قناة الجزيرة الفضائية / برنامج من واشنطن

د. منير الشواف

قناة الجزيرة الفضائية / برنامج من واشنطن

السيد حافظ الميرازي المحترم

سعادة السيد بريجنسكي مستشار الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي المحترم

 

لقد كنت أحد المشاهدين للبرنامج الذي شاركتم به على قناة الجزيرة مساء الاثنين في 13/11/2006 مع السيد حافظ الميرازي (من واشنطن)، ولقد حفًّز السيد ميرازي المشاهدين للرد بناء على رغبتكم، وإني أسجل على مقابلتكم ما يلي:

ـ تعلمون علم اليقين بأن اللذي يحكم الولايات المتحدة منذ الاستقلال هم أهل الفعاليات الاقتصادية، سواء أكانوا تحت مسمى جمهوري أم ديمقراطي، وهم اللذين يصنَِّعون الرئيس الأمريكي كمتعاقد معهم لتنفيذ منهاج سياسي واقتصادي واجتماعي محدد، ولا يستطيع الرئيس أن يخرج عن هذا الاتفاق، وإلا كانت نهايته كنهاية كندي ونيكسون وبوش الأول، وأنت تعرف أسباب إقصائهم حيث ليس مجال ذكرها الآن. وليست هـي موضوع بحثنا.

ـ إن أمثال سعادتكم مـن المستشارين فـي البيت الأبيض (ماكغفرن، كيسنجر، كوندوليزارايس، كولين باول...) لا تستطيعون الخروج عن الخط السياسي العام الذي أصبح من أجله الرئيس رئيساً، واللذي لا يعلمه بدقة إلا من أتى به، وهم صنَّاع الرئيس المالكون الحقيقيون للقرار السياسي في الولايات المتحدة. وأنتم موظفون مهمتكم إعطاء الآراء والدراسات للرئيس وهو اللذي يختار منها ما يوافق خط (اللوبيات) التي مكنته من السلطة.

سعادة السيد بريجنسكي، بناء على ما تقدم أقول بصراحة بأنك لم تكن شفافاً في هذه المقابلة عندما حمَّلت بوش وإدارته مسؤولية تردِ أوضاع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وأن نهاية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ستكون كنهاية الوجود البريطاني والفرنسي بعد حرب السويس عام 1956، ولم تجاوب السيد ميرازي عن القوة التي تستطيع أن تملأ هذا الفراغ في حال خروج الولايات المتحدة أو طردها كما طرد البريطانيون والفرنسيون. وكانت نصائحك لحكام المنطقة عامة رداً على سؤال السيد ميرازي، هو أن تكون أفعالهم وليس أقوالهم المقررة لأوضاع المنطقة بخصوص النزاع العربي الإسرائيلي للوصول إلى استقرار في المنطقة.

إن وجهة نظري هي أن سياسة إدارة الرئيس كارتر بين 1977 ـ 1981 وأنت كنت فيها مستشاراً لشؤون الأمن القومي هي التي جعلت إدارة الرئيس بوش تتخبط في أوضاع سياسية ومستنقعات آسنة ليست من صنعها بل من صنعكم. والدلالات على ذلك ما يلي:

ـ لقد كان سعادتكم مستشاراً للأمن القومي عام 1978 للرئيس كارتر، وفي عهدكم الميمون منذ بدايات عام 1978 بدأت الثورة الإسلامية في إيران ووصل السيد الخميني إلى مطار طهران في 1 / فبراير / 1979، واستقبله 6 مليون إنسان وعلى رأسهم القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنرال (قرباغي)، مع ثلة من جنرالات الشـاه السابقين اللذين طلب منهـم جنرالكـم (هويزر) قائـد قواتكم في ألمانيا، الوقوف على الحياد، وترك

 

 

 

 

الصراع بين الشعب والشاه، وهذا وحده كافي لإسقاط أي نظام في الشرق الأوسط والعالم الثالث، وهذا ثابت في مذكرات الجنرال (هويزر) واعترافات أبو الحسن بني صدر أول رئيس للجمهورية الإسلامية، والشاه نفسه. وإن إدارتكم هـي التي سهلت وصول التيار الشيعي الخميني إلى السلطة ودعمته للاستئثار بالسلطة أيضاً.

