نظام الزكاة على الأفراد أساس قاعدة المعلومات

د. عبد الله الفايز

نظام الزكاة على الأفراد أساس قاعدة المعلومات
د. عبد الله الفايز - مهندس معماري ومخطط 17/10/1428هـ
الزكاة والمعلومات التي تبنى عليها هي أساس التخطيط الاستراتيجي والتنسيق لوضع نظام وطني شامل متكامل الحلقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، يكون هو العمود الفقري لجميع الأنظمة والقرارات الذي يضمن ترابط تلك الأنظمة وردها على بعضها بعضا تحت نظام الحكومة الإليكترونية أحد السمات المفقودة لدينا. وقد أوضحت ذلك في مقالات سابقة وحاولت شرحه في أكثر من موقع. فقد فرض الإسلام الزكاة وهي الركن الثالث وقرنها بالصلاة "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" وجاء بأسلوب الأمر "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها". "خذ؟؟" بينما نحن لم نطبق هذا الركن بطريقة شاملة. فممارستنا حاليا هي أخذ الزكاة فقط من الشركات والمؤسسات بينما تركنا الأفراد يبيعون عروض التجارة التي تجب عليها الزكاة بدون أن يؤخذ منهم زكاتها. فتباع أو تعرض الأراضي والأسهم مليارات الريالات ومن دون أن تؤخذ منها الزكاة. وزكاة تلك المليارات كانت ستحل جميع مشكلات الفقر وتوفر الخدمات الضرورية للمواطنين. والزكاة لم تسن هباء بل إنها إضافة إلا كونها حقا على المسلم لأخيه المسلم وأهدافها الجليلة للتكافل والتراحم الاجتماعي، إلا أنها تعد أساس قاعدة المعلومات التي يبنى عليها التخطيط المستقبلي وحل مشكلاتنا الاقتصادية. بل هي العمود الفقري الذي يربط اقتصادنا المتفكك والمبعثر. فالزكاة إذا نظمت بحيث يكون لكل مواطن رقم سجل زكوي مربوط بسجله المدني أو بالرقم نفسه لأصبح لدينا قاعدة معلومات رهيبة ودقيقة عن دخول المواطنين وأعمارهم ومستوى تعليمهم. وذلك ما يشابه نظام الضرائب الذي تقوم عليه جميع الأنظمة الاقتصادية في العالم. وبذلك يمكننا معرفة مجموع الدخل الوطني والناتج المحلي GNP وGDP ومعظمم مؤشرات الاقتصاد مثل معدل الشراء والصرف للمستهلك والبطالة، التي تساعد الدولة على اتخاذ القرارات والسيطرة على التضخم والتحكم في مسار الاقتصاد وغيرها من القرارات المهمة التي تساعدنا على التخطيط المستقبلي لنا وللأجيال المقبلة.
والزكاة أساس بيت مال المسلمين وتضاف لخزانة الدولة ووزارة المالية لتقوم ليس فقط برفد المحتاجين ماليا فقط ولكن بتوفير وتنفيذ الخدمات الضرورية لهم مثل شبكات المياه والصرف وخدمات التعليم والمساجد وغيرها، ولتساعد الدولة في تلبية احتياجاتها.
فالتخطيط لإيجاد النظام الشامل لا يتم من دون قاعدة معلومات زكوية، فهو سلسلة من الأنشطة والخطوات التي تسير وفق برامج زمنية اقتصادية واجتماعية وسياسية مترابطة بهدف الحصول على تكامل اقتصادي مربوط بشقيقتيه الأخريين الاجتماعية والسياسية بهدف بناء مجتمع حضاري متناسب مع المعطيات الوطنية وتقاليد المجتمع وطموحاته السياسية. وهو علم متشعب ومترابط ويزعم كل أنه يعرفه بينما لا يفهمه إلا القليل. بل إن الكثير من المسؤولين يجهلون مفهوم التخطيط ويخلطون بين مفاهيم التخطيط وأنواعه المختلفة. فهناك فرق كبير بين التخطيط الوطني (القومي) National Planning وتخطيط المناطق Regional Planning والتخطيط المحلي العمراني Local Planning. فالأول وهو رسم سياسات مستقبلية مبنية على أسس ومتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية داخلية وخارجية ومبنية على احتمالات وتوقعات مستقبلية ومحاولة التنبؤ بالتأثيرات المستقبلية وكيفية تجنبها للنهوض بالناتج القومي. وهذا ما تقوم به وزارة التخطيط مثل إصدار الخطط الخمسية. بينما التخطيط للمناطق والعمراني يرتبط بالعمران والبيئة الحضرية وهو مبني على متغيرات التخطيط الوطني المحلية وهو ما تقوم به وزارة الشؤون البلدية والقروية مثل مخططات المدن والنطاق العمراني.
لذلك فإن وجود نظام شامل للزكاة سيساعد على كشف تلك الثغرات وهي كثيرة تبدأ من القضاء على ازدواجية توزيع الصدقات والتبرعات، وبذلك لا يستطيع ضعفاء النفوس أخذ ما لا يستحقونه من الزكاة بسبب وجود رقم السجل المدني. ويطول الموضوع ليصل إلى التنسيق بين مقدمي الخدمات الطبية بين وزارة الدفاع ووزارة الصحة أو ازدواجية تقديم الدراسات الجامعية بين وزارة التعليم العالي ووزارة العمل.
