العقود التجارية المسماة

د. عبد القادر ورسمه غالب

تنظم قوانين التجارة العمليات التجارية ومختلف العلاقات التجارية مع التاجر ومن هو التاجر وما هي مسؤولياته مع الطرف الآخر، العلاقة بين البائع والمشتري، وهذا التنظيم هام من عدة نواحي أهمها الناحية القانونية التي تتناول تقنين هذه العلاقات وما ينشأ عنها وما يترتب عليها.. والعمل التجاري، في حقيقته، يتم بين الأطراف وتنشأ بسببه علاقة تعاقدية يحمكها القانون. والعقود التي تنشأ بسبب العلاقة التجارية متعددة ومن ضمنها نجد ما يسمي بالعقود التجارية المسماة. 

وهذه النوعية من العقود المسماة متعددة، وسنتناول بعضها بالتفاصيل الضرورية. وأول العقود التجارية المسماة، هو ما يطلق عليه أو يعرف بعقد "البيع التجاري". وهذا البيع ينحصر في البيوع التي يعقدها التجار فيما بينهم لشئون تتعلق بالتجارة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

"وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ".. وقانونا، فان "البيع" عقد يلتزم بموجبه البائع ان ينقل ملكية شيء لطرف آخر ، المشتري، وذلك في مقابل ثمن نقدى في أغلب الحالات. فاذا كان المقابل نقدا وعينا، فانه يجب ليتم اعتبار العقد بيعا ان يكون المقابل النقدي أكبر من المقابل العيني.   

وهناك شروط أخري تتعلق بالبيع التجاري، من ضمنها، أنه يجب ان يكون المشترى عالما بالبيع علما كافيا. ويعتبر العلم كافيا اذا اشتمل العقد على بيان المبيع وأوصافه الأساسية بيانا يمكن من تعرفه بسهولة. وإذا ذكر في عقد البيع أن  المشتري عالم بالمبيع، سقط حقه في نفي هذا الواقع.  

واذا تم الاتفاق، بين البائع والمشتري، على أن يكون للمشترى تحديد المبيع أو حجمه أو غير ذلك من الصفات المميزة له، فانه يجب علي المشتري أن يقوم بهذا التحديد في الميعاد المتفق عليه أو في الميعاد المناسب عند عدم الاتفاق على ميعاد معين والا جاز للبائع أن يطلب الفسخ والتعويض. ويجوز للبائع، بعد انقضاء الميعاد، تحديد صفات المبيع. ويعتبر هذا التحديد نهائيا اذا لم يعترض عليه المشترى خلال خمسة عشر يوما من تاريخ اخطاره به.  

 وإذا كان البيع بيع عينة - بالعينة – فانه يجب أن يكون المبيع مطابقا لهذه العينة. واذا تلقت – العينة - أو هلكت في يد أحد المتعاقدين ولو دون خطأ كان على هذا المتعاقد بائعا أو مشتريا أن يثبت أن الشيء مطابق للعينة أو غير مطابق لها.   

 قد يشترط المشتري التجربة، وفي هذه الحالة أي البيع وفق "شرط التجربة" يجوز للمشترى أن يقبل المبيع أو يرفضه بعد التجربة. وفي جميع الأحوال، يجب على البائع أن يمكن المشتري من التجربة. وإذا رفض المشترى المبيع، بعد التجربة، يجب عليه أن يعلن البائع بالرفض في خلال المدة المتفق عليها. وإن لم يكن هناك اتفاق على المدة فيجب أن يتم هذا الأمر في خلال مدة معقولة يعينها البائع. وإذا انقضت هذه المدة وسكت المشترى مع تمكنه من تجربة المبيع أعتبر سكوته هذا قبولا من ناحيته. ويعتبر البيع وفق "شرط التجربة" معلقا على شرط واقف هو قبول المبيع إلا اذا تبين من الاتفاق أو الظروف أن البيع معلق على شرط فاسخ.  

وإذا كان المبيع وفق "شرط المذاق" كان للمشترى أن يقبل المبيع ان شاء ولكن عليه، في نفس الوقت، أن يعلن هذا القبول في المدة التي يعينها الاتفاق أو العرف (التجاري السائد في هذه التجارة) ولا ينعقد البيع إلا من الوقت الذى تم فيه هذا الاعلان.   