ـ لا أشك يا مستر بريجنسكي بأن نصيحتك بالسماح للشيعة الدينية السياسية بالاستيلاء على الحكم في إيران، هي التي ولدَّت كل مشاكل المنطقة الحالية. لأنك كباحث ومستشار للأمن القومي، يجب أن تعرف عقائد وأفكار من يستلمون السلطة، فالإمامية الشيعية تقوم على أن السنة اغتصبوا الحكم من آل البيت، وإن واجب الشيعة الديني ردع الغاصب وقمعه وإعادة المغصوب، وهو الحكم إلى آل بيت الرسول ومناصريهم، وهذا وحده يكفي ليكون قاعدة (لسياسة الفوضى البناءة) التي اضطرت إليها الإدارة الأمريكية في عهد بوش لبناء شرق أوسط كبير أو أوسع على أساسها، وأنت يا صاحب السعادة وضعت أسس هذه الفوضى، عندما اقترحت أو أيدت استلام الشيعة السياسية للحكم في طهران، وليس لك عذر في أنك تجهل وجود أكثرية شيعية في العراق ولبنان وشيعة الهزارة في أفغانستان وباكستان، وأثر الشيعة السياسي على المنطقة، وأن غالبية الشرق الأوسط الواسع هي غالبية سنية، فكان من الطبيعي أن تحدث الفوضى في هذه المنطقة التي وُضع في مستنقعها الرئيس بوش، وكنت أنت وكارتر في ذلك مشمولون بقول الشاعر العربي:

 إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.

ـ إن ما أسماه المتابعون لأرائكم السياسية (هلال بريجنسكي) في كتابكم ـ لعبة الشطرنج الكبرى ـ الصادر عام 1997، وكتابكم ـ الاختيار ـ الصادر حديثاً للبلاد الممتدة من جنوب شرق آسيا مروراً بآسيا الوسطى إلـى تركيا، والذي وصفتموه بأنه الهلال الإسلامي، هذا الهلال الغير مستقر والرخو واللذي يعيش في حالة قلقة، قد ضمه الرئيس بوش ورايس إلى الشرق الأوسط القديم، وأسماه الشرق الأوسط الواسع، من أندونيسيا إلى طنجه، هذه المنطقة التي ستكون مجالاً (لسياسة الفوضى البناء) كما وصفتها رايس بقولها على اثر هجوم إسرائيل على لبنان (لقد بدأت الولادة وأن على أهل المنطقة تحمل آلام المخاض).

هذا الشرق الأوسط الواسع اللذي صرح عنه بوش مرتين، في العام الماضي قال: (إن هناك من الأصوليين من يعمل لقيام إمبراطورية إسلامية من أندونيسيا إلى مدريد)، ثم عاد وصرح منذ أسبوعين بقوله: (إن خروجنا من العراق يعني قيام إمبراطورية إسلامية من أندونيسيا إلى مدريد).

