نظرية الظروف الطارئة في العقود

د. عبد القادر ورسمه غالب

 

نظرية الظروف الطارئة في العقود (ان اكسبكتد سيركمستناسس) تعود لفترة قديمة بسبب تشعب العقود وتعقد الأمور التي تتناولها وأيضا حاجتها لفترات زمنية طويلة لتنفيذ الالتزام. ولقد بدأ التعامل مع نظرية الظروف الطارئة استنادا الي مضمون قاعدة "تغير الظروف". وقاعدة تغير الظروف تقوم علي أن العقد به شرط ضمني يجعل بقاء العقد واستمراره منوطا ببقاء نفس الظروف التي تم التفاوض ثم ابرام العقد في ظلها. وهذا يعني أنه اذا تغيرت هذه الظروف للدرجة التي تجعل تنفيذ العقد فيها مرهقا لأحد الاطراف فانه، وبسبب تغيير الظروف، فلا بد من تعديل أو تغيير العقد ليزول عنه الحيف الناشئ من هذا التغيير المفاجئ والذي لم يكن في حسبان المتعاقدين وقت ابرام العقد.. والشريعة السمحة، في هذا الخصوص، وضعت أسسا جوهرية منها "الضرر يزال" و "الضرر يدفع بقدر الامكان" و "لا ضرر ولا ضرار" وغيره من المبادئ الثابتة.

ان نظرية الظروف الطارئة تعد حالة استثنائية بالنسبة للقوة الملزمة للعقد ولإرادة أطرافه، والتي تستمد وضعها وقوتها وسندها من المبدأ القائل "أن العقد شريعة المتعاقدين" ووفقا للشروط والضوابط المعينة التي يتفق عليها أطراف العقد .. ولا بد من الاشارة هنا، الي أن نظرية الظروف الطارئة تختلف تماما عن نظرية القوة القاهرة (فورس ماجيير) لأن الأخيرة تتمثل في استحالة تنفيذ الالتزام في العقد، بينما الأولي تعود الي أن الظروف تجعل تنفيذ الالتزام في العقد مرهقا وليس مستحيلا، وفي هذا فرق كبير..

ولتطبيق نظرية الظروف الطارئة فان القوانين السارية في معظم الدول تتضمن نصا فحواه (... اذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب علي حدوثها أن تنفيذ الالتزام، وان لم يصبح مستحيلا، صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للقاضي طبقا للظروف وسد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق الي الحد المعقول، ان اقتضت العدالة ذلك، ويقع باطلا كل التزام علي خلاف ذلك). وسد الموازنة أو اعادة التوازن الذي تنص عليه القوانين، يتم بواسطة المحكمة وذلك اما بوقف تنفيذ العقد أو فسحه، وذلك تحقيقا للعدالة ومبادئها السمحة خاصة وأن ما حدث حالة استثنائية ولم يكن في مقدور أطراف العقد توقعها..

وبموجب الأحكام الواردة في النص المشار له أعلاه، ينقضي تنفيذ الالتزام إذا أثبت الطرف "المدين" أن الوفاء بتنفيذ هذا الالتزام أصبح مستحيلا عليه لسبب أجنبي خارجي لا يد له فيه من قريب أو بعيد، وأيضا لم يسبق توقعه بأي حال من الأحوال. ووفق النص، ففي العقود الملزمة للجانبين إذا انقضى تنفيذ الالتزام بسبب استحالة التنفيذ، انقضت مع هذا الوضع الالتزامات المقابلة له ويتم فسخ العقد لهذا السبب. وإذا تم فسخ العقد تتم اعادة أطرافه المتعاقدة إلى الحالة التي كانت قبل العقد، خاصة وأن استحالة التنفيذ تدخل العقد في دائرة الفسخ. وفسخ العقد هنا يعني زواله لاستحالة التنفيذ لسبب أجنبي لا يعزى إلى الطرف "المدين" باي حال من الأحوال.

إن العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق أطراف العقد أو للأسباب التي يقررها القانون. وهناك استثناء لهذه القاعدة مضمونه، أنه وفي الحالات التي تظهر فيها حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الإلتزام التعاقدي وإن لم يصبح مستحيلا الا أنه يصبح "مرهقا" للطرف المدين بحيث يهدده بخسارة فادحة مبينة. وعند حدوث مثل هذه الحالات، فانه يجوز للقاضي وتبعا للظروف الطارئة المستجدة وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين، أن يرد الإلتزام المرهق إلى الحد المعقول ويقع باطلا كل اتفاق بين الأطراف على خلاف ذلك.

ببساطة هذا يعنى، أنه عند تبدل الظروف التي تم التعاقد فيها تبدلا غير من مجمل الأوضاع القائمة تغييرا " كبيرا" لأسباب طارئة عامة لم تكن متوقعة وأن تنفيذ الالتزام أصبح يلحق بالملتزم خسائر جسيمة غير معتادة مع مراعاة أن ما حدث لم يكن نتيجة تقصير أو إهمال منه، فانه يحق للقاضي في مثل هذه الحالات، وعند التنازع بين الأطراف، تعديل الحقوق والتزامات العقد كما يجوز له أن يفسخ العقد إذا رأى أن فسخ العقد هو الوضع الأسهل والأصلح للعدالة...

من هذا الوضع، يتبين أنه يجوز للمحاكم وبسبب حدوث الظروف الطارئة التدخل لوقف العقد أو تعديله أو حتي فسخه... وذلك تحقيقا لمبادئ العدالة القانونية والطبيعية بين الأطراف المتعاقدة بل ولكافة أطراف المجتمع الذي يتطلع للعدالة والعيش في رحابها والشعور بها.