الوقف الإسلامي والتنمية الاقتصادية

حوار مع سماحة الشيخ أمين كفتارو

الوقف الإسلامي والتنمية الاقتصادية

حوار مع سماحة الشيخ أمين كفتارو أجراه مراسل جريدة المستقلة اللندنية دمشق في 28/3/1998م

http://www.abunour.net/Arabic

 بسم الله الرحمن الرحيم 

السؤال الأول: مثّل الوقف في التاريخ الإسلامي أحد أهم الموارد الاقتصادية، هل تعتقد أنه بإمكان الوقف الإسلامي أن يلعب دوراً في عملية التنمية الاقتصادية في البلدان الإسلامية؟ وكيف؟

الجواب: الوقف باب خيري، انتهجته الأمة الإسلامية لتحقيق القربات والأعمال الصالحة ابتغاء مرضاة الله، وهو يعكس حكمة الإسلام في وقف الأموال، مع بقاء عينها لمصالح خيرية دائمة، فهو بذلك مغاير للفهم المعروف من الإنفاق، والمحصور بالصدقات على الفقراء والمساكين فقط.

يقول الإمام الشاطبي: ( إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً... وهو اختيار أكثر الفقهاء والمتأخرين... قال تعالى: {وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين}(سورة الأنبياء: [ الآية: 107 ]. ) )(الموافقات للإمام الشاطبي 1/2/ 4، 5.).

ويعتبر الوقف الإسلامي أحد التشريعات التي تحقق المصلحة للمجتمع الإسلامي، وعليه فقد ندب الإسلامُ المسلمينَ لفعله لما فيه من مصالح جمة،  ومنافع عديدة، وفوائد تعود على المجتمع بالخير الكثير، قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض }(سورة البقرة: [ الآية: 267 ].) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له ))(رواه أبو داود والترمذي والنسائي، انظر: (كشف الخفاء جـ1، ص105).)، والوقف يعتبر من الصدقات الجارية، التي يدوم ثوابها بعد موت صاحبها، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له مقدرة إلا وقف.

وورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب أصاب أرضاً بخيبر ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، قال فتصدق بها عمر أنه لا يباع ( أصلها ) ولا يوهب ولا يُورَث، وتصدَّق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعم غير متمول(رواه البخاري في الشروط، رقم ( 2586 )، ومسلم في الوصية، رقم ( 1633 )، والترمذي في الأحكام، رقم ( 1375 ).).

هذا ويعتبر الوقف الإسلامي من الخصائص التي انفرد بها الإسلام، ودعا إلى تطبيقها حرصاً منه على زيادة أعمال البر والإحسان من المسلمين، تقرباً إلى الله تعالى، وتوثيقاً للعلاقات فيما بين الناس جميعاً داخل المجتمع الإسلامي، فأجاز الوقف على الفقراء والأغنياء، والأقرباء والغرباء، والمسلمين وغيرهم من أهل الذمة، الذين يعيشون داخل المجتمع الإسلامي بشروط ذكرها فقهاء المسلمين، وفتح الباب واسعاً لكل الناس أن يُوقفوا من أموالهم نصيباً يُنفق في وجوه الخير.

وقد استجاب رجال الإحسان عبر التاريخ الإسلامي لهذا الترغيب الإسلامي، فوقفوا الأوقاف المختلفة في الخيرات، وهذا حال أكثر بلاد  المسلمين، وهنا في دمشق على سبيل المثال، قسم كبير من العقارات القديمة عائد للأوقاف الإسلامية.

