تعيين أو رد المحكم أو هيئة التحكيم

د. عبد القادر ورسمه غالب

التحكيم إرادة الأطراف التي تعبر عن رغبتهما في عدم حسم المنازعات التي تطرأ بينهما عبر المحاكم، صاحبة الحق الأصلي، وتحقيق إرادة الأطراف يتم عبر اتفاق التحكيم الذي يتم التوصل فيه للتفاصيل والإجراءات المتعلقة بالتحكيم. واللجوء للتحكيم الآن، أصبح واقعا معاشا حيث نلاحظ أن اتفاقيات الأعمال والتجارة الآن تتضمن نصوصا خاصة للجوء الأطراف للتحكيم عند حدوث المنازعات، وكيفية تحقيق هذا الاختيار بغية الوصول للعدالة الناجزة.

من القواعد الجوهرية لأحكام التحكيم، والواردة في قواعد اليونيسترال المنظمة لقانون التحكيم النموذجي، وأيضا ما تبع اليونيسترال من قوانين التحكيم الأخرى التي استفادت من قانون اليونيسترال النموذجي مثل قانون التحكيم الخاص بغرفة التجارة الدولية بباريس وقانون التحكيم لدول الخليج وغيرها حيث نجد القاعدة الذهبية التي تمنح أطراف النزاع الحق في تعيين المحكم أو هيئة التحكيم التي تنظر في تسوية النزاع حتى مرحلة الحكم النهائي.

والتعيين هنا يعود أساسا لرأي أطراف النزاع الذين يستنفذون هذا الحق وفق مرئياتهم وقناعاتهم الخاصة بالنزاع وما يجب أن يتوفر في المحكم. ويشارك كل طرف من أطراف النزاع في تعيين أعضاء هيئة التحكيم وهذا من حقوقه في التحكيم.

إن حرية أطراف النزاع في اختيار وتعيين هيئة التحكيم تعتبر من النقاط الهامة جدا والمشجعة للتحكيم لأن هذا الحق غير متوفر عند اللجوء للمحاكم القضائية حيث يقوم أي من القضاة بنظر الدعوى والسير فيها حتى إصدار الحكم النهائي. ولكن هذا الحق وبقدر ما له من حسنات إلا انه لا يخلو من المشكلات التي ربما تأتي بنتائج عكسية، وذلك خاصة عندما لا يكون اختيار المحكم موفقا لأي سبب يطرأ أو يظهر لاحقا. ومن هنا تم وضع قاعدة جديدة هي قاعدة «الرد»، رد المحكم أثناء سير الدعوى.

قانون اليونسيترال النموذجي للتحكيم ينص صراحة على أن لأي طرف الحق في رد المحكم الذي اختاره إذا تبين عدم الحياد وعدم الاستقلال. وبالطبع فان الحياد والاستقلال من أهم الركائز التي يستند إليها المحكم وكل صناعة التحكيم، ومن يقبل التعيين كمحكم يجب أن يكون وأن يعلن صراحة عدم ارتباطه بأي شكل كان مع الأطراف أو ما بينهما وأنه يتمتع بـ «الاستقلال» التام الذي يمكنه من السير في التحكيم دون أي تأثير من الأطراف. وكذلك يجب عليه أن يعلن صراحة عدم ارتباطه بأي شكل كان مع النزاع أو ما يتعلق به وأنه يتمتع بـ «الحياد» التام الذي يمكنه من السير في التحكيم دون أي تأثير بسبب ارتباطه بالنزاع أو ما يتعلق به.

إن توفر الاستقلال والحياد يمثلان مربط الفرس لأن المحكم يجب أن يأتي للتحكيم ويده بيضاء وذهنه نظيف ويكون تعامله مع الحدث وفق الوقائع الظاهرة أمامه فقط وبذا يكون قراره غير مرتبط بأي علاقة سابقة بالأطراف أو النزاع. ومن هذا الواقع سيكون قرار المحكم غير مرتبط أو متأثر بأي علاقة سابقة وهذا سيقود إلي أن يكون الحكم «مبرأ» من الارتباط السابق بالأطراف أو النزاع. وهذا بيت القصيد.

تبني قانون اليونسيترال النموذجي للتحكيم مبدأ رد المحكم في حالة عدم توفر الاستقلال والحياد، وعدة دول سارت على نهج القانون النموذجي ونصت على رد المحكم إذا تبين عدم الاستقلال والحياد. ولكن قوانين أخرى لم تنص على الاستقلال والحياد صراحة، ولذا ننبه إلى ضرورة التأكد من هذه النقطة عند اختيارك لقانون التحكيم أو مركز التحكيم لأن هناك بعض الاختلافات في الأسباب التي تجيز رد المحكم.