ما هو تفسير إصرار الرئيس بوش على ذكر (مدريد) إنه يصر على ذلك حتى يخيف أوروبا من الإسلام، لأن كلمة احتلال (مدريد) تعني امتداد الإمبراطورية الإسلامية على رأي السيد بوش إلى أوروبا، وهذا هو الشبح المخيف الذي يستعمله بوش ضد الاتحاد الأوربي بعد أن فكك الأوربيون بقيادة (تاتشر، ميتران، كول وبتواطؤ مع يلستين) الاتحاد السوفيتي بدون رغبة الولايات المتحدة، التي كانت تسعى مع جورباتشوف لإنهاء الماركسية وليس لتفكيك الاتحاد السوفيتي، فهي ترغب باتحاد سوفيتي غير ماركسي موحَّد وقوي وينسق معها، ليستمر بالضغط على أوروبا لتحتمي بالولايات المتحدة، وهذا كان سبب كافي لإسقاط بوش الأول لفشله في المحافظة علـى الاتحاد السوفيتي، ولسحب الدعم لـه من قبل الجمهوريين والديمقراطيين، حيث تواطئوا مع الملياردير (روس) ليرشح نفسه ضد بوش الأول ويأخذ من أصواته، فسقط ونجح المرشح كلينتون الذي اتفق الجمهوريون والديمقراطيون على نجاحه، كما اتفقوا على نجاح بوش الثاني ضد المسكين (آل غور) الذي ذهب ضحية المستشارين والمتنفذين اللذين أرغموه على وضع السناتور اليهودي (ليبرمان) على قائمته نائب للرئيس، وهذا وحده كاف ليسقطه وليخسر الكثير من أصوات المتدينين الإنجيليين الداعمين الأساسيين للجمهوريون، واللذي محال عليهم قبول يهودي رئيس للجمهورية في حال فراغ منصب الرئيس لأي سبب. ومع ذلك لم ينجح بوش الثاني إلا بأغلبية 705 أصوات بعد الفرز اليدوي عن ولاية فلوريدا وبقرار من المحكمة الدستورية العليا التي لا تخرج أيضاً عن رغبات المتنفذين.

وبعد ذلك يا صاحب السعادة أؤكد على: أن مقابلتك المذكورة لم تكن صريحة وإنك تعرف الكثير عما يجري وجرى بالشرق الأوسط وإنك كنت متسبب رئيسي في ما وصل إليه الشرق الأوسط الآن. لأنك أنت الذي أعطيت النصح للرئيس كارتر كمستشار للأمن القومي لدعم المجاهدين المسلمين وتسهيل وصولهم إلى أفغانستان عن طريق باكستان، بل وتدريبهم والإنفاق عليهم وتزويدهم بالعتاد للوقوف في وجه الاتحاد السوفيتي والضغط عليه للانسحاب من أفغانستان، حتى يطرد المسلمون السوفيت من أفغانستان بدمائهم محافظة منكم على أرواح مواطنيكم، وهذا اللذي أدى إلى الحروب التي تسموها الآن حروب الإرهاب، علماً أن إدارتكم في عهد الرئيس كارتر هي التي خطَّطتها ودعمتها، فأنتم إذن المسؤول الأكبر عن ما يسمى حروب الإرهاب الآن، وانتم اللذين أخرجتم عفريت الإرهاب من قمقمه والرئيس ريغان طوره، وبوش متورط الآن في عدم مقدرته على إعادة هذا العفريت إلى قمقمه بعد أن انتقل إلى العراق وسائر بلاد المسلمين بدرجات متفاوتة من الخطورة.

وفـي عهدكم الميمون أيضاً أكملتم المشوار الذي بدأه الرئيس غير المنتخب، الرئيس الصدفة (فورد) في لبنان، عندما وافقتم على دخول الجيش السوري إلى لبنان لضبط الأمن والأوضاع في البلاد وضبط التوازن الطائفي، فكان أهم أعمالكم تطوير الحرب الطائفية في لبنان من بداية ولايتكم 1977 حتى نهايتها عام 1981، فكانت الأسلحة تصل إلى الشيعة اللذين أسسوا هم حزب الله تحت أبصاركم، بحجة أن ذلك يحقق التوازن المطلوب بين الشيعة والسنة وكافة الطوائف المسيحية، ويساعد على إنهاء أو تحجيم الوجود البريطاني والفرنسي في لبنان وسائر بلاد الشام. لكن هذا الاجتهاد هو اللذي أوصل حزب الله إلى ما عليه الآن، وإن الإدارة الأمريكية غدت غير قادرة على السيطرة على مخططاتها، وكل ذلك بسبب البدايات التي بدأتموها في عهدكم الكارتري فبيضَّت وفرَّخت، هذه النتائج التي أغرقت الولايات المتحدة في عهد بوش بمستنقعات أنتم المتسببون بها، ولو عدتم إلى الحكم الآن، لا اعتقد أنكم تستطيعون أنت والرئيس كارتر فعل أكثر مما تفعل إدارة الرئيس بوش.

