الناس عندما نقول إن الاقتصاد والمال أساس هذا الدين، إن القرآن الكريم يقول: “المال والبنون زينة الحياة الدنيا” الكهف:،46 ويقول: “وأمددناكم بأموال وبنين” الإسراء:6.

يقول الشيخ الغزالي يرحمه الله : إن الفقر لا يقيم دولة ولا أمة ولا ينصر دولة وقلة ذات اليد لا تحمي شعباً، وحتى تنهض الأمة وتقوى، لابد من وجود المال والبنين،إن الإسلام دين عظيم يقول للإنسان أنت سيد مستقبلك أنت صانع مستقبلك في الدنيا والآخرة نبي الله يوسف عليه السلام كان عفيفاً نظيفاً وعندما طلب الولاية على خزائن الأرض لم يقل للملك اجعلني على خزائن الأرض لأني نظيف عفيف وإنما قال له: “إني حفيظ عليم” وذلك من مقومات العمل في الاقتصاد والمال.

المعيشة الضنك

والاقتصاد الإسلامي ليس مجرد بنوك إسلامية، كما يظن بعضهم، ولكنه كل التوجيهات الإسلامية المتعلقة بالمال والمعيشة وتطبيقها في حياتنا، وهذه التوجيهات تدخل فيها العبادات مثل الزكاة، وهي المؤشر للجانب الاقتصادي في الإسلام، وعندما نقول مؤسسة اقتصادية إسلامية نقصد بذلك مؤسسة تطبق كل توجيهات القرآن فيما يتعلق بالمال، وإذا كان المسلمون اليوم يعيشون أزمة اقتصادية طاحنة أدت إلى تخلفهم وتأخرهم، فإن تطبيق منهج الاقتصاد الإسلامي بمفهومه الصحيح كفيل بالقضاء على هذه الأزمة الاقتصادية والنهوض بالمسلمين، فاليهود اليوم وهم قلة قليلة يسيطرون على معظم المؤسسات المالية في العالم كله لأنهم يخططون جيداً ويعرفون ماذا يفعلون.

ان تطبيق المنهج الاقتصادي الإسلامي يضمن تحقيق النهوض الاقتصادي في المجتمعات الإسلامية، لان النظريات الاقتصادية الرأسمالية والاشتراكية فشلت في تحقيق تقدمنا الاقتصادي، وأصبح ضرورياً إفساح المجال للتجربة الإسلامية.

والنتيجة الحتمية للبعد عن المنهج الإلهي في حل مشكلاتنا هو تحقيق قوله تعالى: “ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً” طه:،124 ونحن نعاني اليوم صوراً متعددة للمعيشة الضنك فالأغنياء يعانون من كثرة أموالهم لدرجة أنهم أصبحوا عبيداً لثرواتهم، والفقراء يزدادون فقراً ويعانون من عدم القدرة على تلبية حاجاتهم، ولا مخرج لنا من هذا الوضع المأساوي سوى بالعودة الى المشروع الحضاري الاسلامي.

 

للرد أو التعليق على أي نص ينشر في موقع "الخليج" في المجالات كافة: alkhaleej@alkhaleej.ae