بحث في مسائل تتعلق بزكاة الأسهم والسندات وغيرها

الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع

بحث في مسائل تتعلق بزكاة الأسهم والسندات وغيرها
الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع

الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد:

إن الشركاتِ المساهمةَ أموالٌ تخضع لوجوب الزكاة إذا كانت محلاً للاستثمارات المباحة كشركات الزراعة والصناعة، والمضاربات التجارية كشركات الاستيراد والتصدير والمصارف الإسلامية وغيرها.

والأسهم في هذه الشركات عبارة عن: حصصٍ تَمَلُّكٍ شائعةٍ في عمومها، ولوجوب الزكاة في عموم هذه الشركات؛ فهي واجبة في هذه الأسهم الممثلة لأجزاء هذه الشركات.

وحيث إن شركات المساهمة لكل واحدة منها مجال استثمار اختصت به حسبما نص عليه نظامها الأساسي، وصدر الترخيص لها بذلك من الجهة المختصة في الدولة، فإن لهذا المال الاستثماري حكمه من حيث وجوب الزكاة فيه.

لهذا، ولأهمية الزكاة وضرورة العناية بمعرفة أحكامها، والتحقّق عن المال الواجبة فيه ومقدار ما يجب، ولأن شركات المساهمة اليوم تمثل كمية كبيرة من الأموال الوطنية المستثمرة، وهي في الواقع أموال لمجموعة من فئات المسلمين من أيتام وأراملٍ وأشخاص ذوي تقى وورع وصلاح، وحرص بالغ على تطهير أموالهم بالزكاة. وفي نفس الأمر فإن القائمين على إدارة هذه الشركات وإن كانوا ذوي اختصاص إداري واقتصادي فإنهم في الغالب ليسوا على مستوى شرعي من التأهُّل لمعرفة أحكام الزكاة وما تجب فيه من أموال ومقدار الواجب فيها، لهذا اتجهت الهيئة الشرعية العالمية للزكاة إلى إعداد بحوث في زكاة أسهم الشركات.

لا شك أن شركات المساهمة لها مجالات استثمارية متخصصة في الصناعة والزراعة والتجارة، فإن كانت شركة زراعية فهذا يعني أن مجالها الاستثماري في زراعة الحبوب والثمار، فتخضع لأحكام الزكاة فيما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار مما يُكال ويُدخر، وتثبت لمنتوجات هذه الشركة أحكامُ الزكاة في الخارج من الأرض مالاً ومقداراً وزمناً.

هذا إن كانت الشركة منحصراً نشاطها الزراعي في إنتاج الحبوب، أما إذا كان لها نشاط آخر كتربية الأنعام على سبيل الإنتاج والتسمين، أو كان لها نقود سائلة، فإن الزكاة واجبة في هذين المالين بشروطه.

وإن كانت شركةُ المساهمة شركة صناعة كشركات الإسمنت والجبس والكهرباء والأدوية، والصناعات الأساسية وغيرها، فإن الزكاة واجبة في صافي أرباحها قياساً على زكاة العقارات المعدّة للكراء، حيث إن الأصول الثابتة فيها من أدوات وأجهزة ومكائن ومكاتب ومخازن وغير ذلك من وسائل الإنتاج والتصنيع تعد كالعقار المعدّ للاستغلال على سبيل الكراء، وما ينتج من هذه المصانع من عوائد استثمارية بعد حسم المصروفات الإدارية منها تعتبر كأجرة العقار.

وإن كانت شركة المساهمة شركة تجارية، اختصاصها تداول السلع بيعاً وشراءً واستيراداً، كالمصارف الإسلامية التي يَعتمد استثمارها على المضاربات التجارية والكسب عن طريق التسهيلات المصرفية البعيدة عن الربا أخذاً وإعطاءً، كالتحويلات المالية وإصدار الضمانات أو الشيكات بمختلف أجناسها وأنواعها، والتوكيلات والسمسرة، وغير ذلك من مستلزمات الحركة التجارية في الأسواق المصرفية، مما لا يتعارض مع المقتضيات الشرعية والقواعد المرعية في الشريعة الإسلامية، فهذا النوع من شركات المساهمة تجب الزكاة فيها وجوبَ الزكاة في عروض التجارة، وذلك بوجوبها في رؤوس أموالها وفيما لها من احتياطات وأرباح بعد حسم المصاريف الإدارية لإدارة أموالها في التجارة من ذلك، ولا يعتبر من المقادر الواجبة فيه الزكاة التجهيزات الإدارية، سواء أكانت أعياناً ثابتة أم منقولة؛ لأنها ليست شبيهة محلاً للإدارة المالية والحركة التجارية بيعاً وشراءً، أما هي شبيهة بدكان التاجر وما فيه من مستلزمات حركته التجارية من وسائل العَرْض والحفظ والتخزين.

