ماذا لو قصفت أمريكا إيران في سبتمبر

منير الشواف

ماذا لو قصفت أمريكا إيران في سبتمبر
 
إن الفرق بين التخيل والتصور كبير جداً , فالتخيل نوع من أنواع الوهم البعيد عن الواقع , فهو مربوط بالعواطف والنزوات والرغبات , لأنه آمال بدون وسائل معرفية تجعل تحقيقه ممكن الوجود , بينما التصور يكون من خلال التفكير بواقع ومنطق الأحداث , وفهمها وإدراكها إدراكاً عقلياً يجعل حدوثها ممكناً , من خلال احتمالات تفكير الخصم , ومعرفة مصالحه الجوهرية التي تجعل اختياره لأحد الخيارات وارداً وضرورياً وليس مستحيلاً .
من خلال الفرق بين التخيل والتصور , هل يستطيع السياسي المتابع لأحداث العالم لهذه الفترة الحرجة والدقيقة التي تسبق انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر نوفمبر عام 2008 , أن يتصور السيناريو الذي يمكن أن يحدث فيما إذا أقدمت الولايات المتحدة على قصف البنى التحتية والعسكرية في إيران بما فيها مراكز تخصيب اليورانيوم .
إن الكثير من المراقبين السياسيين والعسكريين قد أفصحوا عن آراءهم من خلال الصحافة الدولية , ورجحوا أن يكون هذا الاحتمال وارداً , ولكن حسب متابعتي لم يتعرض أي منهم إلى دوافع الولايات المتحدة الحقيقية للقيام بمثل هذا العمل , وماذا سينتج عنه من ردود فعل في منطقة الشرق الأوسط الكبير ( الأوسع ) وماذا سيحدث في العالم , وما أهداف الولايات المتحدة من ذلك . وما سيكون موقف الدول الكبرى , من خلال رد فعل إيران , بإمكاناتها العقائدية والتكنولوجية والعسكرية والبشرية داخل وخارج إيران .
إن إقدام الولايات المتحدة على قصف إيران بمختلف صنوف الأسلحة بما في ذلك الصواريخ الموجهة عابرة القارات ومن حاملات الطائرات , أمراً ممكن الحدوث . والمفترض أن الولايات المتحدة درست ردود الفعل المحلية والدولية جيداً .
إن إيران في هذه الحالة تستطيع أن ترد على الولايات المتحدة باستعمال قواتها الصاروخية متوسطة المدى لاستهداف أسطول الولايات المتحدة في الخليج العربي وأن تغلق باب المندب , بالإضافة إلى زوارقها السريعة والمزودة بصواريخ حرارية لاستهداف قطع الأسطول الأمريكي بعمليات يسميها الغرب انتحارية .
أما على صعيد الحرب البرية فإن إيران قادرة على اجتياح جنوب العراق برياً وإجبار وحدات الجيش البريطاني على الانسحاب من الجنوب , وتهديد الوحدات الأمريكية في جنوب ووسط العراق .
إضافة إلى ذلك إن لإيران أيدي إضافية ثورية , وهي الخلايا النائمة , مهيأة ومبرمجة وقادرة على إشعال المنطقة في أماكن التواجد الشيعي من لبنان إلى الباكستان والبحرين وشرق السعودية , وكثير من أجزاء العالم العربي والإسلامي ضد الولايات المتحدة .
من المستبعد بل من المستحيل على ما أعتقد أن تتورط الولايات المتحدة في حرب برية أخرى في منطقة الشرق الأوسط , أو أي مكان آخر في العالم , فهي غارقة في مستنقع أفغانستان ومستنقع العراق , وهذا يجعل الولايات المتحدة في وضع عسكري ضعيف , يضطرها إلى تفجير الشرق الأوسط الواسع بالكامل , عن طريق التدخل التركي من الغرب والتدخل الباكستاني من الشرق لتحجيم الوضع الشيعي في إيران , وبذلك تكون الولايات المتحدة حققت ( الفوضى البناءة ) التي تكلمت عنها كونداليزا رايس , فهل الولايات المتحدة مستعدة إلى هذا النوع من السيناريو , الذي يجعل الصين وروسيا وأوربا على حدود حرائق كبيرة تؤثر عليها جميعاً , ويجعلها في موقف إما المشاهد المنتظر النتائج أو تدخل عسكري أو سياسي لا مفر منه وغير مأمون العواقب .
إن هذا السيناريو أشبه بظروف تسبق حرب عالمية ثالثة , يمكن أصحاب النفوذ والمصالح  في الولايات المتحدة من التمديد للرئيس جورج دبليو بوش لفترة كاملة 4 سنوات أو لفترة إضافية حتى تنهي الولايات المتحدة من حالة الحرب المعلنة , وخاصة إذا استغل هذه الظروف من تسميها الولايات المتحدة قوى الإرهاب الأصولية المحلية والدولية حيث يتحتم عن ذلك التمديد للرئيس واستبعاد المرشحين الوهميين أوباما وماكين .