ومرت الأيام على بلاد الشام، كان رجال الإحسان يتخيرون وجوه نفقة الخير على أوثق وجوه القربات، فوقفوا على المساجد والمدارس الشرعية وطلبة العلم والمستشفيات والجند وأبناء السبيل، ومن الأبواب التي وقف لها المسلمون:

1- الوقف على الخانات في طرق السفر، حيث كانت الخانات تنتشر على سائر طرق السفر، وكان المسافر يجد في هذه الخانات طعامه وشرابه وفراشه وزاده وعلف دابته، فيقيم في الخان ما شاء، ليلة أو اثنتين أو ثلاث، ويتزود لسفره، ثم يتابع السفر، وذلك كله من الأوقاف الإسلامية، دون أن يكلَّف المسافر بشيء.

2- تجاوز المسلمون الحاجات الضرورية إلى الحاجات الكمالية، وعُرف من الأوقاف في الشام، وقف خاص لشراء الفستق لطلبة العلم، ووقف خاص لشراء الزبادي التي تنكسر بأيدي الأولاد، ووقفوا الحلي للبس والاستعارة، كما فعلت السيدة حفصة رضي الله عنها، وغير ذلك من الأوقاف المختلفة.

3- ثم تجاوز الوقف الإسلامي حاجات الناس إلى حاجات الدواب والحيوان، فوقفوا أوقافاً لها، ولعل أقرب الأمثلة إلى ذلك ساحة الشهداء بدمشق (المرجة) التي كانت في الحقيقة وقفاً للدواب، تأكل منها، وترعى فيها سائر الأوقات.

وهكذا فإن اهتمام السلف بتوزيع الأوقاف الإسلامية في موارد مختلفة جعل منه وسيلة تنمية حقيقية للمجتمع، يؤدي دوره في تحقيق مرضاة الله عز وجل وخدمة العباد.

وهذا الدور التاريخي للوقف يمكن أن يتجدد في كل وقت إذا تحققت النية الطيبة، والتخطيط السليم، والرعاية الصحيحة، ويستطيع الوقف الإسلامي أن يلعب دوراً مهماً في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في كل بلدان العالم الإسلامي إذا توفرت الشروط الآتية:

1- وضع الأنظمة والقوانين التي تحمي أموال الوقف، وتساهم في تنمية دور هذه الأموال في الخطط الاقتصادية والاجتماعية في الدول الإسلامية، على أن تسند مهمة وضع الأنظمة والقوانين للخبراء من الفقهاء والاقتصاديين.

2- وضع الأنظمة والقوانين التي تجعل عملية وقف أموال وممتلكات المحسنين سهلة بسيطة مضمونة.

3- العمل على توسيع ممتلكات وأموال الوقف، بتشجيع المحسنين من خلال خطط إعلامية وإرشادية.

ويجب الاستفادة من التجارب والخبرات السابقة، وبخاصة في الدول الإسلامية التي حققت بعض النجاحات في هذا المجال.

السؤال الثاني: يعتقد كثير من المهتمين بمسألة الوقف الإسلامي أنها مسألة بحاجة إلى اجتهادات فكرية جديدة، تتواءم ومعطيات العصر، هل تعتقد أن مراجعةً كهذه ضرورية؟

الجواب:

 إن فقهاء الإسلام كانوا دوماً يحيطون الوقف الإسلامي بالدراسة الاجتهادية الدقيقة، ويستنبطون الحلول الاجتهادية لكل ما يستجد من مسائل، في إطار تقوية دور الوقف الإسلامي، وهذا الاجتهاد مازال قائماً يتجلى في الإفتاء والمجامع الفقهية المتعددة.

لقد جعل الإسلام للوقف شروطاً حتى يحقق الغاية المرجوة منه؛ منها أن يكون الوقف مما يُنتفع به مع بقاء عينه في الغالب، بحيث تكون منفعته مستمرة دون انقطاع، إذ القصد من وراء الوقف ديمومة الثواب للواقف، واستمرارية النفع للموقوف عليه، ومنها أن يكون الوقف لجهة موجودة قائمة غير منقطعة مع مرور الأيام؛ إذ إنه كيف سينتفع بالوقف من سيزول قريباً أو بعد حين، وهذا مما ينافي مقصود الوقف، ومنها أن لا يكون الوقف في محظور شرعي، كالوقف على أعمال الشر والفجور وغير ذلك من الأمور التي ذكرها الفقهاء مع التفصيل.

