المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار- أي سي أس آي دي

د عبد القادر ورسمه غالب

نظرا لدور بدائل تسوية المنازعات  (أي دي آر أس) الهام ومنها التحكيم، تم إنشاء مراكز دولية واقليمية لتكون من مراكز التحكيم المؤسسي لتسوية المنازعات التجارية. ومن ضمن المراكز الدولية نجد المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (أي سي أس آي دي)، الذي أنشأه البنك الدولي بواشنطن وليكون من ضمن أذرعه لتقديم الدعم المتكامل للتمويل والاستثمارات التجارية بين الدول الأعضاء. وتم تأسيس هذا المركز بموجب معاهدة تسوية منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الأخرى والتي تعرف ب (معاهدة واشنطن) ويوجد بالمركز مجموعة من المحكمين والوسطاء المستقلين وفق الأنظمة واللوائح الخاصة بالمركز.
من المهم أن نقول إن صلاحيات هذا المركز وسلطاته تنحصر في تسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمار فقط دون غيرها وذلك عبر التحكيم أو الوساطة وهذا يجعل المركز، نوعا ما، متخصصا في مثل هذه المنازعات. وإضافة لهذا فان أطراف النزاع يجب أن يكونوا من الدول الموقعة  “معاهدة واشنطن” أو من الأشخاص أو الهيئات التابعة لهذه الدول. كما يجب أن يوافق الأطراف أصحاب الشأن كتابة على إحالة النزاع للمركز للتحكيم أو المصالحة. وبالرغم من أن سلطات المركز ضيقة، لأنها غير مفتوحة لكل المنازعات، إلا أن نسبة القضايا المحالة للمركز في ارتفاع نظرا لقناعة العديد من المستثمرين أن إجراءات تنفيذ أحكام هيئات التحكيم وفق النصوص الواردة في اتفاقيات الاستثمار الثنائية المشتركة بين الدول، سهلة وغير معقدة بل وتجد التنفيذ من الدول لاعتمادها  لاتفاقيات الاستثمار الثنائية. هذه نقطة هامة لأن دعم الدول لتنفيذ الأحكام يعطي مصداقية عالية لأعمال المركز. وإضافة لهذا فان البنك الدولي يعطي أهمية كبيرة للمركز، وكان المستشار القانوني للبنك بحكم منصبه يعتبر الأمين العام للمركز.
من النقاط الجديرة بالذكر أن نصوص “معاهدة واشنطن” لا تتضمن أحكاما خاصة تتناول موضوع “السرية” الذي يعتبر من أهم مميزات التحكيم. ولقد تم تناول هذا الموضوع في قضية "بيكارا". في هذه القضية قالت هيئة التحكيم "يجب النظر لموضوع السرية وفق كل قضية وفي كل حالة على حدة"، ويجب على هيئة التحكيم اتخاذ ما تراه مناسبا حيال هذا الموضوع والقرار بشأن السرية حول القضية وأطرافها والحكم وخلافه.. وبذا فان أمر السرية أصبح جوازيا وليس وجوبيا في المركز. ولكن هناك من يرى، في إدارة المركز، ضرورة العمل على الموازنة بين موضوع السرية من جهة وموضوع الشفافية من الجهة الأخرى التي ترى أهمية نشر الأحكام النهائية وانتهاج الشفافية حيالها حتى يعلم العالم ما يقوم به المركز من دور في تسوية منازعات التحكيم بين الأطراف. وحتى يكون في هذا دافعا للكثير من المستثمرين ودولهم لتسوية منازعات الاستثمار عبر هذا المركز المتخصص والمؤهل لحسم المنازعات. وفي هذا، وضع أرضية لحماية كل الحقوق المتعلقة بالاستثمارات والمستثمرين في كل أطراف العالم.
بالطبع فان ما قررته هيئة التحكيم في هذه القضية، بين المستثمرين وحكومة الأرجنتين، يمثل رؤية وبعدا خاصا بالمركز فقط. لأننا نعلم أن أمر السرية بالغ الأهمية في التحكيم ونؤيده ونري أن يعمل الجميع على الحفاظ عليه كسمة مميزة للتحكيم مقارنة مع ما يتم في المحاكم القضائية. انطلاقا من مفهومه، يقوم المركز بنشر المقتطفات الضرورية من الأحكام الصادرة من هيئات التحكيم وتكون هذه المعلومات متوفرة للجميع، وفي هذا قد نجد فائدة تعليمية يستقي منها من يرغب العديد من المعلومات القانونية والتحكيمية المفيدة، بل حتى بعض هيئات التحكيم تستفيد من تجارب الأحكام السابقة.
وفق أحكام معاهدة واشنطن تتم كل إجراءات الدعوى أمام الهيئة التي تحدد الاتفاقية كيفية اختيارهم وعملهم وعزلهم، إضافة إلى كيفية سير إجراءات الدعوى ودور كل طرف حتى صدور القرار النهائي. ولا يجوز الطعن في قرارات المركز أمام المحاكم الوطنية (ولنا عودة حول هذه النقطة في مقال مستقل) وفي هذا ضمان قوي للأحكام الصادرة من هيئات التحكيم. ويجوز التقدم بطلب للمركز لتعديل الحكم أو تصحيحه أو تفسيره أو إلغاء أو إعادة النظر في جزء منه في حالات معينة منصوص عليها خاصة عندما لا يغطي الحكم كل الطلبات المطروحة أو بسبب فساد المحكمين أو عدم حيادهم.. ويعتبر قرار التحكيم نهائي ونافذ إلا في الحالات المذكورة.
لأهمية الدور الذي يتمتع به المركز والولاية الخاصة به من البنك الدولي فإننا نلاحظ أن قوائم المسجلين من المحكمين والوسطاء تتميز بوجود كفاءات عالمية عالية في كافة المجالات التي يغطونها. ووجود هذه الكفاءات ساعد على وضع أسس قانونية سليمة لحسم منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الأخرى خاصة وأن هذه المنازعات تكون بمبالغ كبيرة وتتعلق بمشاريع استثمارية هامة وذات حيوية خاصة في البلدان التي تحضن هذه المشاريع ولهذا فان وجود المركز يعتبر صمام أمان للاستثمارات الكبيرة مما يشجع للمزيد من هذه الاستثمارات التي تنعش الاقتصاد الوطني وتحرك العمالة في العديد منالدول النامية...