هذا ما يظهر لي في زكاة هذا الجنس من الشركات، ولكن نظراً إلى أن السهم في غالب الشركات قد تكون قيمته السُّوقية أكثر من قيمته مما يماثله من حصة شائعة في الشركة، باعتبار قيمة كامل أعيانها من أدوات ووسائل إنتاج وسيولة نقدية وبضائع وسلع، وغير ذلك مما يُعد ويعتبر من مقومات حركتها التجارية، كأن يكون للشركة قيمة اعتبارية مضافة إلى قيمتها المادية، فإذا ملك زيد من الناس مثلاً ألف سهم في شركة مصرفية إسلامية، قيمة السهم الاسمية (الأصلية وقت الاكتتاب) مائة (100) ريال، وقيمته المادية باعتبار واقع الشركة وتقويم موجوداتها وقت وجوب الزكاة فيها خمسمائة(500) ريال، وقيمة السهم في سوق الأسهم ألف ريال، فإذا نظرنا إلى هذه القيم الثلاث للسهم(قيمته الاسمية، قيمته المادية، قيمته السُّوقية) نجدها قيماً معتبرةً للسهم، فأي القيم الثلاث تحتسب الزكاة باعتباره؟ هل تعتبر القيمة الاسمية؛ باعتبار أن هذه القيمة للسهم في الشركة هي الأصل، وما طرأ عليها من قيم أخرى تعتبر طارئة؟

أم تعتبر القيمة المادية للسهم باعتبار هذه القيمة هي القيمة الحقيقية للشركة وقت وجوب الزكاة؟

أم تعتبر القيمة الاعتبارية المتمثلة في قيمة السهم المادية والاعتبارية معاً وهي القيمة السوقية؟

إننا نستطيع القول بكل طمأنينة وقناعة بأن القيمة الاسمية للسهم في الشركات بعد مزاولتها خصائص أعمالها، لا تمثل في الغالب القيمة الحقيقة للسهم في الشركات؛ حيث إن الشركات بعد حركتها الاختصاصية بين ارتفاع وانخفاض، ولهذا فإن احتساب الزكاة في هذه الشركات على اعتبار قيمة السهم الأصلية غير صحيح؛ لفقده عنصر الأساس في النظر والتقدير.

ويبقى الأمر في وجوب الزكاة في أسهم هذا النوع من الشركات دائراً بين الأخذ باعتبار قيمته المادية، المتمثلة في حقيقة واقع الشركة بما لها من رأس مال وربح واحتياط، وذلك وقت وجوب الزكاة فيها.

وبين الأخذ باعتبار قيمة السهم السوقية المتمثلة في قيمته المادية والاعتبارية وقت وجوب الزكاة في الشركة.

فإن اتجه بنا النظر إلى أن الزكاة واجبة في الأموال الزكوية المحسوسة من حيوان أو عقار أو أثمان أو خارج من الأرض ( من حبوب وثمار) أو سلع وبضائع تنتقل في أيدي الناس بإدارتها بيعاً وشراءً، وأن السلف الصالح من العلماء والفقهاء لم يذكروا في كتبهم الفقهية أموالاً اعتبارية تجب فيها الزكاة كحقوق الارتفاق والاختصاص، وحقوق براءات الاختراع، وحقوق الطبع والتأليف والنشر والترجمة ونحو ذلك من الحقوق المعنوية، إن اتجه بنا النظر إلى هذا قصرنا وجوب الزكاة على القيمة الحقيقية لواقع الشركة؛ لكونها المال النامي بالفعل أو بالقوة، وهو المال المحسوس المشاهد من الفقراء وغيرهم.

إننا حينما نقصر النظر على هذا وعلى التمسّك بما ذكره فقهاؤنا من قصرهم الزكاة على الأموال العينية المحسوسة، نقول بأن الزكاة واجبة في القيمة الفعلية للسهم في الشركة باعتبار صافي ما تملكه من عروض وأثمان وقت وجوب الزكاة فيها، وأنه لا اعتبار للقيمة المعنوية المضافة إلى قيمة السهم الفعلية؛ لأنها ليست قيمةً مالية لمال محسوس، وإنما هي قيمة للرغبة النفسية في هذه الشركة.

