قواعد التحكيم في منظمة "الوايبو"

د. عبد القادر ورسمه غالب

تقوم المنظمة العالمية للملكية الفكرية (وايبو) ومقرها بجنيف، وهي احدي منظمات الأمم المتحدة المتخصصة في مجال الملكية الفكرية، بالعمل على تعزيز الابتكار الإنساني والإبداع الخلاق في كافة مجالات الفنون من الموسيقي والرسم والأدب والنحت والفلكلور والشعر والغناء والتصوير ... وغيره من المجالات المختلفة، وذلك لتحقيق التنمية الاقتصادية والتجارية والاجتماعية والثقافية والفنية والأدبية لجميع الشعوب في كافة البلدان عبر نظام دولي للملكية الفكرية يتسم بالتوازن وحفظ الحقوق. وهذه المنظمة عالمية، بل تعتبر من أهم نشاطات منظمة الأمم المتحدة والمنشأة خصيصا للعناية بالأمور القانونية والمهنية المتعلقة بمسائل الملكية الفكرية مثل براءات الاختراع وحقوق المؤلف والحقوق المجاورة والعلامات والأسماء التجارية والرسوم والأشكال والنماذج الصناعية و... غيره، كوسيلة تهدف لتحفيز الابتكار البشري والإبداع الفكري والفني لصالح البشرية جمعاء وبلا حدود..

وفي خضم الاهتمام بهذا الدور الهام ولتكملة المهام المتعلقة بها قامت منظمة الوايبو بإنشاء وحدة خاصة للعناية بحسم المنازعات التي قد تحدث بين الأطراف خاصة وأن العلاقات المرتبطة بهذه النشاطات متداخلة ومتنوعة ومتجددة إضافة إلي أنها تتميز بأنها ذات صبغة فنية مهنية فكرية ذاتية قد يصعب النظر فيها أمام المحاكم القضائية العادية. وما حدث مثلا من منازعات متعددة بين شركة أبل وشركة سامسونج، وكذلك المنازعات بين شركة مايكروسوفت والشركات المنافسة في مجال التقنية الالكترونية، بل وفي ما بين شركة مايكروسوفت والسلطات الحكومية في أمريكا علي المستويين الفيدرالي    والولايات، وكذلك ما يحدث من تراشق بين ملاك "الياهو" وملاك "الجي ميل" وغير هذا وذاك من خلافات ومشادات.. 

كل هذه المنازعات المعقدة جدا والمتشعبة جدا تعتبر خير مثال لتوضيح أن مثل هذه المنازعات تحتاج لمعرفة فنية فائقة قد لا تتوفر إلا لدي هيئات تحكيم خاصة لديها معرفة فنية خاصة أكثر من المحاكم القضائية. وهناك صراعات كبيرة يومية بين كبريات المصانع والشركات بل وكبار الدول  والتكتلات الإقليمية كالوحدة الأوربية ومجموعة الدول الأمريكية، حول الحقوق المتعلقة بالملكية الفكرية وبراءات الاختراع والحقوق الصناعية والعلامات والأسماء التجارية ..... الخ وكل هذه الخلافات تحتاج لمن يعرف خصائصها ودهاليزها ودسائسها بل أسرارها وبرامجها المستقبلية.

ولهذا اهتمت منظمة الوايبو اهتماما كبيرا بموضوع التحكيم وكذلك الوساطة واعتبار كل منهما كأحد البدائل المتوفرة لحسم المنازعات التي قد تحدث في أي من مجالات الملكية الفكرية المتشعبة المتجددة في كل يوم. وتحقيقا لهذا الهدف، قامت منظمة الوايبو بتأسيس "مركز الوايبو للتحكيم والوساطة" في عام 1994 كأحد الدوائر أو الأقسام الفنية التابعة للمنظمة  وتعمل تحت الإشراف المباشر لكبار مسئولي المنظمة بجنيف. وهذا المركز يعمل وفق الأنظمة واللوائح التي أصدرتها منظمة الوايبو للنظر في تسوية المنازعات بما في ذلك إدارة القضايا المعروضة أمام المركز، والمساعدة في تعيين المحكمين، والنظر في ما يتعلق بأعمالهم ومتابعة الإجراءات القانونية والفنية وأيضا الاهتمام بالمسائل المالية وتنظيم الاجتماعات وكل أعمال السكرتارية والترجمة المطلوبة... الخ. 

ولدي المركز قائمة كبيرة تضم المحكمين المتمرسين وأهل القانون من كل دول العالم بثقافاته المتعددة، وأتشرف بأني من ضمن هذه القائمة كمحكم، وتشمل  القائمة أكثر من 1500 من المحكمين والوسطاء والخبراء في شتي المسائل المرتبطة بالملكية الفكرية ومسائل الفكر والحقوق التجارية المرتبطة بها وكذلك القانونية، ولقد تمت الاستفادة من أعمال المركز في شتي المجالات حيث ثبت جليا أنه يمثل إضافة عالمية واضحة لتراث صناعة التحكيم والوساطة. ويمكن الاطلاع علي كل التفاصيل عبر موقع المنظمة.

