أثر العقد المرهق

د. عبد القادر ورسمه غالب

القوة الملزمة لعقدك المبرم مع الطرف الآخر "العقد بين الأطراف" تتمثل في أن القانون ينص علي أن العقــد شريعة المتعاقدين. واستنادا علي هذا لا يجوز لأحد أطراف العقد أن يستقل بمفرده بنقض العقد أو تعديل أحكامه، إلا في الحدود التي يسمح بها العقد "الاتفاق" أو في الحدود التي يقضي ويسمح بها القانون. وكمبدأ، يجب الالتزام التام بتـنفيـذ العقـد طبقـا لمـا يتضمنه من أحكام، وبطريقة تتفق مع ما يقتضيه حسن النية وشرف التعامل. 

هذه هي الأحكام القانونية العامة التي توضح أن العقد الصحيح المبرم بين الأطراف يجب أن يكون نافذا، وليس حبرا علي ورق، لأن الالتزام الذي ينشئه العقد يصبح مساويا للالتزام الذي ينشئه القانون.  والأحكام القانونية التي تنظم العلاقة التعاقدية، لها آثار ايجابية هامة لأنها تدعم الأعمال التجارية والشخصية وغيرها، خاصة وأن النفوس تكون مستقرة ومطمئنة علي تنفيذ ما تم الاتفاق عليه مع الطرف الآخر. وهنا يبرز لنا بجلاء الدور الهام للقانون وأثره القوي في استقرار وتطور كل مناحي الحياة والمجتمع.

في بعض الحالات الشاذة، وأثناء تنفيذ العقد، قد تظهر بعض الظروف الطارئة التي لم تكن في الحسبان، أو لم يكن في الحسبان توقع مدي حجم وكثافة ما ينجم من الآثار الضارة الجسيمة بسبب هذه الظروف الطارئة التي تأتي من دون سابق ميعاد وتزلزل ما في ذهن وما في يد الأطراف من اتفاق وتعاقد. فما هو العمل؟ وما هو الموقف بالنسبة للطرف المتضرر؟ وماذا تفعل أنت اذا كنت طرفا في هذا الوضع الصعب المرهق تنفيذه لحد الدمار والخسران المبين. 

وما هو موقف القانون من مثل هذه الحالات الطارئة الاضطرارية الصعبة المواجهة؟ ان القانون وبصفة عامة، كما ذكرنا أعلاه، ينادي بتنفيذ بنود العقد المبرم بين الأطراف لما يتمتع به من قوة ملزمة يدعمها القانون ويقف خلفها. ولكن انطلاقا أيضا من مبادئ العدالة وحتمية توفيرها للجميع، ينص القانون المدني صراحة أنه إذا طرأت بعد ابرام العقد وقبل تمام تـنفيذه، ظروفا استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وقت إبرام العقد وترتب على حدوث هذه الظروف أن تـنفيذ الالتـزام الناشئ عن العقد، وإن لم يصبح مستحيلا، لكنه صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، فانه يجوز للقاضي بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتـزام المرهق إلى الحد المعقول، بأن يضيق من مداه أو يزيد في مقابله ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك. وهنا، يجب علينا التفريق بين "الظروف الطارئة" التي تجعل التنفيذ مرهقا و"الظروف القاهرة" التي تجعل التنفيذ مستحيلا.  

في الاجراء القضائي، الذي يلجأ له عندما يكون العقد مرهقا، يتم الحكم بتضييق مدي التنفيذ أو زيادة المال المقابل لتنفيذ العقد وفق الظروف الطارئة التي سببت الارهاق المرهق. وما ينص عليه القانون، عندما يصبح تنفيذ العقد مرهقا، فيه تمثيل حقيقي لروح ومبادئ العدالة التي تستوجب الموازنة بين أطراف العقد وبصفة خاصة عندما تحدث الظروف الطارئة التي تجعل تنفيذ العقد مرهقا للدرجة التي تتسبب في الخسارة والدمار التام. 

وفي الواقع، تدخلت المحاكم في العديد من مثل هذه الحالات، ونجد هذه القضايا مثلا بين الأطراف عند ارتفاع الأسعار أو ندرة المواد وشحها مع ضيق الزمن خاصة في عقود الانشاءات أو العقود طويلة الأمد أو المتعددة الالتزامات وغيره، وتدخل المحاكم يتم بموجب طلب الطرف المتضرر مما طرأ من وضع ومن أجل تقليل الشقة بين الأطراف وازالة المشقة عن الطرف المتضرر والي الحد المعقول الذي يقابل الارهاق في التنفيذ ... 

وهذا الاستثناء القانوني المباشر للقاعدة القانونية أعلاه، في نظرنا، يكمل ويثبت أهمية الدور الذي يلعبه القانون في استقرار التعاملات والمعاملات ودعم انسيابها بين الأطراف المتعاقدة التي تتطلع لرؤية المشروع الذي تم التوافق بحسن نية علي انشائه وليس الاختصام والصراع حوله وبما يعود بالضرر الجسيم للعلاقة بين الأطراف المتعاقدة وغيرهم من الجهات المرتبطة.

عليك أن تعلم، العقد شريعة المتعاقدين وواجب التنفيذ بالتمام والكمال، ولكن ظهور بعض الظروف الطارئة غير المتوقعة قد يجعل أمر التنفيذ مرهقا ومسببا للخسارة. واذا حدث هذا، يتدخل القانون ويمنح القضاء السلطة اللازمة للموازنة ولرد الالتزام المرهق للحد المعقول ليتم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه. ولكن ليس كلما يطرأ طارئ يكون الالتزام مرهقا، بل المقصود تلك الظروف الطارئة التي تقلب المواعين وتقود للخسائر الكبيرة والهلاك المبين للطرف المتضرر...