وقد يكون الخلل هو أننا نعتقد أن الحل لدى الاقتصاديين فقط وعصاهم السحرية للسياسة النقدية والمالية، بينما هو بعيد عنهم ومفتاحه مرهون بدور علماء الاجتماع والسياسة، فنحن ننسى أو نتجاهل أن أي هيئة أو قرار أو سياسة اقتصادية لا يمكن تطبيقها في ضوء عدم وجود نظام سياسي واجتماعي وقانوني تشريعي متكامل ومترابط وفق دستور شرعي مكتوب ومصنف، ويوفر للمواطن والدولة الحماية القانونية الصارمة على القوي والضعيف وبشفافية واضحة. فالعدل أساس الحكم. فما فائدة الأنظمة دون وجود مَن يرعاها من الإهانة ويضمن لها هيبتها التي هي من هيبة الدولة وصرامتها. والذي بدوره يعزز ثقة المستثمرين الوطنيين والأجانب للاستثمار في هذا البلد. وإيجاد مثل هذا النظام ليس من اختصاص الاقتصاديين فقط، بل من صميم اختصاص المخططين السياسيين والاجتماعيين. وهو عالمي مربوط بأحد الأنظمة المتكاملة مثل نظام الضرائب الذي يشكل أهم الأنظمة التي توفر معظم المعلومات عن المواطن والشركات والدخل العام، ومنها تشتق جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. وهذا الترابط مهم في محاولة توجيه الاقتصاد العام، ويخضع لمعايير وضوابط دولية ومراقبة داخلية ويتطلب مراجعة شاملة للأنظمة والقوانين وبناء قاعدة صلبة من تقنية المعلومات، لتعطي الدولة فرصة للتدخل وتوجيه دفة جميع الأنظمة.
وهذه المؤشرات نفتقدها ولا أعتقد أن اقتصادنا سينجح دونها إلا بمحض المصادفة أو لوجود الثروة النفطية التي هي المؤشر الوحيد لدينا. وهذا خطأ اقتصادي فادح يجب معالجته ومحاولة ربطه بتأثير المؤشرات الأخرى لمعرفة مدى تأثيراتها الاجتماعية والسياسية على المدى الطويل. فقد انتهى عهد الحلول الوقتية أو الردود الفعلية لكل حدث التي تعالج المشكلة في وقتها دون معرفة تبعياتها المستقبلية وما يخلفه الحل أحياناً من سلبيات أكثر تكلفة على المجتمع.
ونظام الزكاة يجب أن يكون مربوطا بسلسلة معقدة من الأنظمة والمؤشرات التي يجب توحيدها وربطها بميكانيكية ونظام متكامل ومترابط يمكننا من قراءة الاقتصاد الوطني والقدرة على فهم التغيرات التي تؤثر فيه عند تغير أي من المؤشرات. وهو أيضاَ مربوط بالحكومة الإلكترونية وعملية التوحيد القياسي للأنظمة والمعلوماتية الحكومية في شبكة وقاعدة معلومات موحدة وربطها معلوماتياً بواسطة شبكات الحاسوب، بحيث يكون هناك توحيد للنماذج والاستمارات الاستبيانية لربط المعلومات الوطنية ببعضها بطريقة أوتوماتيكية بحيث تكون طريقة إدخال المعلومة موحدة في كل الجهات الحكومية. وبتفعيل بطاقات الأحوال الممغنطة لتتمكن كل جهة حكومية من تمريرها على حساسات حاسوبية لمعرفة أي معلومات عن المواطن. وأن يكون هناك نظام صارم لاحترام خصوصية المعلومات للمواطن بحيث لا يستطيع أينما كان الدخول إلى جميع المعلومات بل ما يخص تلك الجهة فقط.
ومن منحى آخر نجد أننا نفتقد تطبيق أهم مبادئ التخطيط الاقتصادي الوطني السليم وربطه بنظام الزكاة ـ مثل تطبيق نظام Input Output Model، الصناعات الأساسية والخدمية Basic& Service Economies وما تدره من فرص عمل من خلال الصناعات الخدمية والمساندة التي تتبعها Multiplier Effect. وما توفره تلك الصناعات من فرص عمل تلقائية تساعد على تشجيع السعودة. كذلك تجاهلنا أهم القطاعات الاقتصادية التي تكون البنية التحتية لأي اقتصاد وطني وهو قطاع تنمية مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة SMALL BUSINESS DEVELOPMENT بدلاً من الاحتكار وسيطرة الشركات الكبيرة. ويعد ذلك من أنجح الوسائل المطبقة عالمياً لتوسيع الطبقة المتوسطة من المجتمع، وبذلك يسود الاستقرار الاقتصادي وتتساوى فرص الكسب وسط شريحة واسعة من المجتمع بدلاً من تركزها على مجموعة معينة من أفراده.
صحيح أن الدولة غنية ولكن ذلك لا يجيز لنا أن نخل بديننا ونتخاذل عن أداء أحد أركان الإسلام أو أن نتحايل عليه، وأن تقوم الدولة بأخذ الزكاة. وقد يكون العائق لمثل هذه الحلول هو مركزية وزارة المالية التي حتما سيعالجها النظام الشامل، فنحن مقبلون على توقيع اتفاقية التجارة العالمية التي ستجبرنا على ذلك شئنا أم أبينا. فلماذا لا نهيئ أنفسنا لذلك