 وبالنسبة لتقدير الثمن الذي يجب أن يدفعه المشتري في مقابل المبيع، فانه يجوز أن يقتصر هذا التقدير على بيان الأسس التي يحدد بمقتضاها فيما بعد. وإذا تم الاتفاق على أن يكون البيع وفق "سعر السوق" تعين الثمن بهذا السعر في الزمان والمكان اللذين تم فيهما العقد، مالم يقض الاتفاق أو العرف التجاري علي غير ذلك.  

وإذا لم يحدد المتعاقدان الثمن، انعقد البيع بالسعر الذى جرى عليه التعامل بينهما، فان لم يكن بينهما تعامل انعقد البيع بالسعر المتداول في السوق وذلك ما لم يتبين من الظروف أو من العرف التجاري وجوب اعتماد سعر آخر للمبيع.  

هذا ويجوز للأطراف تفويض الغير في تعيين ثمن المبيع، فاذا لم يقم الطرف المفوض بتعيين تمن المبيع في الميعاد المحدد له أو في الميعاد المناسب عند عدم التحديد، فانه يجب اعتماد السعر المتداول في السوق في الزمان والمكان اللذين تم فيهما العقد. وفي آخر الأمر، اذا تعذرت معرفة سعر السوق فانه يتم تعينه بواسطة المحكمة المختصة.  

 وإذا كان الثمن مقدرا على اساس "الوزن" فالعبرة في هذه الحالة بالوزن الصافي الا اذا تم الاتفاق أو جرى العرف التجاري على غير ذلك. مع العلم أنه في هذه الحالة، لا يعتد عند تسليم المبيع بما يطرأ عليه من نقص يقضى العرف التجاري الساري بالتسامح فيه... "وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ..." صدق الله العظيم.

هناك تفاصيل أخري عديدة خاصة بالتسليم ومواعيده ومتطلباته وشروطه الأخرى، وللأهمية سنتطرق لهذه التفاصيل في مقال خاص..

---------

 تكملة لما ذكرناه في المقال السابق عن العقود التجارية المسماة، ووفقا لأحكام قانون التجارة، نشير الي أنه يجب أن يكون المشتري عالما بالمبيع علما كافيا وأن يكون هذا العلم كافيا للدرجة التي تجنب الجهالة والغرر وما قد ينجم عن هذا من مسائل قانونية حساسة. ومن المتطلبات القانونية الأخرى، اذا كان البيع "بالعينة" وجب أن يكون المبيع مطابقا لها. واذا كان بشرط التجربة أو المذاق أو الحجم أو الوزن.. فان البيع يجب أن يتم وفقا لذلك الشرط وكما هو مطابق للأحكام التي حددها القانون.     

من المسائل الهامة جدا، في العقود التجارية المسماة، ان يتم الاتفاق بين البائع والمشتري علي تحديد سعر وثمن البضاعة أي المكون الثالث للعقد وهو "المقابل" اضافة للعرض والايجاب حتي تكتمل أركان العقد. ووفق القواعد القانونية، أنه في حالة لم يحدد المتعاقدان السعر المقابل، لأي سبب، انعقد البيع بالسعر الذي جرى عليه التعامل بينهما فإن لم يكن بينهما تعامل سابق انعقد البيع بالسعر المتداول في السوق، وذلك ما لم يتبين من الظروف أو من الأعراف التجارية السائدة أنه يجب اعتماد سعر آخر... وفي بعض الحالات قد يفشل الأطراف في تحديد السعر المقابل، وفي مثل هذه الأوضاع يجوز تفويض الغير (وغالبا يكون طرف ثالث متخصص وله خبرة) ليقوم نيابة عنهم بتعيين ثمن المبيع، أو اعتماد السعر المتداول في السوق في الزمان والمكان الذين تم فيهما العقد. وأيضا، في آخر المطاف وبعد استنفاذ البدائل، يجوز للمحكمة المختصة تحديد السعر المقابل إذا تعذر معرفة سعر السوق للمبيع. وبالطبع كل هذه البدائل مطروحة حتي يتم التوصل الي تحديد المقابل أي سعر ثمن المبيع لتكملة العقد أو العملية التجارية، وبما يرضي أو يغطي رغبة البائع والمشتري.   

