معايير الوساطة لتسوية المنازعات

د. عبد القادر ورسمه غالب

إن الوساطة (مدييشن) عملية فنية يقوم فيها طرف ثالث "محايد" و"مستقل" لتسهيل التواصل والتفاوض وتعزيز عملية اتخاذ "قرارات طوعية" من قبل الأطراف المتنازعة في مساعيهم المخلصة لتسوية النزاع القائم بينهما. وفي العادة، تؤدي الوساطة عدة أغراض من ضمنها منح الفرصة للأطراف المتنازعة للدرجة التي تمكنهم من "تحديد" و"توضيح" المسائل المتنازع عليها (نقاط النزاع) حتي يتم فهم وجهات النظر المختلفة وتحديد المصالح واكتشاف وتقييم الحلول الممكنة للوصول إلى اتفاق وحلول مرضية للطرفين، إذا رغبا في ذلك "... ان يريدا اصلاحا...".

في وقتنا الحاضر، يتم اللجوء إلى الوساطة لتسوية عدد كبير من المنازعات العامة والخاصة، وتم النجاح في العديد من الحالات. وهناك معايير فنية مهنية للوساطة يجب التقيد والالتزام بها لتكون الأساس في تشكيل المبادئ الأخلاقية للأشخاص الذين يقومون بمهمة الوساطة.  والأهداف العامة للمعايير الخاصة بالوساطة تتمثل في توجيه سلوك الوسطاء، وإطلاع الأطراف والجهات ذات الصلة بالوساطة، وتعزيز ثقة الناس في الوساطة كعملية فنية تتم من أجل تسوية المنازعات.

العديد من المراكز والمنظمات المهنية التي تعمل في مجال الوساطة أصدرت معايير يمكن أن نصفها بأنها معايير نموذجية خاصة بها وبمن ينضوي تحت لوائها. ولا بد أن نشير الي أن هذه المعايير الصادرة والخاصة بالوساطة، لا تتمتع بقوة القانون ما لم يتم اعتمادها من الجهات القانونية والمختصة ذات الصلاحيات. ولكن ومن الواقع المعاش، فان تبني واعتماد المعايير من قبل العديد من الهيئات يعمل علي تنبيه الممارسين من الوسطاء إلى حقيقة أن هذه المعايير ينظر إليها باعتبارها المعايير المؤسسية التي يمكن استخدامها من قبل الوسطاء.

من ضمن المعايير، أن الوساطة تقوم أساسا علي الخيار الذاتي للأطراف، أي رغبة الأطراف المباشرة في الوصول لتسوية النزاع عبر الوساطة. ولهذا، ينبغي على الوسيط أن يقوم بالوساطة على أساس الخيار الذاتي للأطراف، والخيار الذاتي يتمثل في حق الأطراف في اتخاذ قرار طوعي، يتخذه كل طرف بطريقة حرة ومطّلعة ويجوز أن يمارس الأطراف هذا الخيار في أي مرحلة من مراحل الوساطة، بما فيها اختيار الوسطاء وتصميم عملية الوساطة، والمشاركة فيها، أو الانسحاب منها.إن الخيار الذاتي مبدا أساسي في الوساطة، وقد يحتاج الوسيط للموازنة بين رغبة الأطراف وواجب الوسيط في تأمين جودة الوساطة طبقًا لهذه المعايير. 

 قد لا يستطيع الوسيط بنفسه من التأكد بأن كل طرف قد اتخذ خيارات حرة ومطّلعة للوصول إلى قرارات معيّنة لكن، ومتى أمكن ذلك، يجب عليه أن يُطلع الأطراف على أهمية استشارة مهنيين لمساعدتهم لاتخاذ قرارات مطّلعة.

على الوسيط ألا يقوّض ممارسة أي طرف في اتخاذ خياره الذاتي لأسباب قد يكون منها تحقيق مبالغ أعلى للتسوية أو الانحياز الذاتي للانا، أو زيادة الأتعاب أو الرضوخ للضغوط الخارجية من أفراد أو جهات إدارية أخرى أو وسائل الإعلام أو غيرها. 

وعلى الوسيط عدم قبول الوساطة إذا شعر انه لا يستطع تأديتها بشكل مستقل. والاستقلالية تعني التحرّر من المحاباة أو التحيّز أو التحامل ولذا عليه أن يجري الوساطة بشكل مستقل، وأن يبتعد عن السلوك الذي يظهره بمظهر المتحيز لأحد الأطراف.  وألا يتصرّف متأثراً أو منحازاً بسبب الشخصية أو الخلفية أو القيم أو المعتقدات أو الأداء أو أي سبب آخر يُظهره أي مشارك في الوساطة.وألا يعطي أو يقبل أي هدية أو خدمة أو قرضًا أو أغراضًا أخرى ذات قيمة تثير الشكوك حول استقلاله. وإذا شعر الوسيط في أي وقت انه لن يستطيع القيام بالوساطة بشكل مستقل، فينبغي عليه أن ينسحب.