أنت تعرف أن أمريكا ليست جادة في إنهاء النزاع بين العرب واليهود، لأن الشرق الأوسط الواسع من منظور أمريكا، سوف لن تكون فيه إسرائيل كما هي الآن، حتى إنكم توقعتم بأن سياسة المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية ستنهي أمريكا وإسرائيل معاً بالشرق الأوسط، وأيد قولكم رئيس البنك الدولي السابق جيمس وولغنسون عندما حذر منذ أيام فقط، أمام جمع يهودي في شيكاغو (بأن الولايات المتحدة قد تقصي إسرائيل من مركز اهتماماتها فـي أعقاب التغيرات الحاصلة في الشرق الأوسط) أي أن أمريكا ستستغني عن خدماتها، حيث إسرائيل زاولت منذ تأسيسها حماية خريطة (سايكس بيكو) لصالح الأوربيين، وأمريكا بسياستها الجديدة تريد إنهاء هذه الخريطة الأوربية، وإيجاد خريطة جديدة تخدم المطامح الأمريكية، وإلا كيف يمكن تفسير تأييدكم لإسرائيل في قمعها وإرهابها، واستعمالكم حق النقض اللذي يحد من طغيانها، وكل يوم جثث الفلسطينيين أطفالاً ونساء محمولة على الأكتاف، والأقنية الفضائية تبث هذه المناظر التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تساعد على صلح بين اليهود والمسلمين، وتجعل ذلك مستحيلاً، وهل ممكن إيجاد شرق أوسط واسع من خلال الفوضى البناءة كما تقول كوندوليزارايس، وإنهاء خريطة سايكس بيكو، وإسرائيل تبقى ككيان مستقل وآمن في المنطقة.

بناء على ما تقدم أجد يا صاحب السعادة الفرق ليس كبير بينكم وبين الرئيس بوش وإدارته من الناحية الإستراتيجية فكلاكما تعملون لمصلحة الولايات المتحدة، وأنت ومن على رأيك من الديمقراطيين والجمهوريين بعد دعمكم لوصول الشيعة السياسية للسلطة كنتم تحبذون استقرار الشرق الأوسط بموجب نفس الخرائط اللذي طرحها بوش ولكن بأسلوب الانقلابات والأعمال الداخلية، وبدون تورط عسكري، فأنتم اللذين ساهمتم في إشعال فتنة المذابح المذهبية والطائفية عندما دعمتم وصول الشيعة السياسية للحكم في إيران وهذا اللذي أدى إلى ظهور حزب الله في لبنان، وأنتم اللذين دعمتم ما تسموه الإرهاب من خلال دعمكم للجهاد الأفغاني في أفغانستان لإضعاف الاتحاد السوفيتي داخلياً وخارجياً، وإن ما جرى في المنطقة والعالم هو وليد لسياساتكم أيام حكم الرئيس كارتر، من تفكيك للاتحاد السوفيتي وانتشار الإرهاب، وحروب الإرهاب المتضادة وظهور الإسلام السياسي.

فلماذا تتنكرون الآن وكأن سياسة الجمهوريين سياسة مستقلة عن الديمقراطيين، فالجميع يخدمون أهل الفعاليات الاقتصادية أصحاب القرار السياسي في أمريكا، وإن سياسة إدارة بوش تجني ثمار إدارتكم أيام الرئيس كارتر. فكان حالكم معها، كقول المثل العربي (ألقاه في اليم مكتوف اليدين وقال له إياك إياك أن تبتل في الماء). فماذا تستطيع أن تفعل إدارة الرئيس بوش أو أي إدارة أمريكية قادمة حيال المستجدات الدولية التي ساهمت أنت في إحداثها، والصين واليابان والاتحاد الأوربي وروسيا متربصون كل يريد حصته في النظام العالمي المتوقع واللذي هو على أبواب الولادة، والولايات المتحدة في اضعف أوضاعها السياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، والظلم الذي وقع على العالم الإسلامي هو الداء وهو الدواء لإنقاذ العالم.

 

د. منير الشواف

دمشق: 20/11/2006