إذا اتفق الأطراف على تسليم المبيع في "دفعات" مجزأة يجوز للمشتري أن يفسخ العقد إذا لم يقم البائع بتسليم إحدى الدفعات في الميعاد المتفق عليه. ولا يسري الفسخ على الدفعات التي تم تسليمها إلا إذا حدث ضرر جسيم للمشتري. وقد يهلك المبيع قبل التسليم في المكان المتفق عليه، وإذا قام البائع بناء على طلب المشتري بإرسال المبيع إلى غير المكان المحدد لتسليمه كانت تبعة الهلاك على المشتري من وقت تسليم المبيع إلى من يتولى نقله. واذا خالف البائع، تعليمات المشتري بشأن طريقة النقل فانه يكون مسؤولا عن الأضرار التي قد تلحق بالمبيع. وعلي المشتري تحمل النفقات لتسليم المبيع في غير المكان المتفق عليه، اضافة الي أن جميع المصروفات التي يقتضيها تسليم المبيع وتكون علي حساب المشتري. واذا هلك المبيع قبل التسليم لسبب لا يد للبائع فيه انفسخ البيع واسترد المشتري الثمن الا اذا كان الهلاك بعد اعذار المشتري لتسليم المبيع. وفي حالة لم يدفع الثمن في الميعاد المتفق عليه يجوز للبائع، بعد اعذار المشتري، أن يعبد بيع البضاعة لطرف آخر. 

وإذا تم بيع البضاعة وبحسن النية بثمن أقل من الثمن المتفق عليه كان من حق البائع مطالبة المشتري بفرق السعر، وذلك استنادا لعقد البيع المتفق عليه بينهما ولم يفلح المشتري في سداد الثمن. واذا كان للبضاعة سعر معلوم في السوق فانه يجوز للبائع، ولو لم يقم بالبيع فعلا، أن يطالب المشتري بالفرق في الثمن المتفق عليه وسعر البضاعة في السوق في اليوم المحدد لدفع الثمن. 

 أما إذا رفض المشتري تسلم المبيع جاز للبائع إيداعه عند "أمين" وبيعه بالمزاد العلني بعد انقضاء مدة معقولة يحددها ويخطر بها المشتري دون إبطاء. مع العلم أنه، يجوز بيع الأشياء القابلة للتلف السريع بالمزاد العلني دون إخطار مسبق. وفي مثل هذه الحالة، اذا كان للمبيع سعر معلوم في السوق جاز بيعه بهذا السعر. وعلي البائع ايداع حصيلة البيع بالمحكمة حتي يسوي النزاع بينه وبين المشتري وذلك دون اخلال بحقه في خصم الثمن ومصروفات الايداع والبيع. 

وإذا تبين بعد تسليم المبيع أن كميته أو صنفه أقل مما هو متفق عليه أو أن به عيبا أو إنه غير مطابق للشروط أو العينة التي تم التعاقد بمقتضاها فانه لا يحق للمشتري أن يطالب بفسخ العقد إلا إذا نشأ عن النقص أو العيب أو عدم المطابقة عدم صلاحية المبيع للغرض الذي أعده له المشتري أو صعوبة التصرف فيه ما لم يوجد اتفاق أو عرف بوجوب الفسخ ويكتفي عند الرفض طلب الفسخ بإنقاص الثمن.

 ويجوز الاتفاق على إطالة المواعيد المنصوص عليها في الفقرة السابقة أو تقصيرها أو إعفاء المشتري من مراعاتها. وإذا تبين بعد تسليم المبيع للمشتري أن كميته تزيد عن المقدار المتفق عليه فلا يقضي للبائع باسترداد الزيادة إلا إذا رفض المشتري تكملة الثمن بعد إنذاره. 

يجوز للمشتري الذي دفع كامل الثمن أن يطلب من البائع (فاتورة) بالبضاعة تبين أن الثمن تم دفعه. ويجوز الاتفاق على إلزام المشتري بعدم النزول عن ثمن معين عند إعادة بيع السلعة التي يشتريها إذا كانت السلعة تحميها علامة تجارية مسجلة.

كما يتبين، فان القانون وضع العديد من التفاصيل التي تتناول كل الحالات التي قد تطرأ بين البائع والمشتري. والغرض من الاشارة لهذه التفاصيل في القانون هو تسهيل العقود التجارية وتقديم التقنين التفصيلي وفق الممارسات التجارية السارية والمتعارف عليها منذ أمد بعيد حتي استقرت بين التجار. وهكذا، يلعب القانون دورا هاما ومفصليا في تهيئة الجو المناسب لدعم التجارة والتجار.