قصة إسلام أهل اليمن ومعجزة تحديد القبلة

قصة إسلام أهل اليمن ومعجزة تحديد القبلة :

كان أهل اليمن يمثلون ثقلاً سكانياً كبيراً في الجزيرة العربية ، وقد جعل الله في إسلامهم آية ، فتذكر كتب الحديث والسير والتاريخ أنهم أسلموا برسالة دون حرب ، لكن هذه الرسالة كانت معجزة ، وشاء الله أن تحتوي أحداث قصة إسلام أهل اليمن على معجزة جديدة أظهرتها الأبحاث في جيلنا في شهر رجب عام 1427هـ .
أما الرسالة التي أسلم عليها أهل اليمن فقد كانت بعد أن وصل رسولا باذان [بابويه وخرخسره] إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يطلبان منه السفر إلى كسرى ملك الفرس للمثول بين يديه يسأله عن رسالته التي تجرأ بزعمه وأرسلها إليه يدعوه إلى الإسلام [وباذان هو الوالي الفارسي الذي كان يحكم اليمن في مدينة صنعاء] فأخبرهما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في صبيحة اليوم التالي لوصولهما أن الله قد انتقم له وقتل كسرى الذي تطاول على نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : "إن ربي تبارك وتعالى قد قتل ربك يعني كسرى "رواه أحمد 5/43 برقم : 20455 وصححه الأرنؤوط .

وفي رواية "اذهبوا إلى صاحبكم فأخبروه أن ربي قد قتل ربه الليلة" .

وفي رواية "أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه كسرى في هذه الليلة" السلسلة الصحيحة 3/414، وروى نحوه ابن أبي شيبه 7/346 برقم 36656 ، كما وردت القصة مطولة في كتب السير والتاريخ انظر سيرة ابن هشام 1/69 والسيرة النبوية لابن كثير 3/509 وتاريخ الرسل والملوك للطبري 2/31 والكامل في التاريخ لابن الأثير1/318 ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور وسبل الرشاد 10/67 والروض الأنف 1/146 والسيرة النبوية للصلابي 2/1120 .

فعاد الرسولان بهذا الخبر الغيبي المزلزل للفرس الذين كانوا يحكمون اليمن، ولأهل اليمن الذين انتشر فيهم الخبر حتى وصل حضرموت، وما هي إلا أسابيع وجاءت الأخبار مؤكدة لهذا الخبر الذي أخبر به في صبيحة ليلة حدوثه وهو على مسافة بعيدة لايصل منها الخبر إلا بعد أكثر من شهر فظهرت المعجزة فعرفوا صدق رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. =

= فأسلم الفرس الذين كانوا في اليمن بقيادة باذان ، وأسلم أهل اليمن ، وتحرك اليمنيون بوفودهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عام الوفود ولما نزلت (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) (النصر:1) قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "إذا جاء نصر الله والفتح وجاء أهل اليمن هم أرق أفئدةً والإيمان يمان والحكمة يمانية" أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه 2/277 برقم 7709 وقال الأرنؤوط إسناده على شرط الشيخين ، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة 9/149 برقم3369 والدارمي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنه 1/51 برقم79 واللفظ له والطبراني في المعجم الأوسط 2/284 برقم 1996 والنسائي في السنن الكبرى 6/525 برقم 1712 الحديث في صحيح مسلم بدون ذكر الآية الكريمة عن أبي هريرة رضي الله عنه ك/ الإيمان ب/ تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن 1/71 برقم 52 .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ "إذا جاء نصر الله والفتح" وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم ، لينة طباعهم ، سخية قلوبهم، عظيمة خشيتهم ، فدخلوا في دين الله أفواجا" أخرجه الطبراني في مسند الشاميين 1/283 برقم493 .

وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن أحد عشر معلماً ، منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي أرسله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى همدان بن زيد ، ومنهم معاذ بن جبل رضي الله عنه أرسله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى مخلاف الجند، ومنهم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أرسله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى تهامة ، ومنهم وبر بن يُحنَّس الخزاعي رضي الله عنه الذي أرسله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى صنعاء وأمره أن يبني لهم = =مسجدا ، قال وبر بن يحنس الخزاعي رضي الله عنه : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "إذا بنيت مسجد صنعاء فاجعله عن يمين جبل يقال له ضين" أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 1/253 برقم83 وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن .

وقال الحافظ الرازي في كتابه "تاريخ صنعاء" أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما أرسل وبر بن يحنس إلى صنعاء في العام السادس الهجري قال له : "مرهم ببناء مسجد لهم في بستان باذان من الصخرة التي في أصل غمدان ، واستقبل به الجبل الذي يقال له ضين" وهاتان الروايتان تفيدان أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حدد للصحابي وبر بن يحنس رضي الله عنه الموضع الذي يبنى فيه المسجد بقوله: "واستقبل به الجبل الذي يقال له ضين" وإذا أخذنا هذه الروايات واستفدنا مما كشفه العلم الحديث اليوم ، وما تيسر لنا من إمكانيات جاءت بها الأقمار الصناعية التي قامت بتصوير الأرض على مستويات متفاوته ، فهي تصور المكان عن قرب واضح يبين تفاصيل بيت أو سيارة كما تصور عن بعد يبين أطراف دولة أو دول أو قارة أو قارات ، وبهذه الإمكانية التي أتاحها نظام [جوجل إيرث Earth Google] للباحثين استطعنا أن نثبت الدقة المساحية والجغرافية للتوجيهات النبوية التي قالها للصحابي وبر بن يحنس في وقتٍ مَا كان الناس يعرفون شيئاً عن جغرافية أرض محدودة فضلاً عن مساحة تصل إلى ما يزيد عن ألف كيلومتر من المدينة المنورة إلى صنعاء ، ومن اطلع على أول خريطة رسمت للجزيرة العربية بعد هذا التوجيه النبوي بقرون يعرف صعوبة تحديد الملامح الكبرى للجغرافيا كالبحار والجبال والصحراء فضلاً عن المدن والمساحات الدقيقة والإحداثيات بالغة الدقة كما هو الحال في موضوعنا هذا حول توجيهات النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي تحدد قبلة مسجد صنعاء وقد حافظ اليمنيون على المسجد الذي بناه الصحابي الجليل وبر بن يُحنَّس في زمن الرسول صلى الله عليه وآله = = وسلم وبتوجيهاته على حدوده إلى يومنا هذا ، وجعلوا لحدوده دعامتين مميزتين إحداهما تسمى المسمورة والثانية تمسى المنقورة ، وحتى بعد بنائها بالحجر الآن حافظ اليمنيون على موضع الدعامتين وكتبوا على الدعامتين : المسمورة والمنقورة وهذا المكان المحدد بدعامتي المسمورة والمنقورة موجود معلوم طوال التاريخ الإسلامي لليمن وإلى يومنا هذا في مؤخرة الجامع الكبير بصنعاء ، وعندما قمنا باستعمال هذا البرنامج [جوجل إيرث G55gle Earth] المتصل بالأقمار الصناعية وخرجنا بسهم من قبلة المسجد الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبر بن يحنس ببنائه واتجهنا به إلى قمة جبل ضين كما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجعل قبلة المسجد إليه ، ثم واصلنا امتداد الخط المستقيم فإذا به يدخلنا مكة المكرمة ويصل بنا إلى الحرم الشريف ويستقر في وسط الكعبة، وإذا كانت أغلب مساجد المسلمين في العالم تتجه في تحديد القبلة إلى الجهة التي فيها الكعبة كما قال تعالى : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)(البقرة: من الآية150) ، إلا أن توجيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوبر بن يحنس مكّنَه من تحديد القبلة إلى عين الكعبة مباشرةً ، وهذا هو الوحي الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا هو الفرق بين العمل البشري والتوجيه النبوي ، فمن علَّم محمداً صلى الله عليه وآله وسلم تحديد موضع الكعبة وجهة القبلة ، وزاوية ميلها التي لا تتيسر إلا بأدق الأجهزة العلمية في عصرنا الحاضر وباستعمال الأقمار الصناعية والطائرات والخرائط الدقيقة ؟! وصدق الله القائل عن الوحي الذي أجراه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال تعالى : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (لنجم:3-5) إنها الرسالة التي أقام الله حجتها على العباد بمعجزات تتجدد عبر القرون .