ولكن قد يرد على هذا الاتجاه أن التطوّر الاقتصادي في العصور الحديثة قد أتى بمستجَدات من الأموال ومن طرق الاستثمار والتمويل، وأن الزكاة واجبة فيما يملكه المسلم مما هو محل للزكاة، ومن ذلك ما يؤول برغبته وتصرفه إلى مال زكوي عيني.

وهذا الإيراد هو حجة من يقول بوجوب الزكاة في الشركة باعتبار القيمة السوقية للسهم في أسواق الأسهم التجارية، سواء أكانت هذه القيمة السوقية متّفقة مع القيمة الحقيقية للسهم أم كانت زائدة عنها أم ناقصة؛ حيث إن السهم في الشركة عبارة عن حصة شائعة في عموم الشركة، يستطيع مالكُها أن يبيعها بالسعر السوقي في أي وقت يشاء بالثمن الذي هو قيمته في أسواق الأسهم؛ ليحصل من ذلك على ثمن من النقود يمثل قوةً ماليةً محسوسة هو مال زكوي بإجماع أهل العلم.

ولقوّة الاحتجاج لكلا الرأيين فإن ترجيح أحدهما على الآخر يحتاج إلى مزيد من النظر والتأمّل، ويمكن أن يكون من النظر في ذلك ثمرةُ التفصيل الآتي:

إذا كان مالك السهم في الشركة التجارية المساهمة يقصد بتملّكه الاستثماريِّ: الاستمرارَ في تملّك حصة شائعة في الشركة قدرَ ما يملكه فيها من أسهم، وأنه لا يقصد بتملّكها المتاجرة فيها بيعاً وشراءً، فهذه الفئة من المساهمين في الشركة لايستفيدون من القيم السوقية للأسهم، وإنما يحتفظ الواحد منهم بمستند ما يملكه من أسهم في الشركة للاستثمار وأخذ العائد الدوري من ذلك؛ حيث إن هذا العائد لا يتأثر زيادة أو نقصاً بالقيمة الاعتبارية للشركة.

ولأن الحصة الشائعة التي تمثلها الأسهم التي يملكها الفرد من هذه الفئة من المساهمين في هذه الشركة حصة من مجموعة حصص، تمثل كامل محتويات الشركة، وهي ( أعني هذه الشركة) تقوم بالمتاجرة في موجوداتها القابلة للإدارة التجارية بيعاً وشراء؛ فقد يتجه القول بوجوب الزكاة على مالك هذه الأسهم من هذه الفئة من المساهمين باعتبار القيمة المادية الحقيقية لموجودات هذه الشركة لا باعتبار القيمة السوقية لأسهمها.

أما إذا كان مالك السهم أو الأسهم من هذه الشركات التجارية ممن يتملكها على سبيل المتاجرة فيها بيعاً وشراءً، يشتريها اليوم ليبيعها غداً، ليشتري غيرها اعتباراً بها عروض تجارة، فإن الزكاة واجبة فيها باعتبار قيمتها السوقية لا باعتبار قيمتها المادية الحقيقية؛ لأن هذه الفئة من مالكي هذه الأسهم في هذه الشركات لا يقصد أحدهم بتملّكه إياها استثمارَها بأخذ عائدها الدوري، وإنما يقصد بذلك المتاجرةَ فيها بيعاً وشراءً وبسعر قيمتها السوقية، حيث إنه يشتري هذه الأسهم بسعرها في أسواق الأسهم ويبيعها بسعرها في أسواق الأسهم كذلك.

والقول بوجوب الزكاة في أسهم الشركات باعتبار قيمتها السوقية على من يتداولها بيعاً وشراءً على سبيل المتاجرة فيها كالمتاجرة في عروض التجارة، هذا القول ليس مقصوراً على أسهم شركات المساهمة التجارية، بل هو عام في جميع أسهم الشركات، سواء أكانت شركات تجاريةً، أم كانت شركات صناعيةً، أم كانت شركاتٍ زراعيةً، أم شركاتِ خدماتٍ عامةً، فمن يملك أسهماً في هذه الشركات وهو يقصد بتملكها المتاجرةَ فيها؛ فالزكاة واجبة فيها وجوب الزكاة في عروض التجارة من جميع الأموال الزكوية، ثابتة كانت أم منقولة، وباعتبار قيمتها السوقية..

وخلاصة القول في زكاة أسهم الشركات المساهمة:

أن مالكها لا يخلو قصده في التملّك من أحد أمرين:

أحدهما: أن يقصد بتملّكها الاستمرار في التملّك على سبيل استثمارها بأخذ عائدها الدوري:

فإن كانت أسهم تملّكه في شركة زراعية؛ فإن زكاتها فيما تخرجه الشركة من حبوب وثمار طبقاً لأحكام الزكاة في الخارج من الأرض.