ويمكننا القول بأن القليل من أحكام الوقف ثابتة بالنص، وغالب أحكامه وردت عن طريق اجتهاد الفقهاء، وعليه فإن باب الاجتهاد في قضايا الوقف مفتوح لكل من لديه أهلية الاجتهاد، وأراد أن يدلي بدلوه في هذا الميدان الرحب، لاسيما إذا نظرنا إلى الأمور المستجدة، التي طرأت في عالم الاقتصاد في هذا الزمان.

فعلى العاملين في مجال الاقتصاد، والخبراء في هذا الميدان أن يتعاونوا مع المجتهدين من علماء الأمة الإسلامية في النظر إلى مستجدات الحياة، وكيفية تفعيل الأوقاف مع حركة الاقتصاد، بما يفيد الأمة الإسلامية في حاضرها ومستقبلها.

والمسألة الملحة هي إيجاد التنسيق بين مؤسسات الاجتهاد، ومؤسسات حماية الوقف وتثميره وتطويره.

إن من مقاصد الشريعة الأساسية حفظ المال، والأوقاف مال، فينبغي الحفاظ عليه وتنميته بالوسائل الأنجع.

فالإسلام في هذا المجال وضع لنا قاعدة الانطلاق الأولى، وترك لكل أهل زمان ومكان الحرية في التصرف بحسب المصلحة والمنفعة، فالوسائل تختلف باختلاف الأيام وتبدل الأقاليم، والحكيم: هو الذي يقوم بالعمل المناسب في الزمان والمكان المناسب.

السؤال الثالث: يعتقد كثير من المهتمين بمسألة الوقف الإسلامي أن هذه العملية تفتقد إلى الكفاءات المختصة في إدارة مشاريع الوقف، لذلك اقتصر الوقف على المعاهد الشرعية، ما هي حدود الحاجة إلى مثل هذا التجديد وبأي معنى وأي أرضية شرعية يمكن الاستناد إليها لدى الإدارة الاقتصادية المختصة في الوقف؟

الجواب:

الوقف الإسلامي شامل لكل جوانب الخير، والمعاهد الشرعية جزء من هذا الخير، ولكنها ليست الجهة الوحيدة التي رُصدت لها الأوقاف، لا في التاريخ، ولا في الواقع، فهناك المساجد والمشافي والمدارس ودور السكن ودور الأيتام، كلها تؤدي دورها من مال الوقف، والقاعدة عند الفقهاء ( أن شرط الواقف كنص الشارع ) وهكذا فإنه يمكن تقسيم نشاطات الوقف الإسلامي الآن إلى قسمين:

نشاطات استهلاكية: وهي ما ينفق في وجوه الخير، والمساجد والمعاهد الشرعية ، وهذه تنفق عليها الأوقاف ولا تعود بعائد مادي.

نشاطات إنتاجية: وهي ما رصده المحسنون ليتم استثماره بما يعود بالفائض المالي على الوقف؛ لينهض بالمشاريع المرتبطة به.

وفي الحقيقة فإن النشاطات الإنتاجية لا تتعدى على الأغلب تأجير العقارات، وهذا يعكس حاجة ملحة لتنمية هذا الجانب، كإنشاء استثمارات حقيقية في الصناعة والزراعة، وهو ما نتمنى أن ينتبه إليه القائمون على رعاية الوقف في العالم الإسلامي.

السؤال الرابع: كيف ينظر سماحة الشيخ أحمد كفتارو إلى واقع الوقف كما هو في العالمين العربي والإسلامي، ولماذا اختفى دوره في تحقيق التنمية؟

الجواب:

واقع الوقف لا ينفصل عن واقع المسلمين عموماً، فإذا كنا نطمح بالنهوض بالوقف الإسلامي فإن الأمر لا يتوقف على جانبٍ بعينه، بل إن النهوض بالأمة الإسلامية يتطلب عودة صحيحة إلى شريعة الله.