إن هذا السيناريو ليس نوع من أنواع التخيل الذهني غير المربوط بالواقع , بل هو نوع من أنواع التصور العقلي المربوط بالواقع الحالي للسياسة والموقف الدولي , بعد تفكك الاتحاد السوفيتي الذي جعل الولايات المتحدة من خلال الحروب المسماة حروب الإرهاب في وضع دفاعي عن مصالحها في العالم , لأنها لن تصبر على المستقبل الواعد للصين لتكون القوة العظمى المؤثرة في القرار السياسي الدولي , كما هي مؤثرة الآن في الوضع الاقتصادي الدولي , ولن تصبر على اتحاد أوربي يدعو إلى اتحاد متوسطي يسحب البساط من تحت الولايات المتحدة بالشرق الأوسط , ولن تصبر على مستقبل روسيا بعد أن أعادت تأهيل نفسها اقتصادياً وعسكرياً , وقد أعادت للخدمة الطائرات الإستراتيجية حاملة الرؤوس النووية التي تجوب العالم بعد أن استأنفت طلعاتها الجوية .
إن الولايات المتحدة أمام مفترق طرق فإذا قصفت البنى التحتية في إيران يعني أنها أدخلت العالم عن طريق حرائق الشرق الأوسط في حالة فوضى دولية تكسر التاريخ والجغرافيا وتنهي أوضاع ( سايكس بيكو ) ولا تهدأ إلا بوضع عالمي جديد يحدد القوى الأولى في العالم من خلال نظام عالمي جديد . وهذا يعني أنها ستوصل العالم وهي على أبواب انتخاب الرئيس الى حالة شبه حرب عالمية معلنة ليس أمامها إلا التجديد للرئيس بوش كما فعلت في الحرب العالمية الثانية عندما جددت مرتين للرئيس روزفلت إضافة إلى المرتين الدستوريتين , وهذا أمر واقع حدث سابقاً في عامي 1940 , 1944 , حيث قضى الرئيس روزفلت /89/ يوماً من رئاسته الرابعة , قبـل أن يعلنوا وفاتـه وينته دوره اللذي استأجره له الرأسماليون مـن جمهوريين وديمقراطيين معاً ,
ممثلي أصحاب القرار السياسي في البلاد , ويكمل مدة الرئاسة نائبه ترومان , اللذي قصف هيروشيما وناغازاكي نووياً .
والسؤال اللذي يطرح نفسه الآن , هل ممكن أن تستجد ظروف قبل 4 نوفمبر موعد انتخابات الرئاسية الأمريكية مماثلة للظروف التي فرضت على الولايات المتحدة التجديد للرئيس روزفلت , وهي ظروف الحرب العالمية الثانية , حيث أن الدستور الأمريكي لا يمانع من التجديد للرئيس إذا قدر الكونجرس أن التمديد هو لمصلحة الأمن القومي الأمريكي .
إن تقديري إن الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية للعالم حتى مدة انتخابات الرئاسة الأمريكية قد تكون أخطر من ظروف الحرب العالمية الثانية , وإن الولايات المتحدة لم تفتح جبهتي أفغانستان والعراق عن عبث وإنها منعت وقوَّضت أي حلول سلمية وكانت عاملاً رئيساً في تأزيم الوضع الفلسطيني بفصل غزة عن الضفة , وأبقت الأزمة اللبنانية على ( كف عفريت ) كما يقولون تنفجر في أي وقت يناسبها أي أن الولايات المتحدة كانت وراء كل الأزمات السياسية في المنطقة تعمل على إدارتها دون أن تحلها .
فهل يا ترى يكمن الحل النهائي في إحراق المنطقة بقصف إيران , للوصول الى ( الفوضى البناء ) أو الهدامة التي نادت بها كونداليزا رايس كسياسة للوصول الى ديمقراطيتها المزعومة للمنطقة من خلال الفترة الثالثة لحكم الرئيس جورج دبليو بوش , وعند ذلك تضع الولايات المتحدة الصين وروسيا والاتحاد الأوربي أمـام مسؤولياتهم , فإما أن يساعدوا على إطفاء الحريق كما تريد الولايات المتحدة وبقيادتها للعالم , وإما أن يتحملوا جميعها شظايا ودخان هذا الحريق القاتل , وإما أن يصل بلهبه إليهم , لأنهم الدول المجاورة للشرق الأوسط الكبير اللذي تدعو له سياسة المحافظين الجدد في عهد بوش , وعلى الجميع أن يتحملوا آلام مخاض الولادة , التي قالت عنها كونداليزا رايس .
منير الشواف
دمشق: 22/6/2008