إذا نظرنا مثلا لقانون التحكيم لغرفة التجارة الدولية بباريس، نجد أن القانون ينص صراحة على الرد في حالة عدم توفر الاستقلال أو لسبب آخر. ويتضح أن قانون غرفة التجارة الدولية يجيز رد المحكم عند «عدم توفر الاستقلال أو لسبب آخر». وهنا نلاحظ الفرق مع القانون النموذجي لأن قانون غرفة التجارة الدولية لم يشير صراحة لمبدأ «الحياد» بل ذكر «الاستقلال» وأضاف «أو سبب آخر»، ولقد توصلت المحكمة إلى أن «أو سبب آخر» يشمل الحياد المذكور في القانون النموذجي وكذلك أضافت المحكمة أن «أو سبب آخر» يشمل عدم توفر المؤهلات التي تم الاتفاق عليها، والنزاهة. وكل هذا يقع ضمن «أو سبب آخر» حيث شمل عدة نقاط، وهذا توسع محمود من المحكمة.

وتبين من تقارير محكمة التحكيم بغرفة التجارة الدولية أن حالات رد المحكم تعتبر قليلة، وهم يرجعون هذا لأنهم قاموا بإعداد «وثائق تعيين المحكم» بصورة محكمة وبطريقة تجبر المحكم على توضيح موقفه بجلاء وبصورة تمكن الأطراف من الوصول إلى استقلاله وحياده ونزاهته ومؤهلاته..، وهذا الوضع يمثل «حسنة» كبيرة لتحكيم غرفة التجارة الدولية ويمنحها ميزة إضافية لأنها هيأت السبل التي تسمح فقط للمؤهلين بالمرور عبرها وممارسة التحكيم في استقلالية وحيادية ونزاهة تامة. وللمقارنة فان هذا الوضع نجده مهزوزا في مراكز تحكيم أخرى حيث يتسرب لممارسة التحكيم أطراف لا تتوفر لديهم مبادئ الاستقلال و الحياد و النزاهة.. ومن هؤلاء تأتي أحكام جاهزة و(مطبوخة) مسبقا بسبب عدم استقلالهم وحيادهم وعدم توخي الأمانة والصدق عندما طلب منهم توضيح هذه النقاط. وهذا بالطبع، غير مقبول  ويجيز «رد المحكم» الذي قام بإخفاء هذه المعلومات الهامة وهؤلاء يجب ردهم ".. وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون..".

وإذا نظرنا لقانون مركز التحكيم لدول الخليج نجد أن رد المحكم يجوز لأي طرف «وفق الأسباب التي يبينها في طلبه»، ونلاحظ أن القانون لم يتضمن صراحة مبادئ «الاستقلال والحياد» الواردة في قانون اليونسيترال النموذجي بل ترك الباب مفتوحا للأسباب التي يراها الطرف الذي تقدم بطلب رد المحكم. وعدم الإشارة صراحة للاستقلال والحياد فيه عدم استفادة من مبادئ القانون النموذجي، وربما يقود إلى عدم التمسك بـ «الاستقلال والحياد» بالرغم من أهميتهما البالغة للتحكيم.

وهكذا فان رد المحكم جائز قانونا بالرغم من أن القوانين التي أشرنا لها لم تتضمن نصا موحدا يجيز «رد المحكم»، بل هناك تباين في أسباب الرد. وفي نظرنا فان إزالة هذا التباين وتوحيد النص سيخدم التحكيم وسيضع المبادئ الأساسية للتحكيم في بوتقة موحدة تضمن التحكيم في كل مكان، خاصة وأن التحكيم شمل كل الأمكنة وتوحيد مبادئه الجوهرية سيدعم تعزيزه وضمانه وتقدمه.

نقول هذا لأن «رد المحكم» له انعكاسات قوية وقد تكون سلبية، على صناعة التحكيم بل العدالة، لأن طلب رد المحكم ربما يأتي في مرحلة متأخرة جدا وبعد بذل الوقت والجهد والمال وهذا فيه أضرار كبيرة على الأطراف وصناعة التحكيم والعدالة الناجزة لأن رد المحكم، إذا وجد القبول، يتبعه وقف إجراءات الدعوى وتعيين محكم بديل ولكل هذا متطلبات عديدة بمجريات متعددة. وفي نفس الوقت أيضا، فان عدم الاستجابة لطلب رد المحكم قد يقود إلى الاعتقاد بأن الحكم النهائي غير عادل أو به «شق» أو عتامة في الرؤية لما شابت النفوس بسبب طلب رد المحكم.

ان "رد المحكم" حق ولكن تشوبه عدة شوائب وعلينا، كما قالت سكرتارية غرفة التجارة الدولية، وضع كل الضوابط الضابطة التي تمكننا من تعيين المحكم المناسب كوضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وقد يكون رد المحكم من منغصات التحكيم ولكنه قد يكون الدواء المر الذي لا بد منه للداء العضال. ولذا فلنأخذ حذرنا من لحظة تعيين واختيار المحكم حتي لا ندخل في مثل هذه المتاهات.