يوم طبقنا الإسلام على الأرض، قام في البلاد الإسلامية المجتمع الإسلامي الفاضل، بلا محاكم وبلا سجون، وصار الناس في أيام عمر بن عبد العزيز يطوفون بالصدقات فلا يجدون من يأخذها، وتراكم المال حتى لم يوجد له آخذٌ، وصار منادي عمر ينادي على الناس: ألا هل من فقير فنعطيه، ألا هل من أعزب فنزوجه، حتى صرف لكل كبيرٍ خادماً، ولكل ضرير قائداً، وفاض المال على رغم ذلك، حتى جعل يشتري الرقاب ويعتقها في سبيل الله.

قيام الإسلام في الحياة، يعني أنه لن تهدر من أموال الأمة كسرة خبز، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها على عينه ويقول: (( يا عائشة أحسني جوار نعم الله، فإنها قلَّ ما نفرت عن أهل بيت فكادت ترجع إليهم ))(أخرجه الحكيم الترمذي والخطيب، والبيهقي، عن عائشة  كنز العمال: 3/261.)

فأين هي كسرة الخبز من ضياع ثروات المسلمين - في هذا الزمان -وأموالهم بأيدي غرباء أو ضعفاء؟

كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة بين الركن اليماني وركن الحجر في أقدس بقعة في الدنيا قوله تعالى: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة}(سورة البقرة: [ الآية: 201 ].) فهل أقام المسلمون الدنيا الحسنة، والصناعة الحسنة، والزراعة الحسنة، والاقتصاد الحسن؟

إنه لا يكتمل تطبيق الإسلام إلا إذا استغنى المسلمون بأنفسهم عن الغرباء، وقامت مآذن المساجد إلى جانب مداخن المصانع في بناء الدين والحياة، وتنمية الروح والجسد.

فليس الوقف وحده هو الذي تجمد دوره في سلوك المسلمين، فالدعوة والمعرفة، والتعليم والوحدة، كلها مسائل نحتاج إليها لتحقيق نهضتنا ونشر رسالة الله.

ولعل أكثر الأدوار غياباً في رسالة الوقف الإسلامي، هي مسألة نشر الدعوة، فقد اقتصر إنفاق الوقف على رجال الشعائر الدينية من أئمة وخطباء، ومع أن أجورهم ضئيلة جداً، فإنهم أيضاً يؤدون دوراً محدداً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أما الدعوة في الآفاق، وتخير أفضل الدعاة، وإرسالهم إلى البلاد المختلفة في الشرق والغرب؛ لنشر الإسلام فهذا لم يتحقق منه ما يكفي بعد.

إننا لا نستطيع أن نغزو العالم بالجيوش، ولكننا نملك أن نغزوه بالدعاة، ونحمل أفكار الخلاص التي يقدمها الإسلام للأجيال.

وإنني أهيب بالقائمين على الوقف الإسلامي في العالم، وفي البلدان الغنية خاصة، أن يولوا هذا الجانب اهتماماً كافياً، وإنني أصرح من هذه الصحيفة، أن أمريكة بكل جبروتها يمكن أن تتحول إلى الإسلام لو وفرنا الأعداد الكافية من الدعاة الناجحين، نكفيهم مئونة الدنيا، ويقومون بواجب الدعوة والبلاغ فيها.

إن ألف داعية يمكن أن يكونوا ألف سفير لقضايا العالم الإسلامي، ينشرون الحب والخير والرشاد، وقد عرفت هذا من خلال تجربتي الشخصية، وتجارب إخواني وتلامذتي وغيرهم من الدعاة في مختلف أنحاء العالم.

 والحمد لله رب العالمين