وإن كانت هذه الأسهم في شركة صناعية؛ فإن زكاتها هي ما تخرجه الشركة عند كل حول مما يظهر في ميزانيتها عند نشرها في الوسائل الإعلامية وذلك من صافي أرباحها.

وإن كانت شركةً تجاريةً كشركات المصارف الإسلامية وشركات الاستيراد والتصدير؛ فإن الزكاة واجبة في قيمة السهم الحقيقية حسبما تقوّم به الشركة عند وجوب الزكاة فيها بعد حسم مصاريف الإدارة والأصول الثابتة مما ليس محلاً للإدارة التجارية، كمباني الشركة ومكاتبها ووسائل تجهيزها الثابتة.

الأمر الثاني: أن يكون القصد من تملك الأسهم من مالكها المتاجرةَ فيها بيعاً وشراءً، يشتريها اليوم ليبيعها غداً أو بعد غد ويبيعها اليوم ليشتري غيرها، طلباً للربح في تداولها وتقليبها، فمن كانت هذه نيته في التملّك، وهذا صنيعه في التصرّف؛ فإن الزكاة واجبة في جميع ما يملكه من أسهم من كل شركة مساهمة، سواء أكانت شركة زراعية أم شركة صناعية أم شركة تجارية، وذلك عند كل حول، والمعتبر في قيمة السهم قيمته السوقية؛ حيث إن هذه الأسهم تعتبر بهذا القصد والتصرّف عروضَ تجارة، وتجب فيها الزكاة كوجوب الزكاة في عروض التجارة محلاً وزمناً ومقداراً.

ثانياً- زكاة السندات الإسلامية وغير الإسلامية:

أحب أولاً أن أذكر الفرق بين السندات الإسلامية وغير الإسلامية:

السندات الإسلامية في مفهومي هي: وثائق لوحدات استثمارية في صناديق أو محافظ استثمارية تهدف إلى المضاربة. فهي تمثل وثائق بتملّك ما تحويه من وحدات أو أسهم في شركة مضاربة أو مشاركة، تمثل موجودات هذه الشركة في غالبها أموالاً زكويةً، ثابت كالعقارات، أو منقولة كالسلع والمعدات، وقد تسمى بسندات المقارضة

( القراض أو المضاربة) أو صكوك القراض، ولا شك أن هذا النوع من السندات خاضع للزكاة، وحيث إنه يختلف عن أسهم الشركات من حيث إنه ليس كالشركات المساهمة، فهو نوع من الاستثمار المنتهي بمدته المحدَّدة القصيرة جداً بالنسبة لعمر الشركة، فلا يُتصوّر أنه من جنس شركات المساهمة الخاضعة للتفصيل الوارد في أجناسها وأنواعها والقصد من تملّكها. فالسندات الإسلامية سندات لوحدات استثمارية، مخصوصة بالمضاربة التجارية المبنية على الإدارة والتقليب، فأرى أن الزكاة واجبة في رأس مالها وصافي ربحها كوجوبها في عروض التجارة.

أما السندات غير الإسلامية فهي: السندات التي تصدرها بعض الدول والشركات والمصارف التقليدية، مثل سندات الخزانة وغيرها. وهي في الواقع وثائق بديون ثمنية في ذمم مُصْدِريها، ولماليكها على المدانين بها فوائد ربوية مقابل تأجيل سدادها، ولئن كان تداولها بيعاً وشراءً بزيادة أو نقص عن مقدارها حراماً؛ لكون واقعياً تعاملاً ربوياً، وفوائدها الربوية تعتبر كسباً حراماً، إلاَّ أن الزكاة واجبة فيها، فهي بفوائدها الربوية مال حلال مختلط بمال حرام، فالمال الحلال تجب الزكاة فيه بشروطه، والمال الحرام يجب التخلّص منه، وإخراج الزكاة منه يعتبر أدنى قدر للتخلّص منه.
والخلاصة: أن السندات سواء أكانت سندات إسلامية أم سندات غير إسلامية تجب الزكاة فيها، فإن كانت سندات إسلامية وجبت الزكاة في قيمتها وقت وجوب زكاتها، وإن كانت سندات غير إسلامية فهي مال حلال مختلط بمال حرام؛ تجب الزكاة في المال الحلال ويجب التخلّص من المال الحرام وإخراج قدر الزكاة منه يعتبر حد للتخلص منه