من مسؤوليات المدير العام للشركة

د. عبد القادر ورسمه غالب

 

من مسؤوليات المدير العام للشركة

يكون المدير العام للشركة في أحسن علاقة مع رئيس وأعضاء مجلس الادارة، ويحصل علي ثقتهم الكاملة للدرجة التي تمكنه من تنفيذ مهامه القيادية علي أحسن وجه في الشركة وحواليها وخارجها. ولكن فجأة يتم فصل هذا المدير العام أو يطلب منه أو يرغم علي تقديم استقالته حفظا لماء الوجه أو العلاقة القديمة أو غيره من الأسباب الخفية. ومثل هذا  القرار المفصلي الهام يحدث كثيرا بل وفي أكبر الشركات وأعرقها، والأمثلة كثيرة ومعروفة.. والدراسات توضح أن انهاء الخدمة المفاجئ، لهذه الفئة، في تزايد مستمر ومقلق.

هذا "القرار الفاصل" أو الموقف المفاجئ من مجلس ادارة الشركة قد يتضح لاحقا أنه بسبب الاكتشاف المفاجئ لممارسات قد تبدو بسيطة لكنها غير سليمة وغير أخلاقية أو قد تكون تجاوزات ادارية صغيرة لكنها مقلقة وتلقي بظلال سوداء علي نوع الشخصية ومدي أمانتها ومقدار ولائها ونقاءها الداخلي.. خاصة وأن هذا المدير العام يظل في ممارسة الأخطاء والتجاوزات مع الحرص التام علي أن يقوم بها في الخفاء والظلام والكتمان المتعمد.

هناك دراسة هامة في الولايات المتحدة الأمريكية في الآونة الأخيرة وجدت الكثير من المتابعة الاعلامية. وهذه الدراسة تمت بخصوص القاء الضوء علي التصرفات الشخصية للقادة التنفيذيين للشركات والعلاقة بين المدير العام من جهة ومجلس الادارة من الجهة الأخرى. لسوء الحظ، تبين أن  34% من هؤلاء المدراء  يكذبون في التقارير التي يقدمونها لمجالس الادارة والمساهمين خاصة في العديد من الأمور والمسائل التي تخصهم شخصيا وتعود لذواتهم.

ومن هذه الحالات مثلا، وفق الدراسة الأمريكية المذكورة، تبين أن أكثر من 20% أخفوا العديد من الممارسات الجنسية والمخلة بالآداب والسلوك القويم مع الزملاء أو العاملين في الشركة أو الاستشاريين الخارجيين أو أصحاب المقاولات والموردين للشركة.. وتبين أن هناك من يقوم بتغطية أخطاء المقربين له في الشركة تحقيقا للمحاباة التي تعود لفائدتهم الذاتية، ومن يخفي تزوير أو تغيير بعض المستندات والبيانات، أو ممارسة الكذب في تقديم بعض المعلومات للشركة أو المرتبطين بها من عملاء وغيرهم، أو من يخفي قيادته تحت تأثير الكحول، أو شكاوي زوجته أو غيرها للشرطة بسبب العنف أو المشاجرات.. وغير هذا من الأمور التي قد تفضح سوء الشخصية والسلوك أو عدم توازنها للدرجة التي تخل من قيامها بواجبها القيادي الموكول لها علي الوجه الأكمل.

تبين من هذه الدراسة أن مجلس ادارة الشركة، وفي أغلب الحالات، هو آخر من يعلم بهذه التجاوزات والممارسات المخالفة للإجراءات والقانون وقواعد السلوك وحوكمة الشركات وما يرتبط بها من ضرورة توفر حسن الخلق وسمو النفس وتمثيل دور القائد "القدوة" لكل من يعمل في الشركة ويرتبط بها... وقد تتأثر سمعة ومكانة الشركة وتتضرر كثيرا، ولكن مجلس الادارة في غياب تام لأنه لا يعلم أو قد يعلم متأخرا... وكرد فعل يأتي مجلس الادارة بالخطوة السريعة المدوية الخاصة بالعزل والاقالة الفورية من المنصب القيادي. وبالطبع لهذا انعكاسات وخيمة قد لا يزيلها الزمن القريب. فأين مكمن الخطأ هنا ؟ ومن هو المسؤول؟

قد لا تنطبق الأمثلة المذكورة أعلاه علي منطقتنا بصفة مباشرة لكن هنا أيضا توجد مخالفات ادارية قانونية وممارسات غير سليمة من البعض. وفي مثل هذه الحالات وما يشابهها، فان هذا المدير العام يعتبر المسؤول الأول لأنه ارتكب وتعمد ارتكاب الأخطاء في الخفاء المظلم. ومجلس الادارة والمساهمون، ايضا، يتحملون المشاركة في هذه الأخطاء التي ما كان لها أن تتم لو كانت القواعد الاجرائية موجودة وبصورة واضحة ويعلمها الجميع ويسير وفقها، وما كان لها أن تتم لو كانت هناك المتابعة اللصيقة القريبة المتميزة بحسن المراقبة والرقابة الواعية..

ونقول، للحد من هذه الممارسات وتقويما للعمل المؤسسي، هناك اجراءات قانونية عديدة لا بد من توفرها مع حسن تطبيقها علي الجميع دون فرز من القمة للهرم، وهناك اجراءات لتمكين الرقيب من مراقبة التطبيق السليم بعيدا عن الذاتية والأنانية الفردية، وهناك أيضا اجراءات لتأهيل وجذب العاملين في الشركة للمشاركة في الرقابة وتقديم الاشارة الحمراء ونفخ الصافرة للتنبيه في الوقت المناسب..

ان وجود القواعد والاجراءات السليمة والضوابط الأخلاقية والمهنية من الأمور الهامة جدا لتأسيس نظام اداري سليم في كل مكان وكل زمان وفي كل شركة أو مرفق. واضافة لهذا لا بد من تفعيل هذه الاجراءات والقواعد وتطبيقها تطبيقا سليما موزونا، ولا بد من الرقابة والمراقبة السابقة واللاحقة.. علي أن يشترك الجميع في هذا ويقدمون أنفسهم للبذل والتفاني وعلي رأسهم يجب أن نجد قائد المسيرة الادارية الذي يتبوأ منصب القيادة "المدير العام"، ومعه وقبله في هذا من قام بتعيينه وأيضا من يشاركه في تنفيذ مهامه، وليقف الجميع كالبنيان القوي.. واذا كان جدار البنيان متماسكا ويقوم علي أساس صلب وثابت فانه بالطبع سيصمد في وجه كل الأعاصير وتقلب الأيام.. وخير من استأجرت  لنا "القوي ألأمين" الذي يعمل في كل الأوقات بوازع من ضميره القوي الأمين في السر وفي الخفاء وفي الصغيرة وفي الكبيرة، وعلي نفسه قبل الآخرين. ونتطلع لهذا ليرتقي العمل المؤسسي وتسود المؤسسية في وجه الفردية. ولهذا تهدف وتتطلع حوكمة الشركات التي يجب أن نقتبسها ثم ننتهجها فعليا وعمليا لمصلحة الشركة ثم المجتمع..