القوة القاهرة في العقود

د. عبد القادر ورسمه غالب

القوة القاهرة، أو ال "فورس مجير"، من المصطلحات المهمة جدا في العقود خاصة الكبيرة. وهذه الفقرة تحتاج لعناية خاصة وصياغة خاصة جدا حتي تفي بالغرض، ومن المستحسن اعداد الصياغة بطريقة تعالج ظروف الحالة المتعاقد عليها والابتعاد قدر الامكان من القطع واللصق من العقود الأخرى، ولكل حالة لبوسها وظروفها الخاصة بها ولذا فان الصيغ النموذجية قد لا تفي بالغرض ولا تعالج الموضوع بصفة مباشرة. ولذا لا بد من الحذر عند صياغة الفقرة الخاصة بالقوة القاهرة.

وفي الأساس فان "القوة القاهرة" تحدث بسبب أجنبي خارجي لا علاقة لأطراف العقد به. وهذا السبب الأجنبي الخارجي لا يمكنتوقعه، ولا يمكن أيضا دفعه لأنه خارج مقدرة وارادة الأطراف. ومن الأمثلة العامة للقوة القاهرة نذكر، البراكين والفيضانات والزلازل والكوارث الطبيعية الطارئة والحروب والامراض الوبائية الخطيرة... فمثلا، إذا وقع زلزال منع من تنفيذ الالتزام المتفق عليه في العقد،فلا يمكن المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي نتج عن ذلك؛ لأن عدمالتنفيذ لا يرجع إلى خطأ أو غيره وإنما بسبب حدوث "القوة القاهرة" التي تتمثل في الزلزال.

في بعض الحالات، قد تنشأ القوةالقاهرة عن فعلالإنسان بنفسه. وكمثال لهذا، الثورات الشعبية والاضرابات الجماعية عن العمل والعصيان المدني.. أو السرقات المسلحة والعنف الجماعي. وقد تكون القوة القاهرة بسبب بعض الاجراءات القانونية التي تقوم بها السلطات الرسمية، كأن تقوم الدولةبنزع الملكية، أو المصادرة، أو أوامر السلطات الحكومية الأخرى كالزيادة الفجائية العالية للأسعار. وتسمىالقوة القاهرة في مثل هذه الحالات تدخل أو "فعل الدولة" أو "فعل الأمير".

قانونا، هناك عناصر يجب أن تتوفر لحدوث القوة القاهرة منها، عدم إمكانية توقع ما حدث. فالحادثالمتوقع لا يعد قوة قاهرة بأي حال من الأحوال. ومعيار عدم التوقع هنا معيار موضوعي يتطلب أنيكون عدم التوقع مطلقاً. فمثلا، في بلدان "حزام الزلازل" والبراكين، فان حدوثها متوقع في أي لحظة وعليه فان حدوثها قد لا يعد وبصفة مطلقة "قوة قاهرة". ولذا يجب الحذر وأخذ هذه النقطة في الاعتبار، وفي اليابان مثلا تم تطوير المباني وكافة الانشاءات بطريقة تجعلها تقاوم الزلازل أو تقلل من آثارها الضارة للحد البعيد. ومن هذا الواقع، علي شركات المباني والانشاءات في اليابان أن تعمل علي تطوير أعمالها وفق المستجدات الهندسية الحديثة ولا تزعن في جميع الأوقات بأن الزلازل تعتبر قوة قاهرة لأنها ربما تواجه مشاكل قانونية تتعلق بكنه ومعني ومتطلبات القوة القاهرة بسبب التجارب التراكمية في هذا الخصوص والتي يجب علي الجميع في اليابان الاستفادة منها..

اضافة لعدم امكانية توقع ما حدث، فيجب أيضا استحالة دفع الحادث، أي أن الحادث يستحيل دفعه لأنه خارج طاقة ومقدرة أطراف العقد. ومعنى هذا، أنالحادث يجب أن يؤدي إلى استحالة تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة ليس بالنسبة لطرفالعقد وحده وإنما بالنسبة لأي شخص آخر يكون في مثل وضعه. كذلك يجب أن يكون الحادث خارجيا وبسبب أجنبي. فإذا تسبب الطرف في حدوثه فانه لا يعد من القوة القاهرة ومن ثم لا يعفي من المسؤولية

من الآثار القانونية للقوة القاهرة، فان حدوثها يمكن أن يقود إلى الإعفاء من تنفيذ الالتزام نهائياً، أو إلى وقف تنفيذ الالتزام حتي زوال الحادث الذي تسبب في احداث القوة القاهرة. وهذا بالطبع وفقا لظروف كل حالة علي حدة.وإذا تبين للمحكمة توافر شروط القوة القاهرة، يجب عليها أن تحكم بانقضاء "ديسجارج أوف كونتراكت" أو نهاية التزام المدين بسبب القوة القاهرة، ولا يجوز في مثل هذه الحالات أن تحكم عليه بدفع تعويض للدائن نتيجة الضرر الذي لحق به بسبب عدم تنفيذ المدين لالتزامه كما ورد في العقد  بين الأطراف المتعاقدة.

عند تطرقنا لأحكام نظرية الظروف القاهرة والآثار القانونية المترتبة علي حدوثها، فانه يجب أن لا نخلط بينها وبين "نظرية الظروف الطارئة" أو حدوث الحادث الفجائي، لأن حدوث القوة القاهرة يتسبب في استحالة تنفيذ الالتزام الوارد في العقد ولذا يعفي من المسؤولية القانونية. بينما كل الظروف الأخرى، ومهما تعددت أشكالها وأنواعها ومسمياتها، فإنها تجعل التنفيذ مرهقا وليس مستحيلا، ولذا فان حدوثها لا يعتبر اعفاء عن تنفيذ الالتزام التعاقدي.. وبالرغم من أن الخيط الذي يفصل بين كل هذه الحالات يعتبر خيطا رفيعا وضعيفا، الا ان التفرقة أمر هام جدا ويجب التمييز بين كل الحالات والتأكد من حالة القوة القاهرة، التي تعفي من المسؤولية لانتهاء الالتزام لاستحالة التنفيذ وفق الشروط والمتطلبات الواردة في العقد المبرم بين الأطراف المتعاقدة ...