تتميز النظم القانونية الخاصة بمركز الوايبو للتحكيم والوساطة بأنها تنص صراحة علي إجراءات التحكيم السريع "إجراءات التحكيم المستعجل" والتي تنص علي فترات محددة قصيرة لإصدار الأحكام مع الرسوم المخفضة لهذه الإجراءات، أيضا مع النص علي جواز تعيين محكم فرد لنظر النزاع. وهذا لغرض ضمان سرعة حسم المنازعات وفق المهنية الفنية المطلوبة، وكل هذا من أجل عدم التأخير أو الحجر علي الإنتاج الفكري من العقول النيرة المتميزة في مجالات العلوم والفنون والترفيه وعلوم الكمبيوتر والاتصالات، ومن كل ما تنتجه هذه العقول لصالح البشرية جمعاء..

ويعتبر مركز الوايبو للتحكيم والوساطة بجنيف من مراكز التحكيم والوساطة المؤسسية، ولذا قام هذا المركز بإعداد نصوص نموذجية يتم تضمينها وتتم الإشارة لها في العقود المبرمة بين الأطراف. وتتناول هذه النصوص النموذجية النص الصريح سوي بإحالة النزاع للتحكيم أو الوساطة أو الإحالة لإجراءات التحكيم المستعجل أمام مركز الوايبو، مع العلم أن هذه النصوص النموذجية متوفرة في موقع المركز بكل اللغات العالمية بما في ذلك اللغة العربية، ونأمل أن تستفيد صناعة الملكية الفكرية العربية من هذا المنفذ الهام لرفد ودعم الملكية الفكرية في كل الدول المتحدثة باللغة العربية.وفقا للوائح مركز منظمة الوايبو، فان الإجراءات تبدأ رسميا من تاريخ إرسال المدعي لعريضة الشكوى للمركز بصورة للمدعي عليه، علي أن تتضمن العريضة ما يبين إحالة النزاع للنظر أمام المركز. وبالطبع، يجب أن يرفق مع عريضة الدعوي اتفاق التحكيم، موضوع النزاع، العناوين المطلوبة، القانون الواجب التطبيق، وما يطلبه المدعي من شكواه        ومقدار المبلغ المطلوب "التعويض" وغير ذلك من الطلبات....  وعلي المدعي عليه الرد خلال 30 يوما من تاريخ استلام عريضة الشكوى (مدة أقصاها 20 يوما في حالة الإجراءات المستعجلة) مع إرفاق المستندات الضرورية.

هذا ويجوز لهيئة التحكيم إصدار الأوامر الضرورية التحفظية التي تراها مناسبة لحفظ حقوق الأطراف، مع العلم أن هذا لا يمنع الأطراف من اللجوء للسلطات القضائية المختصة للمساعدة فيما يتعلق بالإجراءات التحفظية ولاتخاذها عند الضرورة وفق الإجراءات القانونية المتبعة. ويقوم الأطراف في العادة باختيار أعضاء هيئة التحكيم من القوائم المتوفرة لدي المركز بالمنظمة، هذا ويجب علي المركز الحرص علي تقديم كل المساعدات للأطراف المتنازعة لتمكينهم من اختيار أعضاء هيئة التحكيم خاصة وأن بعض الأطراف ربما لا تتوفر لديهم المعلومات الكافية التي تمكنهم من اتخاذ القرارات السريعة السليمة مما قد يعرض كل العملية للإحباط أو الفشل أو التأخير.

من الفوائد العملية لوجود "مركز الوايبو للتحكيم والوساطة" أنه قام بوضع وتطوير بدائل قانونية بالتنسيق مع العديد من الجهات القانونية من أجل معالجة أو بغرض التعامل مع بعض النزاعات الخاصة مثلا بصناعة الأفلام والوسائل الإعلامية من تلفزيون ومحطات إذاعية  والأودو فيشيوال ومراكز حفظ التراث الوطني والممارسات المحلية الذاتية وتبادل ونقل المعلومات المتعلقة بكل هذه الممارسات الخاصة ذات الطابع المحلي أو الإقليمي الخاص. كما قام مركز الوايبو بتأسيس مجالس للعناية بمثل هذه المنشآت كالمجلس الأعلى للمتاحف ومجلس الأفلام والوثائق ومراكز الفلكلور الشعبي ... وكل هذا ليتم تنظيم الحقوق الخاصة بهذه النشاطات الأدبية الفكرية الفنية.

كما أن هذا المركز يحتفظ بقوائم بكل التخصصات الفنية المطلوبة للنظر في المنازعات المتعلقة بالملكية الفكرية وإنتاج الذهن البشري، وإضافة لهذا فان المركز يضمن أن هذه القوائم تضم فنيين يتمتعون بالمهنية المطلوبة إضافة للحياد التام  والعمل في استقلال مهني دون تأثير مع توفر كل السرية المطلوبة في مثل هذه الحالات. ولا بد من القول، أنه ومع كل هذه الضمانات فان مركز الوايبو يضع كل المنازعات الخاصة بالملكية الفكرية في إطار فني سليم ونسيج مهني محكم من أجل توفير أحدث البدائل القانونية لحسم المنازعات في هذا المجال الهام القديم المتجدد والذي يمثل أغلي ما يملكه البشر..

                     الملكية الفكرية. ومن دون شك لقد نجحت الوايبو في هذا الخصوص حيث أصدر مركز الوايبو العديد من الأحكام التحكيمية الهامة التي قامت بإرساء قواعد قانونية هامة لدعم كافة نشاطات الملكية الفكرية والإنتاج الذهني البشري، ووسط كل هذا الدعم تزدهر الفنون والآداب والإبداع الفكري في شتي المجالات لصالح البشرية جمعاء. وهكذا يضع التحكيم لبنة في تطور البشرية وتقدم الأدب والفنون وكل الإبداع الفكري وكل الحقوق القانونية المرتبطة..