وعلى الوسيط تفادى تعارض المصالح أو ما قد يفسر كتعارض مصالح خلال أو بعد الوساطة. وتعارض المصالح يمكن أن ينشأ عند ضلوع الوسيط في موضوع النزاع أو من أي علاقة بين الوسيط وأي مشارك في الوساطة، سواء في الماضي أو الحاضر، وعلى الصعيد الشخصي أو المهني، مما يثير الشكوك، بشكل معقول، حول استقلالية الوسيط.

يجب على الوسيط الاستفسار، وبشكل معقول، إذا كان هناك أية وقائع يعتبرها "الشخص المعقول" تخلق تعارض مصالح، محتمل أو فعلي للوسيط. مع ملاحظة أن ما يقوم به الوسيط من أعمال ضرورية للتحقق بشكل معقول عن تعارض المصالح المحتمل قد تختلف وفقا لإطارها العملي في كل حالة علي حدة. وعلى الوسيط أن يفصح، في أقرب فرصة مواتيه، عن حالات تعارض المصالح الفعلية والمحتملة التي عرفها ويمكن وبشكل معقول أن يُنظر إليها باعتبارها مثيرة للشكوك بشأن استقلالية الوسيط. ويجوز أن يستمر الوسيط في الوساطة، بعد الإفصاح عن مثل هذه الحالات، إذا وافق كل الأطراف على ذلك. وهنا، إذا علم الوسيط وبعد قبول الوساطة بأي واقعة قد تثير الشكوك بتعارض مصالح محتمل أو فعلي حول عمله، فعليه أن يفصح عنها في أقرب فرصة مواتيه، ويجوز أن يستمر الوسيط في الوساطة بعد الإفصاح عن هذه الحالات، إذا وافق الأطراف على ذلك.

إذا كانت مسألة تعارض مصالح الوسيط، وعند النظر إليها بشكل معقول، تؤدي إلى التشكيك في نزاهة الوساطة، فعلى الوسيط أن ينسحب أو يرفض متابعة الوساطة بغض النظر عن رغبة أو اتفاق الأطراف الصريح خلاف ذلك. وبعد انتهاء الوساطة، يتوجب على الوسيط ألا يقيم علاقة مع أي من المشاركين في الوساطة في أي موضوع قد يثير الشكوك بشأن نزاهة الوساطة. وإذا أقام الوسيط علاقة شخصية أو مهنية معهم أو مع أفراد أو مؤسسات أخرى ذات علاقة بالوساطة، فعليه أن يأخذ في الاعتبار عوامل مثل الوقت الذي مضى بعد الوساطة، وطبيعة العلاقة القائمة، والخدمات المقدّمة، و ذلك لتحديد ما إذا كانت هذه العلاقة قد تخلق تعارض مصالح فعلي أو مفترض.

من المعايير الهامة جدا في الوساطة توفر الكفاءة، وعلى الوسيط أن يقبل الوساطة فقط عندما يتمتّع بالكفاءة الضرورية لتلبية التوقعات المعقولة لدى الأطراف. ويجوز اختيار أي شخص كوسيط، شرط أن تكون الأطراف راضية عن كفاءته ومؤهلاته، وما له من التدريب والخبرة في الوساطة، والمهارات والمفاهيم الثقافية والصفات الأخرى، التي تكون في العادة ضرورية لبيان كفاءة الوسيط، ويتوقع من الشخص الذي يعرض قيامه بدور الوسيط أنّه ذو كفاءة للعمل بشكل فعّال.

توفر السرية والحفاظ عليها أيضا من المعايير الهامة في الوساطة. وعلى الوسيط الحفاظ على سرية كافة المعلومات التي يحصل عليها في الوساطة، ما لم يتفق الأطراف أو ينص القانون المطبق على خلاف ذلك. وإذا اتفق أطراف الوساطة على أنه يجوز للوسيط الإفصاح عن المعلومات التي يحصل عليها خلال الوساطة، فيجوز له القيام بذلك. وعلى الوسيط ألا يُطلع أي شخص غير مشارك في الوساطة على معلومات بشأن تصرّف الأطراف في الوساطة، وإذا لزم الأمر، يجوز للوسيط الإبلاغ عما إذا حضر الأطراف إلى جلسة الوساطة المقرّرة، وإذا تم التوصل إلى تسوية أم لا.. والسرية أمر هام جدا للوساطة.

أعلاه أهم المعايير الخاصة بالوساطة، واضافة لهذا نقول أن حسن التصرف والكياسة والانضباط والأمانة والتعامل بمهنية طيلة الفترة.. وغيرها، تعتبر من المكملات الضرورية لتقديم أفضل خدمة للأطراف وتهيئتهم للتسوية النهائية وفتح صفحة جديدة.. ومن هنا تلعب الوساطة دورا محوريا في تنمية العلاقات ودفعها للأمام.. ولنعمل علي تطبيق هذه المعايير والالتزام الدائم بها كحد أدني لتطوير مهنة الوساطة.